Tuesday, October 21, 2014
10

أميركا وسياسة العالم الثالث

كمبريدج ــ مع انتهاء الانتخابات الرئاسية، بات بوسع الولايات المتحدة أخيرا أن تلتقط أنفاسها بعد الحملة الانتخابية، ولو لبعض الوقت على الأقل. ولكن هناك سؤال مزعج يظل قائما: كيف لدولة هي الأقوى في العالم على الإطلاق، وصاحبة أقدم ديمقراطية مستمرة حتى الآن، أن تقدم لنا مثل هذا الخطاب السياسي الذي يذكرنا بدولة أفريقية فاشلة؟

قد يكون في هذا تقييم بالغ القسوة للديمقراطيات الوليدة في أفريقيا. وإن كنت تتصور أنني أبالغ، فمن الواضح أنك لم تكن منتبهاً بالقدر الكافي. فرعاية الجماعات المتطرفة، ورفض الحقائق العلمية، والأكاذيب الفاضحة، والتحريف الصريح، والتهرب من القضايا الحقيقية التي ميزت الجولة الانتخابية الأخيرة، كل هذا يجر السياسات الديمقراطية إلى مستويات غير مسبوقة من التدني والانحطاط.

لا شك أن الجمهوريين الأميركيين هم أسوأ المخالفين، فقد حبس زعماؤهم أنفسهم بطريقة ما في نطاق ضيق من الأفكار البالية التي تخالف كل المعايير الأخلاقية في الدول المتقدمة. فمن بين نحو عشرة مرشحين رئاسيين من الحزب، امتنع اثنان فقط (مٍت رومني وجون هانتسمان) عن رفض الحقائق العلمية فيما يتصل بالانحباس الحراري العالمي وأسبابه الراجعة إلى أنشطة بشرية. ولكن عندما اشتد التركيز على هذه القضية، شعر رومني بقدر كبير من عدم الارتياح إزاء موقفه السابق حتى أنه أبدى قدراً كبيراً من التذبذب في التعامل مع القضية.

كانت نظرية دارون في النشوء والارتقاء أيضاً بمثابة كلمة قذرة بين الجمهوريين. فقد اعتبرها ريك بيري، حاكم ولاية تكساس وأحد المرشحين المتقدمين في الانتخابات التمهيدية داخل الحزب الجمهوري، "مجرد نظرية مطروحة"، في حين زعم رومني ذاته أنها تتفق مع نظرية الخلق ــ الفكرة القائلة بأن قوة ذكية صممت الكون وأوجدته.

وعلى نحو مماثل، إذا كانت هناك فكرة عتيقة بالية في الاقتصاد، فهي تلك التي تقول إن الولايات المتحدة لابد أن تعود إلى استخدام معيار الذهب. ومع هذا فإن هذه الفكرة أيضاً تحظى بدعم قوي داخل الحزب الجمهوري ــ بقيادة رون باول، منافس آخر في انتخابات الحزب للترشح لمنصب رئاسة الولايات المتحدة. ولم يندهش أحد عندما أشار برنامج الحزب إلى معيار الذهب في مؤتمره الذي عُقِد في شهر أغسطس/آب.

وقد يجد الغالبية العظمى من غير الأميركيين أنه من الجنون ألا يؤيد أي من المرشحين فرض قانون أكثر صرامة فيما يتصل بحمل الأسلحة (مع استثناء أوباما للأسلحة الهجومية فقط مثل البندقية ايه كيه-47)، في بلد حيث أصبح شراء الأسلحة النارية في بعض الأحيان أسهل من الذهاب إلى صناديق الاقتراع. ولا يستطيع أغلب الأوروبيين أن يفهموا كيف في دولة متحضرة مثل الولايات المتحدة يؤيد كل من المرشحين عقوبة الإعدام. ولن أخوض حتى في مناقشة الإجهاض.

كان رومني مستكيناً لهوس حزبه بخفض الضرائب حتى أنه لم يتمكن قط من اقتراح ميزانية منطقية. بل إنه ترك توضيح الأمر للعباقرة من مفكري حزبه، على حد تعبير مجلة "ذا إيكونوميست"، والذين زعموا أن كل هذا "مجرد هراء ضروري يرتبط بإقناع المتعصبين الذين يصوتون في الانتخابات التمهيدية للجمهوريين".

ومن جانبه غازل أوباما القوميين الاقتصاديين بالهجوم على رومني باعتباره "رائداً للتصنيع في الخارج"، فوصفه بأنه "كبير خبراء نقل التصنيع إلى الخارج" ــ وكأن التصنيع في الخارج شر يمكن منعه، أو كأن أوباما ذاته بذل أي جهد لمنعه.

وكانت المراوغات والحقائق المضللة والأكاذيب الصريحة من جانب المعسكرين متفشية حتى أن العديد من وسائل الإعلام والمجموعات غير الحزبية احتفظت بقائمة طويلة مستمرة من تحريف الحقائق. ومن بين أشهر هذه المجموعات مبادرة مركز أنينبيرج للسياسة العامة من جامعة بنسلفانيا، التي أسست موقع FactCheck.org على شبكة الإنترنت، والتي اعترفت بأن الحملة أبقت القائمين على المبادرة مشغولين إلى حد غير عادي.

ومن بين أكثر الأمثلة فظاعة تلك المزاعم التي أطلقها أوباما بأن رومني يخطط لزيادة الضرائب بمبلغ 2000 دولار على دافعي الضرائب من ذوي الدخل المتوسط و/أو خفض الضرائب بما يعادل 5 تريليون دولار، وأن رومني يؤيد قانوناً يقضي بتجريم "كل عمليات الإجهاض، حتى في حالات الاغتصاب أو زنا المحارم". وذهب رومني إلى ما هو أبعد من هذا، فزعم أن أوباما يخطط لزيادة الضرائب بمبلغ 4000 دولار على دافعي الضرائب من ذوي الدخل المتوسط؛ وأنا أوباما يخطط "لإفراغ إصلاح الضمان الاجتماعي من مضمونه من خلال إسقاط متطلبات العمل"، وأن شركة كريزلر، التي أنقذتها إدارة أوباما، تنقل كل إنتاجها من سيارات الجيب إلى الصين.

ولكن كل هذه المزاعم كانت كاذبة.

ويقول محللو مبادرة "FactCheck.org": "إن هذه الحملة كانت عامرة منذ بدايتها وحتى نهايتها بالهجمات المخادعة والمضادة والمزاعم الملتبسة".

ومن ناحية أخرى، على مدى ثلاث مناظرات رئاسية متلفزة ومناظرة أخرى بين المرشحين لمنصب نائب الرئيس، لم تُذكَر ولو مرة واحدة قضية تغير المناخ، رغم كونها القضية الأساسية في عصرنا والمشكلة الأخطر على الإطلاق التي تواجه كوكبنا.

بوسعنا أن نستخلص نتيجتين محتملتين من الانتخابات الأميركية. الأولى أن الولايات المتحدة سوف تحل بها كارثة محققة في نهاية المطاف بسبب النوعية الهزيلة التي يتسم بها خطابها الديمقراطي، وأن هذه بداية الانحدار الحتمي. فالأعراض كلها بادية، حتى ولو لم يكن المرض قد تمكن من الجسد بالكامل بعد.

والاحتمال الآخر هو أن كل ما يُقال ويحدث أثناء الانتخابات لا يشكل فارقاً كبيراً بالنسبة لصحة نظام الحكم. فالحملات الانتخابية تُعَد دوماً وقتاً للشعبوية الرخيصة والإذعان للأصوليين الذين لا تشغلهم سوى قضية واحدة. ولعل المهم في الأمر حقاً هو ما يحدث بعد تولي المرشح لمنصبه: مدى جودة الضوابط والتوازنات التي تحكم عمله، والنصيحة المقدمة له، والقرارات المتخذة، وفي نهاية المطاف السياسات المتبعة.

ولكن إن لم تكن الانتخابات الأميركية أكثر من مجرد ترفيه، فلماذا يُنفَق عليها كل هذه الأموال، ولماذا يعتاد أكثر الناس على هذا الهراء؟ تُرى هل تكون الإجابة بأن النتيجة كانت لتصبح أسوأ لولا ذلك؟

أستطيع أن أقول، في صياغة جديدة لكلمات ونستون تشرشل، إن الانتخابات هي الوسيلة الأسوأ لاختيار الزعيم السياسي، باستثناء كل الطرق الأخرى التي جربت بالفعل ــ وهي حقيقة ساطعة في أميركا بشكل خاص.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali

Hide Comments Hide Comments Read Comments (10)

Please login or register to post a comment

  1. CommentedCarol Maczinsky

    For an educated politician it seems irrelevant what people think about Darwinism. It only undermines their credibility and demands flexibility. Actually there are places in the world where elections are less worse and the excesses of American political entertainment would be unthinkable. But certainly there citizens do not elect politicians into office who robo kill individuals in other nations with drones. Their politicians also don't talk moral values and national ideas, like wet African dictators, but they do their duty. Thank's god their nations are not deceasing world powers but functional states.

  2. Portrait of Fernando Giuliano

    CommentedFernando Giuliano

    I think the problem is not limited to cheap campaign populism. The stubborn Congress gridlock has been going on for two years and there's no end in sight. I think what is going on in the US is a good reminder that "good institutions" are to a large extent endogenous. All it took for good institutions to look more like third-world ones was a huge financial crisis with persistent economic effects. Just like the ones third world countries are too used to witnessing.

  3. Commentedjames durante

    Rodrik appears to accept the the premise that the USA is supposed to be, in some way, a "democracy." The Constitution centralized economic and political power in the federal government and set up a whole host of barriers to democratic governance. As the wealthy, Constitutional framer Governeur Morris put it, "the evils experienced under the Articles of Confederation resulted from an excess of democracy." Or, as Hamilton opined, "the masses are asses."

    So a Roman style Republic was fashioned that would secure aristocratic rule in the Senate, separate the executive from the people via the electoral college, and confine the House to the fewest powers and shortest terms.
    Strict voting requirements would prevent the rabble from participating.

    Now much has been amended so new barriers to "people power" have become necessary. Total corporate control over media, unlimited corporate spending, a lobbying industry that freezes out anyone without serious money, etc.

    The elections do not live up to democratic ideals because we don't have democratic ideals. The purpose of the state is to secure unequal distribution of wealth and power. It does a reasonably good job of it (as it did in Rome until the inevitable collapse).

  4. CommentedWilliam Wallace

    The ugliness of politics, including the outright lies and zesty mudslinging, is nothing new to US politics. What is new and has been transforming democracy everywhere is the incorporation of new media, starting with television.

    Far from pondering written positions published in the local papers in order to deliberate over issues and candidates, we now have to decide who is the cutest on TV, has the catchiest sound-bites, or convinces us more in an emotionally laden mini-movie called a campaign ad. Couple all that with an internet that, unlike newspapers of old, will allow any crackpot viewpoint to be published and gain the traction it otherwise would never have had.

    Just like misery, opinions love like-minded company, especially those opinions that are least thought out. The internet is making 99% of us "more stupider."

  5. Commentedlt lee

    "To paraphrase Winston Churchill, elections are the worst way to select a political leader, save for all other methods that have been tried – and nowhere more so than in America."
    I find it odd that people has to quote Churchill who is not any kind of god to reassure himself and the readers that western democracy is a better system.

  6. CommentedDuncan Green

    Hmmm. Oldest continuous democracy? US women got the vote in 1920, New Zealand women in 1893. Then there's Jim Crow, Native Americans, and what's still going on in Florida and elsewhere.....

  7. CommentedProcyon Mukherjee

    Rodrik is right in his analysis of what characterizes the system of constant denial of the glaring symptoms of a stark reality, which must be abhorred in such a manner that the unreal is believed by a whopping majority; this needs a constant whipping of misleading information that could be backed by theory as well. This whole ensemble resembles the wrong corporatization of the process, which is single minded in its pursuit of exceeding its objectives, at whatever costs. It also shows that for any victory, it could well mean the loss for democracy or vice versa, as margins are determined not by sheer might of the policy choices, but much more frills that is engineered through careful investment in the public square.

    Procyon Mukherjee

  8. CommentedZsolt Hermann

    Although everything the article is saying is true, we should not single out the Americans.
    The same sleepwalking is present everywhere we look from Europe to China, from Australia to Russia or the Middle East.
    And it all stems from the present human system which fails miserably on two counts.
    One hand we still remain as fragmented and polarized as ever, looking at everything in an angular, black and white fashion, enemy/friend, terrorist/freedom fighter, north/south, west/east, developed/ developing, communist/capitalist, conservative/liberal, stimulus/austerity and so on.
    In the meantime the world has become round, global and interconnected, we all overlap on so many levels that there is no way of separating nations or even individuals from each other in terms of influence and dependency.
    On the other hand we still stubbornly keep on pushing the constant quantitative growth economy despite all the clear signs that it has become self destructive, destroying individuals, nations and whole globe with it.
    When people are faced with such a distortion in between the external reality and the dreamlike system they imagine they live in they have no other option but to behave in an illogical, illusory sometimes ridiculous way to justify why they keep on doing the same unreasonable, stupid and downright destructive things.
    Any new state is a new opportunity to look into the mirror and finally start taking the present existential conditions seriously, and start adapting to them.
    I agree with the article that after this US election campaign, and in general how people handle the crisis, it is very doubtful if America and the rest of the world is ready for such a self examination and self adjustment.
    Unfortunately if we do not do it willingly, consciously then very unpredictable and volatile events would force us to do the same as the system with its absolute natural laws is not going to change, only we can change.

  9. CommentedPeter Thom

    The Romney economic plan specifically called for a 20% across the board tax reduction. The Tax Policy Center estimated this would amount to approximately $4.7 trillion. So what are you saying? Obama exaggerated by rounding up?

  10. CommentedMarc Freed

    While walking to vote yesterday it occurred to me that New York, which has 21 elected represetatives in Dc, has over 200 professional athletes (not counting the football players who play in New Jersey). So at a very simplisitic level, I am about 10x more likely to have a random encounter with New York Yankee than I am to meet any of my state's members of Congress. While I would much rather meet any Yankee than any member of Congress, this did not strike me as a particularly healthy measure of democracy.

    Perhaps, to the list of long-term remedies for our political malaise we ought to add the idea of increasing the number of our Congressional representatives by a factor of 3 or 4. Increasing the size of our Congressional delegations to reduce the number of people each one represents would enable more people to beome engaged in the political process. More importantly, it would make it less attractive for wealthy activists to donate vast sums to congressional candidates whose votes mattered only 1/3 or 1/4 as much as they do now.

    Only a live experiment would tell us if such a change would raise the level of our political discourse, but other democracies with lower ratios of voters to elected officials do not seem to suffer as many non-sensical arguments as we do.

Featured