Friday, August 29, 2014
5

مِت رومني وضبط الحقائق

نيويورك ــ إن ما يجري في الولايات المتحدة هذه الأيام أشبه بحرب دائرة بين الواقع والخيال. وكانت إعادة انتخاب أوباما بمثابة انتصار ــ واضح ولو كان محدودا ــ لقضية الواقع.

ولقد قدمت لنا الأحداث التي وقعت خلال الأيام التي سبقت الانتخابات الرئاسية في أميركا مثالاً صارخاً لهذا الصراع. فبين كبار مساعدي المنافس الجمهوري مِت رومني، سرى اعتقاد مفاده أنه بات على أعتاب النصر. بيد أن اقتناعهم هذا كان بلا أساس وفقاً لنتائج استطلاعات الرأي. ورغم هذا فقد تنامى ذلك الشعور بقوة حتى أن معاونيه بدءوا في مخاطبة رومني بلقب "السيد الرئيس".

ولكن الرغبة الشديدة في تحقق أمر ما لم تكن كافية لتمكينهم من تحويله إلى حقيقة. وربما اقترب رومني من التحول إلى رئيس، ومن الواضح أنه كان يريد أن يستمتع بهذا ما دام بوسعه هذا، ولو كان ذلك قبل الأوان. ثم في ليلة الانتخابات، عندما أعلنت شبكات التلفاز هزيمة رومني في ولاية أوهايو وبالتالي إعادة انتخاب باراك أوباما، ذهبت حملة رومني إلى رفض قبول النتائج إغراقاً في الإنكار. ثم مرت ساعة بالغة الحَرَج قبل أن يتقبل رومني الواقع ويلقي بخطاب لبق اعترف فيه بفوز أوباما.

كان تجاهل الواقع بنفس الطريقة بمثابة السمة المميزة ليس فقط لحملة الحزب الجمهوري بل وأيضاً للحزب الجمهوري بالكامل في الآونة  الأخيرة. فعندما أصدر مكتب إحصاءات العمل تقريراً في شهر أكتوبر/تشرين الأول أظهر أن معدل البطالة الوطني ظل "بلا تغيير في الأساس عند معدل 7,9%"، سعى نشطاء الحزب الجمهوري إلى التشكيك في مصداقية مكتب إحصاءات العمل رغم ما يحظى به من احترام كبير. وعندما أظهرت نتائج الاستطلاعات أن رومني متأخر عن الرئيس باراك أوباما، سعوا إلى التشكيك في مصداقية الاستطلاعات. وعندما أصدرت خدمة أبحاث الكونجرس غير الحزبية تقريراً مفاده أن خطة الضرائب التي اقترحها الحزب الجمهوري لن تفيد على الإطلاق في تعزيز النمو الاقتصادي، أرغم نواب مجلس الشيوخ الجمهوريون خدمة أبحاث الكونجرس على سحب تقريرها.

ويعكس هذا الرفض المتكرر لحقائق واضحة وضوح الشمس نمطاً أوسع. فعلى نحو متزايد، سعى الحزب الجمهوري، الذي كان ذات يوم حزباً سياسياً طبيعيا، إلى منح نفسه رخصة للعيش في واقع بديل ــ عالم أشبه بذلك الذي وجد فيه جورج دبليو بوش أسلحة الدمار الشامل التي تخيل وجودها في العراق؛ والذي نجحت فيه خطة خفض الضرائب في القضاء على عجز الميزانية؛ فأوباما ليس مسلماً فحسب، بل إنه وُلِد أيضاً في كينيا وبالتالي لابد من تجريده من الأهلية لتولي منصب الرئاسة؛ ومسألة الانحباس الحراري ليست أكثر من حيلة اختلقتها ثُلة من العلماء الاشتراكيين. (والديمقراطيون أيضاً وضعوا من جانبهم قدماً في معسكر الوهم والخيال).

ولكن بين كل معتقدات الجمهوريين غير الواقعية، كان إنكارهم الشديد لتغير المناخ نتيجة لأنشطة بشرية أكثر مظاهر إنكارهم خطورة بلا أدنى شك. فإذا تُرِك الانحباس الحراري العالمي بلا علاج فإنه كفيل بتدمير الظروف المناخية التي شكلت الأساس لارتقاء الحضارة الإنسانية وجعلها في حكم الإمكان على مدى الأعوام العشرة آلاف الماضية.

كان رومني، بوصفه حاكماً لولاية ماساتشوستس، قد أعرب عن اعتقاده بصحة وواقعية الانحباس الحراري العالمي. ولكنه كمرشح للرئاسة انضم إلى المنكرين ــ وهو التحول الذي اتضح تماماً عندما قَبِل ترشيح الحزب له في تامبا بولاية فلوريدا في أغسطس/آب. فخاطب رومني الحضور في مؤتمر الحزب الجمهوري قائلا: "لقد وعد الرئيس أوباما بالبدء في إبطاء ارتفاع مستوى سطح المحيطات"، ثم توقف برهة مبدياً ابتسامة موحية أشبه بابتسامة الممثل الهزلي الذي ينتظر أن يفهم الجمهور مزحته.

وبالفعل فهمه الحاضرون فشرعوا في الضحك. وانتظر رومني حتى تعالى الضحك، ثم ألقى بسطر الضربة القاضية: "وشفاء كوكب الأرض"، فانفجر الحاضرون في نوبة عنيفة من الضحك. ولعل هذه اللحظة كانت الأكثر بروزاً وبعثاً على الأسى والحزن في حملة تستحق الرثاء ــ اللحظة التي يدون فيها التاريخ الآن عن الجهد الإنساني للحفاظ على كوكب ملائم للحياة، والتي حكم عليها بأن تشهد قدراً لا يفنى من سوء السمعة.

ثم أتت التتمة المذهلة. فبعد ثمانية أسابيع، ضرب إعصار ساندي شواطئ ولاية نيوجيرسي ومدينة نيويورك. وكانت موجات البحر التي ساقها بارتفاع أربعة عشر قدماً مدعومة بارتفاع مستوى سطح البحر الناجم بالفعل عن قرن كامل من الانحباس الحراري العالمي، فاستمدت العاصفة عنفوانها وشدتها من مياه المحيط التي أصبحت أكثر دفئاً على كوكب تتزايد درجات حرارته على نحو مستمر. فجاء هذا المد من الواقع ــ أو ما أطلق عليه ألكسندر سولجينستين ذات يوم وصف "عتلة الأحداث التي لا تعرف الشفقة" ــ لكي يفجر الفقاعة المحكمة التي أقامتها حملة رومني من حوله، فاخترق جدرانها كما اخترق جدران مانهاتن السفلى وفار روكيواي.

في السِجال بين الحقيقة والخيال، أصبح للواقع حليف قوي فجأة. فأعيد رسم الخريطة السياسية برشاقة ولكن على نحو لا يخلو من العواقب. فقد انطلق أوباما إلى العمل، الآن ليس بوصفه مرشحاً فوزه غير مؤكد، بل باعتباره رئيساً جديراً بالثقة وخدماته مطلوبة بشدة من قِبَل هؤلاء الذين ضربهم الإعصار على الساحل الشرقي. فقد رأى ثمانية من كل عشرة ناخبين، كما أظهرت استطلاعات الرأي، أن أداءه كان طيباً في التعامل مع مأساة الإعصار، وأعلن كثيرون أن هذا الانطباع أثر على اتجاه تصويتهم.

وفي تحول سياسي قوي ومفاجئ، تبين أن حاكم ولاية نيوجيرسي كريس كريستي، الذي كان المتحدث الرئيسي في مؤتمر الحزب الجمهوري الذي سخر فيه رومني من مخاطر الانحباس الحراري العالمي، كان واحداً من هؤلاء الذين تأثروا بأداء أوباما، وصرح بذلك علنا.

كان عالم السياسة الأميركية ــ وليس عالم الجمهوريين فقط، بل وأيضاً الديمقراطيين (ولو بدرجة أقل) ــ حريصاً على إقامة سياج حاول به عزل نفسه عن حقائق مشؤومة. ولكن هذه الحقائق، وكأنها تنصت وتستجيب، دخلت إلى معترك الحملة الانتخابية، فأدلت بصوتها مبكرا، وربما كانت السبب في تحويل النتيجة. لقد تكلمت الأرض، فأنصت لها الأميركيون، ولو لمرة واحدة.

ترجمة: هند علي          Translated by: Hend Ali

Hide Comments Hide Comments Read Comments (5)

Please login or register to post a comment

  1. Commentedjames durante

    There are many levels of delusional thinking that comprise the cultural heart of "civilization," the very thing Schell seems so desperate to save. There is the idea that you can somehow square the relentless expansionism of civilizations with justice. There is the idea that civilization can compensate for the loss of primitive innocence when all it does is destroy it with increasing rapacity. There is the idea that "this time is different" and civilization will magically save itself when every civilization, by its very operation, brings about its own collapse.

    Does Schell think that the slightly less delusional democrats have a plan for countering the constant growth model of this civilization? That is delusional.

  2. Commentedjack lasersohn

    You might consider that if a population is lied to often enough, it begins to distrust all historic sources of authority, and is easily preyed upon by charlatans.

    Since you have focused on the lies of the right i will mention a few on the left. The government has been a prime source for many of these 'big lies'.The biggest, and the source of much of the rational anger on the right, has been the claim since the days of FDR and Johnson that we could finance the kind of entitlement system they created without massive taxes on the American middle class at some point. We have reached that point and the portion of the American populous who actually pay taxes have recognized the lie and are now in open revolt.
    The 'big lie' of the recent campaign, that we can finance our enormous future public liabilities , with a tax increase on the upper 1%, was as outrageous as any on the republican side.
    The rejection of science on the left is just as crazy as on the right, from 'vaccines cause autism' , to 'herbal upper colonics cure cancer', to 'all the strontium 90 found in the baby teeth of children must come from nuclear power plants', etc.
    If carbon from fossil fuel is causing global warming, then the rational answer is to tax fossil carbon and let market innovators figure out how to deal with it. Instead, Obama grants special subsidies to favored constituents while implying that this is somehow the answer, so that his favored 'middle class' need never pay a penny to save the planet.
    And the rest of the left wing blogosphere offers similar 'pain free' solutions (debt financed stimulus) to a market crash caused by middle class families buying homes they could not afford on credit.
    Any objective observer should be as shocked by the fantasies of the left as by those of the right.
    If not, one is simply another wild eyed partisan arguing with other partisans about whose fantasies are more unbelievable.

  3. CommentedZsolt Hermann

    Unfortunately not only the Republicans are living in fantasy land.
    The whole of the US and together with them the whole global world is still living in a fantasy of constant quantitative growth as the only possible way of living.
    All the other problems, facts mentioned in the article, including humanity's opposition to nature is part of the same package, and the solution has to also address this root cause.
    The bottom line is that while humanity is simply part of the vast, natural ecosystem around, humans live as if they were above the system and could do whatever they want, inventing their own systems, laws and principles.
    Even if we do not attribute the climate and weather changes directly to human effect, the economical and financial system based on the same attitude is already collapsing burying all of us underneath.
    The only solution is to find our way back to the natural system, recognizing and following its laws, adapting to the intricately interconnected and interdependent system.
    And in that respect all the present leaders, experts and the public alike has to change fundamentally.
    Let us hope that President Obama and his team, freed from the worries of re-election understands this.

  4. CommentedJohn Simms

    In 2004 John Kerry refused to accept the result until Weds morning, yet something tells me Mr. Schell wouldn't have considered that a "denial of fact."

  5. Commentedjimmy rousseau

    Mr. Schell is actually being a little kind to republicans. There are some from this party who sit in congress, both as representatives and senators, who believe in a 6000 year old earth, mock evolution and geology and pay no price in the media for these views.
    But the author is correct in his assessment that eventually they must pay the price for this wilful ignorance. But no their is nothing equivalent on the democratic side of the fence.

Featured