Thursday, October 23, 2014
11

وحش لا يمكننا تجويعه

كمبريدج ــ بينما يراقب العالم الولايات المتحدة وهي تتصارع مع مستقبلها المالي، فإن ملامح المعركة تعكس انقسامات اجتماعية وفلسفية أكبر، ومن المرجح أن تتجلى هذه الانقسامات في هيئات وأشكال متعددة في مختلف أنحاء العالم في العقود المقبلة. ولقد دارت مناقشات مطولة حول كيفية خفض الإنفاق الحكومي، ولكن الاهتمام المكرس لكيفية جعل الإنفاق الحكومي أكثر فعالية كان ضئيلاً للغاية. ورغم هذا، فإن لم نتبع نهجاً أكثر إبداعاً في توفير الخدمات الحكومية، فإن تكاليفها سوف تستمر في الارتفاع بلا هوادة بمرور الوقت.

وتواجه أي صناعة تحتاج إلى خدمات مكثفة نفس التحديات. في ستينيات القرن العشرين، كتب الاقتصاديان ويليام بومول وويليام بوين عن "مرض التكلفة" الذي ابتليت به هذه الصناعات. والمثال الشهير الذي استخدماه كان عن رباعية موتسارت الوترية، التي يتطلب عزفها في العصر الحديث نفس عدد الموسيقيين والآلات الموسيقية الذي كانت تتطلبه في القرن التاسع عشر. وعلى نحو مماثل، فإن تقييم ورقة بحثية يستغرق من المعلم نفس الوقت تقريباً الذي كان يتطلبه قبل مائة عام. والسباكون البارعون يكلفون ثروة صغيرة، لأن التكنولوجيا في هذا المجال أيضاً تطورت ببطء شديد.

ولكن لماذا يترجم نمو الإنتاجية البطيء إلى تكاليف مرتفعة؟ المشكلة هي أن صناعات الخدمات لابد أن تتنافس فيما بينها في نهاية المطاف على العمال في نفس المجال العمالي الوطني الذي تتنافس فيه قطاعات تتسم بنمو الإنتاجية السريع، مثل التمويل، والتصنيع، وتكنولوجيا المعلومات. ورغم أن المجالات العمالية قد تكون مجزأة إلى حد ما، فهناك القدر الكافي من التداخل لإرغام الصناعات التي تحتاج إلى خدمات مكثفة على دفع أجور أعلى، على الأقل في الأمد البعيد.

وتمثل الحكومة بطبيعة الحال قطاعاً من الطراز الأول للخدمات المكثفة. وتضم الوظائف الحكومية المعلمين، ورجال الشرطة، وجامعي القمامة، والأفراد العسكريين.

وتبدو المدارس الحديثة أقرب شبهاً بتلك التي كانت قائمة قبل خمسين عاما، خلافاً للمصانع الحديثة. وفي حين كان الإبداع العسكري مذهلا، فإنه لا يزال كثيف العمالة للغاية. وإذا كان الناس يريدون نفس المستوى من الخدمات الحكومية نسبة إلى أشياء أخرى يستهلكونها، فإن الإنفاق الحكومي سوف يستولي على حصة متزايدة الضخامة من الناتج المحلي بمرور الوقت.

والواقع أن الإنفاق الحكومي لم يرتفع كنسبة من الدخل فحسب؛ بل وكذلك ارتفع الإنفاق في العديد من قطاعات الخدمات. واليوم يمثل قطاع الخدمات، بما في ذلك الحكومة، أكثر من 70% من الدخل الوطني في أغلب الاقتصادات المتقدمة.

أما الزراعة التي كانت طيلة القرن التاسع عشر تمثل أكثر من نصف الدخل الوطني، فقد تقلصت إلى نسبة مئوية قليلة. كما تقلص بشكل كبير توظيف العمالة في التصنيع، والذي ربما كان يمثل ثلث الوظائف أو أكثر قبل الحرب العالمية الثانية. ففي الولايات المتحدة على سبيل المثال، يوظف قطاع التصنيع أقل من 10% من العاملين. وبالتالي فحتى في حين يطالب المحافظين الاقتصاديين بخفض الإنفاق، فهناك قوى عاتية تدفع في الاتجاه المعاكس.

ولا يسعنا إلا أن نعترف بأن المشكلة أشد سوءاً في القطاع الحكومي، حيث نمو الإنتاجية أبطأ كثيراً حتى من نموها في صناعات الخدمات الأخرى. وفي حين قد يعكس هذا مزيجاً معيناً من الخدمات التي يُطلَب من الحكومة توفيرها، فإن هذا لا ينبئنا بالقصة بالكامل.

لا شك أن جزءاً من المشكلة يتلخص في أن الحكومات تستخدم العمالة ليس فقط لتقديم الخدمات، ولكن أيضاً لإجراء عمليات تحويل ضمنية. فضلاً عن ذلك فإن الهيئات الحكومية تعمل في العديد من المجالات حيث تواجه منافسة ضئيلة، وبالتالي لا تتعرض إلا لقدر بسيط من الضغوط التي قد تحملها على الإبداع والابتكار.

ولكن لماذا لا نجلب قدراً أعظم من مشاركة القطاع الخاص، أو على الأقل المنافسة، إلى الحكومة؟ ويشكل التعليم، حيث لم نستشعر قوة التكنولوجيات الهدّامة الحديثة إلا بالكاد، مكاناً جيداً للبدء. فقد أصبحت برامج الكمبيوتر المتطورة بارعة إلى حد كبير في تقييم مقالات التعليم المتوسط، وإن لم تكن ترقى إلى معايير أرقى المعلمين.

وتُعَد البنية الأساسية مجالاً آخر واضح��ً لتوسيع مشاركة القطاع  الخاص. على سبيل المثال، كان من المعتقد على نطاق واسع ذات يوم أن السائقين على الطرق التي تديرها شركات خاصة ينتظرون لأوقات طويلة لدفع الرسوم. ولكن وسائل النقل الحديثة وأنظمة الدفع الآلية جعلت من هذه المشكلة قضية محلولة.

ولكن يتعين على المرء ألا يفترض أن التحول نحو توسيع مشاركة القطاع الخاص في تقديم الخدمات هو دواء لكل داء. فسوف تظل الحاجة قائمة إلى القيود التنظيمية، وخاصة حيثما اشتمل الأمر على احتكار أو شبه احتكار. وسوف تظل الحاجة قائمة إلى اتخاذ القرار بشأن كيفية الموازنة بين الكفاءة والعدالة في تقديم الخدمات. ومن الواضح أن التعليم يشكل منطقة حيث يُعَد توفير ملعب ممهد للجميع على قدم المساواة مصلحة وطنية قوية.

وكما وصف الرئيس الأميركي المحافظ رونالد ريجان في ثمانينيات القرن العشرين نهجه في التعامل مع السياسة المالية بعبارة "تجويع الوحش": فإن خفض الضرائب سوف يرغم الناس في نهاية المطاف على تقبل قدر أقل من الإنفاق الحكومي. وعلى أكثر من نحو، كان نهجه ناجحاً بدرجة عظيمة. ولكن الإنفاق الحكومي استمر في النمو، لأن الناخبين لا زالوا يريدون الحصول على الخدمات التي تقدمها الحكومة. واليوم بات من الواضح أن كبح جماح الحكومة يعني أيضاً إيجاد السبل لتشكيل الحوافز اللازمة لتمكين الإبداع في الحكومة من ملاحقة وتيرة الإبداع في قطاعات الخدمات الأخرى.

وفي غياب المزيد من الأفكار حول كيفية الوصول إلى الإبداع في تقديم الخدمات الحكومية، فإن المعارك كتلك التي نشهدها في الولايات المتحدة اليوم سوف يحمى وطيسها، مع مطالبة الناخبين على نحو متزايد بدفع ضرائب أعلى في مقابل خدمات أقل. وبوسع الساسة، كعادتهم دوما، أن يعدوا بتحسين أداءهم، ولكنهم لن ينجحوا أبداً ما لم نجد سبلاً جديدة لتعزيز كفاءة الخدمات الحكومية والإنتاجية.

ترجمة: هند علي          Translated by: Hend Ali

Hide Comments Hide Comments Read Comments (11)

Please login or register to post a comment

  1. CommentedOliver Kovacs

    Reading Prof. Rogoff's articles is always instructive.
    As the empiria showed, neither the fiscal stimuli nor the fiscal austerity could trigger growth impact, instead, fiscal conditions have just worsened further due to the decline in GDP. A some type of aurea mediocritas consolidation should be of paramount importance that addresses the issue of supporting R&D&I in a pro-cyclical way while counter-cyclically reduces expenditures in inproductive spheres (public sector wages, salaries, social transfers as Alesina and other works on non-keynesian effects justified).
    I would raise the issue of how to incentivise public sector to be more innovative in favouring the term "more for less". Innovation, as it was rightly pointed out by many, is hampered by a lot well-documented factor, however, the literature does not devote enough attention to the importance of inherent incentives of innovation that differ across institutional architectures. /see a policy brief on "Policies Supporting Innovation in Public Sector Provision" which tries to address this crucial gap /

  2. Commentedjack lasersohn

    While it is certainly true that 'voters want the services that government provides' it is equally true that most of them do not bear the cost of those services, which is shifted to a tiny fraction of the population through progressive taxation. As a result, and exactly as in the market for healthcare, the demand for essentially 'free' service increases without limit.
    Moreover, most government expenditures are transfer payments, which arguably have experienced nearly exponential productivity growth over the past 50 years as it takes virtually the same number of labor hours to process checks for $1 trillion as for $1 million.
    Also, as you point out, the growth in 'productivity' in Defense has also increased dramatically.
    The areas of government where productivity has remained stagnant, like education, are still relatively small and not really relevant to the problem of government growth.
    The real problem is in the growth of entitlements, where certain voters have learned that they can force others to pay for services they desire.
    That is the core problem of all democratic systems and has nothing to do with lack of productivity growth in government (although of course it would be less of a problem if we had faster productivity growth overall).
    There is no obvious solution to this problem, except that it will stop when it reaches some natural limit , as in parts of Europe.

  3. CommentedCharles Broming

    I agree with Prof. Rogoff's analysis at the highest level, viz., the service sector's problems with productivity, cost and, therefore, price. I agree as well that we need to change our conversations from exhortations to reduce government spending to conversations about how to deploy government funds more effectively. But, the issue needs to be framed appropriately and the news media needs to observe and report on it. There has been plenty discussion about government spending effectiveness over the decades, but the news media have ignored it. It's complicated, contentious, doesn't offer good sound bites and is, therefore, hard to cover and offers lower returns.

    The fundamental questions that need to be addressed (and probably never answered completely or finally) are, "What is the "right" size of government (at which level)?" and, "Which services do governments provide more effectively and efficiently than the private sector over the long run?"

    The second question can be answered; the tools are available. A credible and reasonable answer to the second question would be a product of an answer to the first question. To argue for reduced spending based on some prior faith in the priority of "limited government" puts the cart before the horse. In point of fact, those who argue for "limited government" have no opponents in America or Western Europe, and I doubt that even the most totalitarian dictators (kings, princes, etc.) believe that "unlimited government" is a possibility, much less an alternative.

  4. CommentedMichael Scheps

    Surprised that Professor Rogoff would be so wrong in his evaluation of Reagan's "starve the beast" philosophy. David Stockman, after leaving the OMB, wrote in his book "The Triumph of Politics: Why the Reagan Revolution Failed", that they failed to understand Congress would not curtail spending in the face of reduced revenue. That, and the Reagan policy of outspending the Soviet's on defense, were the 2 primary reasons that Reagan left office with a large national debt that was not addressed until President Clinton's administration.

      CommentedMichael Scheps

      Mr. Bromberg,

      Thank you for verifying my point. Professor Rogoff wrote- "In many ways, his approach was a great success". I believe that a historical evaluation proves exactly what you stated- "pragmatic aspects of politics, especially re-election and post-congressional employment opportunities, were more important to members of Congress than was Reagan's ideological crusade". Reagan's approach might have been admirable, if that is ones political philosophy, but in reality it didn't, and up to now, hasn't worked.


      CommentedCharles Broming

      Mr. Scheps,

      Prof. Rogoff's account of Reagan's philosophy is accurate. Stockman (in his book and his Fortune magazine article) simply pointed out that the pragmatic aspects of politics, especially re-election and post-congressional employment opportunities, were more important to members of Congress than was Reagan's ideological crusade. Thus, the real, "don't-tax-and-spend" Republicans emerged.

  5. CommentedProcyon Mukherjee

    Central Bank actions had become virtually fiscal in nature and now we have seen that monetary release did not find its way in goods and services, if at all it had it had increased stocks of unused houses, or inventory and piles of commodities from Aluminum to many other forms.

    Uncertainty channelized investments into unproductive ‘investment assets’, which are a parking lot for ‘certainty’ to return, the attractiveness of such assets like commodities, stocks or bonds runs against the unattractiveness of real economy ‘options’ that produce goods and services that get consumed to create jobs. This is now becoming a permanent feature. So we have already a stock waiting to be consumed and then we are venturing into further fiscal stances that would make a push for further debt escalation as there is no shortage of funds but shortage of viable channelizing options into goods and services that create jobs.

    Is the government a better bet for this arrangement to continue in form of government spending that is financed by cheap debt again? Let us take stock of what has already been spent in the last three years and how many net jobs it actually created on a permanent basis.

    Procyon Mukherjee

  6. Portrait of Pingfan Hong

    CommentedPingfan Hong

    "If people want the same level of government services relative to other things that they consume, government spending will take up a larger and larger share of national output over time.": this is not true. Because people want an increasing level of public services relative to other things that they consume, government spending increases its share in the economy over time. Public healthcare is a good example.

  7. CommentedTim Chambers

    Privatization of government services is not the solution. What you advocate is rent extraction from services that are done well enough by government employees. There are far too many examples of companies handling this kind of work that waste enormous sums to raise profits on cost plus ten percent contracts.

    As for improving teacher productivity, it isn't going to happen. Computer programs might be good at finding spelling and grammar errors, but they can't tell a student how to do a better job of researching or elucidating his topic. That is something only a human can do.

    The real problem that we have is that by de-emphasizing manufacturing, we have off-shored the growth of wealth creation that supports the service sector, which simply moves existing wealth around. That wealth, in all too many cases, is not being returned to this country because the companies that create it refuse to pay taxes on it.

    Too many of the "wealth creators" demand a free lunch, and far too many of their current and former employees are being subsidized by the government because their economic circumstances have been so drastically reduced via free-trade agreements with third world countries.

    Neo-liberalism is the problem, not the solution.

  8. CommentedVictor Stern

    I disagree with the diagnosis. Education is not breaking the fisc. Its medical services, where increases in productivity increase demand to no natural boundary. We would all chose to live forever together, if we could.

    Also disagree with application of the "cost desease" concept. A significant portion of growth in the share of services in the economy may be due simply to monetization of services previously rendered within households and communities without exchange of money.

Featured