Saturday, November 29, 2014
0

أسواق مال لا تعرف الخوف

في الأشهر الأخيرة أعرب عدد من المراقبين المعروفين بعمق التفكير ـ مثل روبرت روبين من "سيتي جروب" Citigroup ، و لاري سومرز من هارفارد، و مارتن وولف من الفاينانشيال تايمز ـ عن حيرتهم بشأن فهم وتفسير الأسواق المالية لعامل المجازفة. فعلى الرغم من حكم الأسواق على عالم اليوم ـ وبصورة خاصة الدولار والسندات المالية المرتبطة به ـ بأنه يفرض قدراً ضئيلاً من المجازفة إذا ما نظرنا إليه بنظرة تاريخية، إلا أن المجازفات الناشئة عن عوامل جغرافية سياسية تبدو في واقع الأمر في غاية الضخامة. ويزعم وولف على سبيل المثال أن الأسواق المالية قد تبنت أسلوب دفن الرأس في الرمال فيما يتصل بالمكاسب الصغيرة على الأمد البعيد"، فتجاهلت بذلك "الكوارث العارضة" مقدماً، بينما ستعزو الخسائر بعد وقوعها إلى "حظ سيئ لم يكن التنبؤ به ممكناً".

ولكن إذا ما رغب أحد المستثمرين اليوم في تأمين نفسه ضد الكوارث الجغرافية السياسية، فكيف له أن يفعل ذلك؟ أثناء الجيل السابق لنشوب الحرب العالمية الأولى كان من المعتقد أن الأصول الآمنة هي السندات الحكومية المربوطة بغطاء الذهب، والذي كان من المفترض فيه توفير الحماية ضد فيروسات الشعوبية التضخمية التي ابتلت بلداناً مثل المكسيك، وفرنسا، والولايات المتحدة. إلا أن المستثمرين في سندات الحكومة البريطانية تعرضوا لخسائر كبيرة حين تسبب اشتراك بريطانيا في الحرب العالمية الأولى في حالة من التضخم، أما المستثمرون في السندات القيصرية فقد زينوا جدران دورات المياه في بيوتهم بهذه السندات في أعقاب ثورة أكتوبر/تشرين الأول.

وبعد التضخم الذي صاحب الحرب العالمية الأولى، ربما تصور المستثمر الحريص أن الذهب ـ السلعة الحقيقية التي يمكن تقييمها وحملها بسهولة ـ يشكل أصلاً جذاباً. إلا أن الذهب أصل راكد، بينما رأس المال أصل منتج. على أية حال، فوجئ مالكو الذهب الأميركيون وقد تحولت ثرواتهم على نحو قسري إلى دولارات ورقية بقرار من إدارة الرئيس روزفلت في أحلك أوقات الأزمة العظمى. وفي أعقاب الحرب العالمية الثانية بدا أن الاستثمار في سندات الولايات المتحدة أكثر أماناً من أي بديل آخر. ولكن في السبعينيات خسر المستثمرون في السندات الأميركية والسندات طويلة الأجل نصف أصولهم، وبحلول نهاية العقد كان المستثمرون في السندات الأميركية قصيرة الأجل قد خسروا 20% من أصولهم الحقيقة.

وربما يتكيف المستثمرون الذين يخشون الكوارث الجغرافية السياسية إلى حد ما من خلال رفع معدلات إنفاقهم الاستهلاكي. إلا أن هذا الخيار محدود بعدة قيود. ذلك أن أولئك الذين يخشون الكوارث الجغرافية السياسية سوف يبيعون أصولهم، فيعرضون قيمة هذه الأصول إلى الهبوط، بمجرد ظهور أصول أخرى أكثر أماناً يمكنهم شراؤها. وكما أشار روبرت بارو من هارفارد مؤخراً، فإن الخوف من الكوارث العامة أو غير المتوقعة ـ حتى تلك التي قد تبقي على بعض الأصول الفرعية التي لا يمكن تحديدها مقدماً ـ لن يؤثر على أسعار الأصول النسبية، وذلك لأن المستثمرين ليس لديهم ما يدفعهم إلى بيع أو شراء أي أصل بعينه.

وطبقاً لرؤية بارو فإن العواقب التي قد تترتب على الخوف من الكوارث العامة أو غير المتوقعة يعتمد على مدى تأثير هذه الكوارث على المدخرات العالمية. فالخوف على الرغم من أنه يشكل عقبة مؤسسية، إلا أنه قد يعمل كمصدر لتخمة عالمية في الادخار أو عجز في الاستثمارات العالمية، استناداً إلى رؤيتك للأمر. فإذا ما كان الناس كارهين للمجازفة إلى الحد الذي يدفعهم إلى الادخار بمعدلات أعلى خوفاً من المستقبل، فإن حالة عدم اليقين التي ستسود العالم نتيجة لذلك لابد وأن تؤدي إلى ارتفاع أسعار السندات والأسهم، وانخفاض أسعار الفائدة والأرباح والعائدات. وإن خلق أصول جديدة للمستثمرين يتطلب الموارد، وكلما ارتفع الطلب على مثل هذه الأصول كلما ارتفعت التكاليف الهامشية لخلق مثل هذه الأصول.

ربما يكون هذا هو الموقف الذي يعيشه النظام المالي العالمي الآن. ويتلخص التخوف الرئيسي اليوم، في الدوائر التي أرتادها على الأقل، في احتمالات العلاج المفاجئ "لاختلال التوازن العالمي": أو النهاية السريعة للعجز التجاري الضخم الذي تعاني منه الولايات المتحدة، والفائض التجاري الضخم الذي تتمتع به آسيا.

في مثل هذه أزمات المالية العالمية، إذا ما احتوى بنك الاحتياطي الفيدرالي التضخم وعمل على التعجيل بتخفيض قيمة الدولار من أجل منع انهيار معدلات تشغيل العمالة في القطاعات ذات التمويل الأجنبي سابقاً من التحول إلى كساد اقتصادي، فإن الدين الأميركي سوف يكون من بين أكثر الأصول تأثراً. أما إذا ما رفض بنك الاحتياطي الفيدرالي احتواء التضخم الناتج عن انهيار قيمة الدولار وتقبل الكساد الاقتصادي متصوراً أن الفوائد البعيدة الأمد المترتبة على حفاظه على مصداقيته كضامن لاستقرار الأسعار سوف نجنيها جميعاً قبل أن يأتي جيل آخر من بعدنا، فلسوف تكون المعاناة من نصيب الأسهم الأميركية. كما ستتعرض قيمة الممتلكات الصينية وأصولها الصناعية إلى الخطر أيضاً، إذا ما تخلت الولايات المتحدة عن دورها كمستورد وإذا ما تبين أن إستراتيجية تنمية الصادرات الساحلية التي تتبناها الصين تشكل طريقاً مسدوداً.

أرجو ألا تسيئوا فهمي: فبشكل أو آخر، أستطيع أن أقول إن أكثر من نصف ذهني يتفق مع روبين ، و سومرز ، و وولف ، ورفاقهم. إلا أن المجازفة الأساسية التي أراها اليوم هي تلك المتولدة عن الاستثمار في سندات الدين المعتمدة على الدولار ـ وأنا لا أعتقد أن المستثمرين في هذه السندات يتقاضون الثمن العادل نظير ما يفعلونه. إلا أن نصف ذهني الآخر يتساءل كيف للمستثمرين أن يحاولوا تأمين أنفسهم ضد الطرف الأدنى من نظام التوزيع الاقتصادي السياسي. كما يعجز ربع ذهني عن تصور الطريق الذي ينبغي أن يسلكه من يسعى إلى تأمين نفسه ضد هذا النوع من المجازفة.

  • Contact us to secure rights

     

  • Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

    Please login or register to post a comment

    Featured