Friday, October 31, 2014
3

دولة فلسطين المراقِبة

نيويورك ــ لم تعد فلسطين "كيانا"، بل أصبحت دولة ــ أو إذا تحرينا الدقة، دولة مراقبة غير عضو في الأمم المتحدة، تماماً كوضع دولة الفاتيكان. فقد تلقى الطلب الفلسطيني دعم 138 من الدول الأعضاء (امتنعت ألمانيا وبريطانيا و39 دولة أخرى عن التصويت)، في حين انضمت سبع دول فقط (بما في ذلك جزر مارشال، وبالاو، وبنما) إلى الولايات المتحدة وإسرائيل في الاعتراض على الطلب، ليصبح هذان البلدان أكثر عُزلة من أي وقت مضى.

كان رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو غاضبا؛ فأطلق على رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس وصف الكاذب، وأصدر الإذن ببناء 3000 وحدة سكنية يهودية جديدة على أرض فلسطين المحتلة. وكان وزير خارجيته أفيجدور ليبرمان قد هدد بالفعل بسحق حكومة السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية إذا مضى طلب التصويت في الأمم المتحدة قدما.

ولكن إسرائيل لا تستطيع أن تلوم إلا نفسها عما حدث. فقد كان عباس ورئيس وزرائه سلام فياض أكثر اعتدالاً وانفتاحاً على المفاوضات الجادة مع إسرائيل مقارنة بأي زعيم فلسطيني من قبل. وتعاونت الشرطة الفلسطينية مع الإسرائيليين في احتواء العنف في الضفة الغربية. وكان هم السلطة الفلسطينية الرئيسي تحسين الاقتصاد، وليس الدخول في مواجهات عنيفة.

ولكن من خلال الاستمرار في بناء المستوطنات على الأراضي الفلسطينية، قوضت الحكومة الإسرائيلية سلطة عباس وحكومة فتح ربما إلى حد العجز. وبات المزيد والمزيد من الفلسطينيين، الذين ضاقوا ذرعاً بعدم جدوى وعقم تلك العملية التي لا تزال تدعى "عملية السلام"، يعتقدون أن منافِس منظمة فتح الشرس، أو حركة حماس الإسلامية التي تحكم غزة، لديه أساليب أكثر فعالية لكسر الجمود الحالي. أي أن فشل الطرق السلمية التي ينتهجها عباس جعلت البديل العنيف يبدو جذاباً على نحو متزايد.

كما خرجت حماس منتصرة معنوياً بعد الصدام العسكري الأخير ــ وهو ليس آخر الصدامات بكل تأكيد. وبعيداً عن إرهاب الفلسطينيين بقصف غزة وتعبئة القوات، فإن الإسرائيليين جعلوا حماس تبدو بمظهر بطولي في مقاومتها. ومرة أخرى، بدا عباس ضعيفاً بالمقارنة. ولهذا السبب، كان عباس في احتياج شديد إلى إحراز النصر في موقعة الأمم المتحدة. وبالفعل زودته ترقية فلسطين دبلوماسياً بشريان حياة جديد.

هل كان الإسرائيليون يريدون حقاً تجدد عنف الإسلاميين في غزة، والانهيار المحتمل للسياسات السلمية في الضفة الغربية، والآن اكتساب دولة فلسطين المعترف بها الحق في مقاضاة إسرائيل أمام المحكمة الجنائية الدولية عن جرائم حرب؟ إن لم يكن الأمر كذلك، فلماذا إذن الإصرار على هذا السلوك الأخرق؟

يبدو أن إسرائيل ترتكب نفس الخطأ الذي ارتكبه آخرون في الماضي. فقد ثبت مراراً وتكراراً أن إرهاب المدنيين عسكرياً لا يكسر معنوياتهم ويجعلهم ينقلبون على زعمائهم مهما بلغ النظام من بشاعة. بل إن الأمر على النقيض من هذا تماما، فاللحظات العصيبة المشتركة تعمل عادة على تعزيز الصلة بين المواطنين وحكامهم. وكانت هذه هي الحال في المدن الألمانية التي قُصِفَت أثناء الحرب العالمية الثانية؛ وكذلك كانت في فيتنام؛ والآن في غزة.

ولكن هناك طريقة أخرى للنظر إلى الموقف. إن إطلاق وصف "الخرقاء" على الحكومة الإسرائيلية لن يقودنا إلى النتيجة الصحيحة. فإسرائيل لا تتملكها أية أوهام حول إقدام الفلسطينيين على الإطاحة بزعمائهم. الواقع أن تعزيز قوة حماس على هذا النحو يصب في مصلحة المتشددين الإسرائيليين الذين يمسكون بزمام السلطة الآن. فبوسعهم أن يشيروا إلى اللغة العنيفة المعادية للصهيونية، وأجل، المعادية للسامية، التي يستخدمها الإسلاميون المتطرفون، فيزعمون أن التوصل إلى اتفاق مع الفلسطينيين أمر مستحيل، وأن التهديد بالعصا الغليظة هو اللغة الوحيدة التي يفهمها السكان الأصليون.

إن الإبقاء على الفلسطينيين منقسمين بين الثوار الإسلاميين وفتح الأكثر انفتاحاً على الصفقات العملية يناسب أغراض إسرائيل بشكل مبهر. فما دامت فتح قادرة على إبقاء الأمور تحت السيطرة على نحو أو آخر في الضفة الغربية، وطالما لا تفعل حماس سوى إطلاق بعض الصواريخ عبر الحدود الإسرائيلية بشكل دوري أو تفجير حافلة من حين إلى آخر، فإن إسرائيل تستطيع أن تتعايش بسهولة مع الوضع الراهن. ويشعر هؤلاء الإسرائيليون الذين يعتقدون أن حل الدولتين غير قابل للتطبيق بأن اعتقادهم له ما يبرره؛ وبطبيعة الحال يجد أولئك الذين لا يريدون ببساطة أن تتعايش دولتان إسرائيلية وفلسطينية جنباً إلى جنب تحقيقاً لغايتهم في هذا.

ومن منظور الحكومة الإسرائيلية الحالية إذن، فإن الاستراتيجية الصحيحة تتلخص في الإبقاء على الحكومة الفلسطينية في الضفة الغربية ضعيفة وفاقدة لتوازنها، من دون الحاجة إلى إسقاطها، واحتواء حماس باستعراضات دورية للقوة العسكرية (في حين تعمل على تدمير الصواريخ البعيدة المدى التي قد تلحق بإسرائيل ضرراً حقيقيا).

إن السياسات الإسرائيلية لا تميل إلى الإبادة الجماعية كما يحب أن يزعم بعض المعلقين، الذين قد لا تخلو آراؤهم أحياناً من نية معاداة السامية. صحيح أن كثيرين من الفلسطينيين قتلوا تحت الحكم الإسرائيلي، ولكن أعدادهم لا تقترب حتى من أعداد المدنيين المسلمين الذين لا زالوا يعذبون ويقتلون ويشوهون على أيدي حكومات مسلمة كل يوم. ولكن إسرائيل قوة شبه استعمارية، وتستخدم الأساليب الاستعمارية التقليدية: الحكم بالوكالة، وزرع الفرقة بين المتمردين المحتملين، ومكافأة الموالين، ومعاقبة المعارضين.

ويبين لنا التاريخ الاستعماري أن هذا النوع من الحكم يتسم بالهشاشة الشديدة. فإذلال البشر لا يشكل أساساً متيناً للاستقرار. فعند نقطة ما لا تصبح وعود الاستقلال مقنعة. ومن المؤكد أن تحريض المقاومة العنيفة بإضعاف معنويات هؤلاء الذين لا زالوا ينصتون إلى صوت العقل هو في واقع الأمر دعوة للكارثة. فعندما تتلاشى فرص التوصل إلى التسوية السلمية يصبح العنف الخيار الوحيد الباقي.

إن انفجار المستعمرات على الجانب الآخر من العالم ليس كمثل انفجار مستعمرة في الجوار المباشر، والواقع أن القوة الاستعمارية في حالتنا هذه محاطة بدول لا تتعاطف إلا بقدر محدود مع هذه الورطة التي كانت من صنع أيديها إلى حد كبير.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali

Hide Comments Hide Comments Read Comments (3)

Please login or register to post a comment

  1. Commentedphilip meguire

    The only real difference between Israel-Palesting and apartheid South Africa, and French rule in Algeria, is that in Israel-Palestine, the rulers and holders of advanced technologies are the demographic majority. For now. Recall the eventual fate of apartheid and French rule.

    We also need to (re)read Isaiah Berlin's "The Fox and the Hedgehog."

    Let us beat swords into ploughshares.

  2. CommentedJayson Rex

    Actually, Palestine does not exist. In Cisjordan there are two micro entities - Gaza under the control of the terrorist group Hamas and the PA in the West Bank under the control of the terrorist group Fatah.

    These two groups are usually at war with one another and have killed more "Palestinians" than Israel ever did since the creation of the Jewish State.

    The U.N. vote impresses no one since its anti-Israel posture is known to one and all. In fact, U.N. being dominated by dictatorships with very few democracies as members, will be soon "deactivated" and replace by the United Democratic Nations where, for example. not a single Islamic state will be accepted - oil or no oil.

      CommentedChris Booker

      Actually, Hamas has been democratically elected. Apparently it's all well and good for the western world to name a democratically elected group a terrorist organisation if they don't agree with the results of free and fair elections.

Featured