Children play in their room at a refugee camp near Belgrade Oliver Bunic/Getty Images

خيانة مضاعفة للأطفال اللاجئين

إسطنبول ــ من سوريا إلى ميانمار، يتحول الأطفال الذي يقعون في مرمى نيران الصراعات إلى ضحية لخيانة مزدوجة. فبعد إرغامهم على ترك ديارهم في أكبر أزمة لاجئين منذ الحرب العالمية الثانية، أصبحوا الآن الضحايا الأبرياء لوعد مهجور بتمكينهم، حتى بوصفهم لاجئين، من الالتحاق بالمدرسة. وحتى في حين تتفاقم ظروفهم سوءا وتتزايد أعدادهم، تستمر محنتهم دون أن يلتفت إليهم أحد.

The Year Ahead 2018

The world’s leading thinkers and policymakers examine what’s come apart in the past year, and anticipate what will define the year ahead.

Order now

يبدو أن الهتاف الصاخب الذي استُقبِلَت به تعهدات المساعدات الإنسانية الماضية أفسحت المجال الآن لصمت مخز. ففي حين تدور عجلة الأخبار وتتحول التغطية إلى أحداث أكثر إثارة، تتضاءل احتمالات عودة 75 مليون طفل وشاب في مختلف أنحاء العالَم توقف تعليمهم بفِعل النزوح القسري إلى المدراس.

لعله ليس من قبيل المصادفة أن لا يتحقق وعد التعليم لجميع اللاجئين في سن المدرسة. ولن يكون أي قدر من حسن النوايا كافيا للتغلب على بنية المساعدات الدولية التي تظل تعمل ضد الأطفال. فلا يزال الإنفاق على التعليم محاصرا بين المساعدات الإنسانية، التي تركز على الضروريات الأكثر أساسية للبقاء مثل الغذاء والمأوى والدواء، وبرامج المساعدات الإنمائية التي يجري التخطيط لها على مدى سنوات وهي أبطأ من أن تستجيب للأزمات. ونتيجة لهذا، كثيرا ما يلقى التعليم معاملة الأولوية الدنيا، فهو آخر ما يمول وأول ما يخضع تمويله لإعادة التوجيه.

على سبيل المثال، من منطلق إدراكه للفجوات في الإنفاق على المساعدات، قرر منسق إغاثة الطوارئ في الأمم المتحدة للتو تخصيص مبلغ إضافي قدره 45 مليون دولار لدعم عمليات الإغاثة في أفغانستان، وجمهورية أفريقيا الوسطى، وتشاد، والسودان. ولكن هذه الأموال، على الرغم من أهميتها الشديدة، غير كافية على الإطلاق، ولن يذهب منها نحو توفير التعليم سوى جزء ضئيل. من ناحية أخرى، تقوم منظمات مثل مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين، ومكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، واليونيسيف (منظمة الأمم المتحدة للطفولة)، واليونيسكو (منظمة الأمم المتحدة للتربية والعِلم والثقافة) بعمل إنساني جدير بالثناء، ولكنها تظل مفتقرة إلى التمويل الكافي.

في العام الفائت، أنشئ "صندوق التعليم لا يمكن أن ينتظر" لسد فجوة التمويل وضمان حماية التعليم عند وقوع الكوارث. وكان هذا التطور مشجعا وحظي بدعم هيئات الأمم المتحدة كافة. ولكن الحقيقة المثبطة للعزيمة هي أن التمويل لم يواكب الاحتياج.

ومع ذلك، لم تكن رياح التمويل المعاكسة كافية لتثبيط طموح صندوق التعليم لا يمكن أن ينتظر بقيادة مديرته الجديدة ياسمين شريف. فسرعان ما جمع الصندوق أول 120 مليون دولار لتعزيز التعليم الجيد لصالح 3.2 مليون طفل نازح، وبالتالي دعم 17 ألف معلم، مع استثمارات في سوريا وحولها، فضلا عن تشاد، وأثيوبيا، واليمن.

ومن خلال العمل مع شبكة من الشركاء تركز على مساعدة اللاجئين السوريين، يعالج الصندوق التحديات البنيوية، مثل مكافأة المعلمين وعمليات توثيق الشهادات، في حين يساعد في وضع منهج جديد يستند إلى التعايش. وبالتعاون مع وزارة التعليم والتعليم العالي في لبنان ــ الهيئة التي ترزح تحت ضغوط شديدة بفعل تدفق نصف مليون طفل سوري لاجئ ــ يساعد الصندوق أيضا في تحقيق هدف تقديم التعليم العالي الجودة لكل الأطفال والشباب في سن 3 إلى 18 عاما.

تمثل هذه المبادرات المبدعة تقدما كبيرا. ولكن تلبية احتياجات الأطفال الذين تُرِكوا في الخلف سوف تتطلب أموالا أكبر كثيرا من الأموال المتاحة حتى الآن تحت تصرف صندوق التعليم لا يمكن أن ينتظر.

في سوريا، تسببت حرب أهلية مدمرة ومطولة في جعل أكثر من سبعة ملايين طفل في احتياج إلى مساعدات إنسانية، ونحو 2.5 مليون طفل بلا مَسكَن. وفي فبراير/شباط 2016، اجتذب مؤتمر دعم سوريا والمنطقة في لندن 1.4 مليار دولار في هيئة تعهدات لصالح التعليم، ولكن جزءا ضئيلا فقط من هذه الأموال وصل حتى الآن إلى الخطوط الأمامية. وتظل سوريا مخربة، ولم تبدأ جهود إعادة البناء هناك بعد.

والأطفال اللاجئون السوريون في لبنان هم الأكثر تضررا من هذا الفشل. من المؤكد أن مبادرة مبدعة لضمان حصول هؤلاء الأطفال على التعليم ــ برنامج مدرسي بنظام الفترتين يستخدم نفس الفصول المدرسية التي يستخدمها الأطفال اللبنانيون ــ تعمل على تحرير مساحة ومواد قيمة، وتجعل من الممكن تسليم التعليم بتكلفة نحو 600 دولار فقط لكل تلميذ. ويتخلص الهدف في تزويد 540 ألف طفل سوري ولبناني عُرضة للخطر في سن 3 إلى 18 عاما بشكل ما من أشكال التعليم هذا العام، مع استفادة 220 ألف طفل من نظام الفترتين.

غير أن المانحين لم يسهموا حتى الآن بأكثر من 200 مليون دولار ــ أقل بنحو 100 مليون دولار من المطلوب. ونتيجة لهذا، ربما يُصبِح مئات الآلاف من الأطفال الضعفاء عاجزين عن الوصول إلى التعليم. وبالفعل، أصبح لبنان مضطرا إلى إجراء تخفيضات مؤلمة والتخلي عن أرض ثمينة. كما تواجه الأردن وتركيا، اللتان تبنتا أيضا نموذج الفترتين، معضلات مماثلة.

على نحو مماثل، يواجه القسم الأكبر من 500 ألف طفل من جنوب السودان الذين تدفقوا عبر الحدود إلى أوغندا العجز عن الحصول على التعليم ــ على الرغم من خطة الحكومة الأوغندية السخية لتزويدهم بأماكن في المدارس ــ بسبب نقص التمويل. ثُم هناك الآلاف من الأطفال المحاصرين في الموصل في العراق؛ والذين يتعرضون للقصف في صنعاء في اليمن؛ والذين يضطرون إلى الفرار من ولاية راخين في ميانمار إلى بنجلاديش. وهكذا تستمر دورة نقص التمويل واليأس.

بيد أن المشكلة تمتد إلى ما هو أبعد من الدراسة. فعلى الرغم من المبادرات الرئيسية، مثل برنامج التعليم في الاستجابة للطوارئ، والذي يهدف إلى الربط بين الشباب ودورات التعليم العالي، يظل الآلاف من الشباب المؤهلين غير قادرين على تأمين أماكن في المعاهد والجامعات. وهذا لا يقوض مستقبلهم فحسب؛ بل ويعوق أيضا قدرتهم على استخدام مهاراتهم للمساعدة في إعادة بناء بلدانهم.

إن حياة الناس لا تتحطم بفِعل الأمواج التي تغمر سترات النجاة أو القوافل التي لا تتمكن من الوصول إلى المدن المحاصرة فحسب، بل تتحطم أيضا بسبب غياب الأمل ــ اليقين الساحق للروح بعدم وجود أي شيء يمكن التخطيط له أو التحضير له في المستقبل، ولا حتى مكان في مدرسة.

يفتقر الأطفال اللاجئون في العالَم عادة إلى جوازات السفر لتمكينهم من عبور الحدود بقدر أكبر من الحرية. ولكن جواز سفرهم الحقيقي إلى المستقبل يُختَم في المدرسة، وليس عند معبر حدودي. وربما يمكننا إعادة تشييد البنية الأساسية، ولكن الأطفال لن يتمكنوا أبدا من استعادة سنوات التعليم التي فاتتهم.

يتعين علينا أن نتحرك الآن لضمان حصول هذا الجيل الشاب من اللاجئين على التعليم وحمايتهم من الضياع. وآنئذ فقط يصبح بوسعنا أن نوفر الأساس لإعادة البناء الحقيقية وإطلاق العنان للأمل الذي يستحقه كل الأطفال.

ترجمة: مايسة كامل          Translated by: Maysa Kamel

http://prosyn.org/maFoZM5/ar;

Handpicked to read next

  1. Patrick Kovarik/Getty Images

    The Summit of Climate Hopes

    Presidents, prime ministers, and policymakers gather in Paris today for the One Planet Summit. But with no senior US representative attending, is the 2015 Paris climate agreement still viable?

  2. Trump greets his supporters The Washington Post/Getty Images

    Populist Plutocracy and the Future of America

    • In the first year of his presidency, Donald Trump has consistently sold out the blue-collar, socially conservative whites who brought him to power, while pursuing policies to enrich his fellow plutocrats. 

    • Sooner or later, Trump's core supporters will wake up to this fact, so it is worth asking how far he might go to keep them on his side.
  3. Agents are bidding on at the auction of Leonardo da Vinci's 'Salvator Mundi' Eduardo Munoz Alvarez/Getty Images

    The Man Who Didn’t Save the World

    A Saudi prince has been revealed to be the buyer of Leonardo da Vinci's "Salvator Mundi," for which he spent $450.3 million. Had he given the money to the poor, as the subject of the painting instructed another rich man, he could have restored eyesight to nine million people, or enabled 13 million families to grow 50% more food.

  4.  An inside view of the 'AknRobotics' Anadolu Agency/Getty Images

    Two Myths About Automation

    While many people believe that technological progress and job destruction are accelerating dramatically, there is no evidence of either trend. In reality, total factor productivity, the best summary measure of the pace of technical change, has been stagnating since 2005 in the US and across the advanced-country world.

  5. A student shows a combo pictures of three dictators, Austrian born Hitler, Castro and Stalin with Viktor Orban Attila Kisbenedek/Getty Images

    The Hungarian Government’s Failed Campaign of Lies

    The Hungarian government has released the results of its "national consultation" on what it calls the "Soros Plan" to flood the country with Muslim migrants and refugees. But no such plan exists, only a taxpayer-funded propaganda campaign to help a corrupt administration deflect attention from its failure to fulfill Hungarians’ aspirations.

  6. Project Syndicate

    DEBATE: Should the Eurozone Impose Fiscal Union?

    French President Emmanuel Macron wants European leaders to appoint a eurozone finance minister as a way to ensure the single currency's long-term viability. But would it work, and, more fundamentally, is it necessary?

  7. The Year Ahead 2018

    The world’s leading thinkers and policymakers examine what’s come apart in the past year, and anticipate what will define the year ahead.

    Order now