Skip to main content

Cookies and Privacy

We use cookies to improve your experience on our website. To find out more, read our updated Cookie policy, Privacy policy and Terms & Conditions

sierakowski48_Jack TaylorGetty Images_macronEUFranceflag Jack Taylor/Getty Images

ماكرون وحيدا

وارسو ــ ربما تكون موهوبا، ووسيما، وخطيبا مفوها، وشجاعا سياسيا، ومع ذلك تعاني كثيرا. في الأمد البعيد، تشكل الحكمة وضبط النفس مكونين شديدي الأهمية للقيادة الناجحة، ويبدو أن هاتين الصفتين على وجه التحديد هما ما كان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يفتقر إليه حتى الآن.

يريد ماكرون قيادة الاتحاد الأوروبي إلى القرن الحادي والعشرين. لكنه لن ينجح في مسعاه هذا إلا إذا امتنع عن الغلو فيه. فإذا بالغ فإنه بذلك يفتح نفسه أمام تحد ربما يفرضه زعيم سياسي صاعد آخر. وقد يحدث هذا بمجرد خروج ألمانيا من وعكتها السياسية الداخلية، أو إذا قررت دول أعضاء أخرى تشكيل تحالف ضد فرنسا، أو إذا تسبب ماكرون في تنفير عدد أكبر مما ينبغي من القوى الفاعلة الأساسية داخل الاتحاد الأوروبي. وكلما ارتفعت طموحات ماكرون، كلما تعاظمت المخاطر التي تهدد مستقبله السياسي.

على المستوى السياسي، يمثل ماكرون تضاربا في المصطلحات. فبوصفه سياسيا مناهضا بقوة للشعبوية لكنه يستخدم مع ذلك أدوات شعبوية، رفض ماكرون الأحزاب السياسية التقليدية ودعا إلى الاستعاضة عن الساسة بأشخاص عاديين. وعلى هذا فإنه يصر على أن حركته "La République En Marche !" (الجمهورية إلى الأمام!) ليست في حقيقة الأمر حزبا سياسيا، وأنه لا ينتمي إلى اليسار ولا إلى اليمين. الفارق الرئيسي هنا هو أن برنامجه ليس قوميا بل مؤيدا لأوروبا، ويكاد يكون عالميا، وأنه يعارض الشعبويين الآخرين. لكن موقفه المؤيد لأوروبا لا يتجاوز ما تسمع به المصالح الاقتصادية الفرنسية، كما أظهر عند اختيار المرشحين لشغل المناصب العليا في الاتحاد الأوروبي في وقت سابق من هذا العام.

علاوة على ذلك، يجدر بنا أن نتذكر أن ماكرون قاد في عام 2017 حملة تشديد الضوابط التنظيمية الخاصة "بالعمال المبتعثين" ــ وخاصة أولئك القادمين من بولندا والمجر ــ وأن أشد هجوم شنه على الشعبويين في أوروبا الوسطى والغربية أطلقه من مصنع ويرلبول الفرنسي الذي كان من المقرر أن ينتقل إلى بولندا. ولعل ماكرون يرغب مخلصا في تكامل أوروبي أكثر عمقا، لكن هذا لم يمنعه من تأميم أحد أحواض بناء السفن في فرنسا لمنع شركة إيطالية من شرائه.

وفي وقت أقرب إلى الزمن الحاضر، أخذ ماكرون صفحة أخرى من دليل القائد الشعبوي عندما سعى إلى إقامة علاقات أكثر دفئا مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتن، وأعلن أن منظمة حلف شمال الأطلسي "ماتت دماغيا" ــ وهي اللغة التي ربما استُقبِلَت بالهتاف والاستحسان في الكرملين. كان المقصود من تحذير ماكرون بشأن حلف شمال الأطلسي تنبيه أوروبا إلى ضرورة تأمين استقلالها الدفاعي. وكان أيضا تَذكِرة بأن فرنسا قوة نووية، بمعنى أنها ليست مضطرة إلى إخفاء الشكوك التي لا يجرؤ قادة أوروبيون آخرون على البوح بها.

بفضل الجهود التي بذلها ماكرون، عادت روسيا إلى مجلس أوروبا في يونيو/حزيران، بعد تعليق عضويتها في عام 2014 في الرد على ضمها لشبه جزيرة القرم. ثم في مؤتمر للسفراء في أغسطس/آب، أعرب ماكرون عن دعمه لعودة روسيا إلى مجموعة الدول الثماني، وحذر الدبلوماسيين الفرنسيين من الوقوف في طريق مبادرته تجاه بوتن. وفي محادثات ثنائية مع بوتن في فورت دي بريجانسون في فرنسا في ذات الشهر، كان ماكرون، وليس ضيفه، هو الذي تحدث عن أوروبا التي تمتد من لشبونة إلى فلاديفوستوك.

Subscribe now
Bundle2020_web

Subscribe now

Subscribe today and get unlimited access to OnPoint, the Big Picture, the PS archive of more than 14,000 commentaries, and our annual magazine, for less than $2 a week.

SUBSCRIBE

لكن دبلوماسية الاتحاد الأوروبي-روسيا ليست المجال الوحيد حيث استعرض ماكرون عضلاته. ففي أكتوبر/تشرين الأول، أصدر ماكرون اعتراضا (فيتو) مفاجئا ضد مفاوضات الانضمام التي يجريها الاتحاد الأوروبي مع ألبانيا وجمهورية مقدونيا الشمالية، ومنذ ذلك الحين، وصف البوسنة والهرسك بأنها "قنبلة موقوتة". ومن الواضح أن كلا التحركين يتعارض مع موقفه المؤيد لأوروبا، ويبهج بوتن بكل تأكيد.

الواقع أن مناورات ماكرون الأخيرة كان تتصب في مصلحته الشخصية بوضوح. وربما كان المقصود من احتضانه بوتن تجنب التحدي من جانب زعيمة اليمين المتطرف الفرنسي مارين لوبان، التي تضمنت قائمة داعميها الماليين في الماضي بنوكا روسية تربطها علاقات بالكرملين. وبمنع انضام مقدونيا الشمالية وألبانيا، فإنه بذلك يمنع أي تعزيز إضافي لكتلة أوروبا الوسطى والشرقية في الاتحاد الأوروبي، والتي قد تتفوق على قوة التصويت الفرنسية في المجلس الأوروبي.

على نطاق أعرض، تجد فرنسا في عهد ماكرون ذاتها في خواء جيوسياسي خلقته أزمة الخروج من الاتحاد الأوروبي في المملكة المتحدة، وصعود الشعبويين والقوميين في إيطاليا، والانفصالية الكتالونية في إسبانيا، واستحكام الأنظمة غير الليبرالية في أوروبا الوسطى والشرقية. ولم يتبق من اللاعبين المستحقين للثقة على أرض الملعب سوى ألمانيا ودول الشمال المنعزلة مثل هولندا والدنمرك. ولأن انتصار لوبان على ماكرون من شأنه أن يوجه ضربة قاصمة للاتحاد الأوروبي ذاته، فقد تسامحت ألمانيا مع مبادرات الرئيس الفرنسي الطموحة. لكن صبرها بدأ ينفد.

في نهاية المطاف، لا تزال قواعد اللعبة في أوروبا تُحَدَّد بواسطة ألمانيا ــ وبشكل أكثر تحديدا المستشارة أنجيلا ميركل. المشكلة هي أن ألمانيا أصغر من أن تقود أوروبا منفردة، لكنها مع ذلك أكبر من أن تمتنع عن قيادتها. لهذا السبب، لم يدفع ماكرون باختياره للمرشح لرئاسة المفوضية الأوروبية إلا عندما وجد مرشحا ألمانيا. لكن ألمانيا لم تستطع الدفع بمرشحها هي، لذا فقد اضطرت إلى قبول الألماني الذي رشحه ماكرون للمنصب (الذي تشغله الآن وزيرة الدفاع السابقة أورسولا فون دير لاين).

مع ذلك، كان سلوك ماكرون مؤخرا سببا في زيادة الأمور تعقيدا على تعقيد بالنسبة للألمان، الذين يريدون التغيير التدريجي وليس الثورة. والواقع أن تحذيراته بشأن حلف شمال الأطلسي تعني ضمنا أن ألمانيا ستحتاج إلى توسيع قدراتها الدفاعية، وهي فكرة لا تحظى بقدر كبير من الدعم بين الناخبين الألمان. وإذا أفرط ماكرون في إصراره فقد يستفز غضب الألمان ومقاومتهم.

لكن ماكرون، مثله في ذلك كمثل كثيرين غيره في أوروبا، شهد ما يكفي من أحادية ألمانيا في ما يتصل بمسائل مثل ما إذا كان من الواجب السماح بدخول اللاجئين من سوريا والعراق، أو ما إذا كان من الواجب فرض حظر تصدير الأسلحة إلى المملكة العربية السعودية. وهو في الأريج يريد إبرام صفقة مع خليفة ميركل ــ سواء كانت وزيرة الدفاع الألمانية أنجريت كرامب كارنباور أو أي شخص آخر ــ بشأن ميزانية الاتحاد الأوروبي، ومسألة التوسع، والدور الذي ستلعبه الشركات الفرنسية في تعزيز القدرة الدفاعية الألمانية.

تاريخيا، كانت الدبلوماسية الفرنسية متفوقة في عقد الصفقات الكبرى. ولكن في عهد ميركل، تجنبت ألمانيا مثل هذه الاتفاقات، مفضلة عليها الوضع الراهن أو التغييرات التراكمية، لأنها تضطر عادة إلى دفع مقدار إضافي. ومن جانبه، تكشف دبلوماسية ماكرون المفرطة النشاط عن عقدة نقص ما بعد الإمبريالية، والتي تتسبب أعراضها ــ سواء كانت خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي أو البوتينية ــ في إعاقة تطبيع أوروبا، وعرقلة تعبئة الاتحاد الأوروبية لموازنة ثِقَل الصين والولايات المتحدة. الواقع أن خطاب ماكرون يشير إلى أنه راغب في مكافحة هذه الأعراض. لكن تصرفاته الأخيرة تبدو وكأنها تعيد إنتاجها.

ترجمة: مايسة كامل          Translated by: Maysa Kamel

https://prosyn.org/LBNC2Ukar;