Wednesday, April 23, 2014
Exit from comment view mode. Click to hide this space
4

الملوثون لابد أن يدفعوا الثمن

نيويورك ــ عندما تسببت أعمال الحفر التابعة لشركة بريتيش بتروليوم وشركاؤها في تسرب النفط إلى خليج المكسيك في عام 2010، طالبت الحكومة الأميركية بريتيش بتروليوم بتحمل تكاليف عملية التنظيف، وتعويض هؤلاء الذين تضرروا بسبب التسرب، وتحمل العقوبات الجنائية عن الانتهاكات التي أدت إلى الكارثة. وقد التزمت بريتيش بتروليوم بالفعل بدفع عشرين مليار دولار أميركي في هيئة عمليات إصلاح ومعالجة وجزاءات. وبموجب التسوية التي تم التوصل إليها الأسبوع الماضي، فإن بريتيش بتروليوم سوف تتحمل الآن أكبر عقوبة جنائية في تاريخ الولايات المتحدة ــ 4,5 مليار دولار.

وينبغي لنفس معايير تنظيف البيئة أن تطبق على الشركات العالمية العاملة في الدول الأكثر فقرا، حيث كانت قوة هذه الشركات عظيمة عادة نسبة إلى قوة الحكومات حتى أن العديد منها تعمل وهي تدرك أن عقابها على أي فعل أمر غير وارد، فعاثت في البيئة فساداً بأقل قدر من المساءلة أو بلا تعرض للمساءلة على الإطلاق. ومع دخولنا إلى عصر جديد من التنمية المستدامة، فإن الإفلات من العقاب لابد أن يتحول إلى تحمل للمسؤولية. ويتعين على الملوثين أن يدفعوا ثمن تلويث البيئة، سواء كان ذلك في الدول الغنية أو الفقيرة. ويتعين على الشركات الكبرى أن تتقبل المسؤولية عن أفعالها.

وكانت حالة نيجيريا بمثابة الدليل الأول على ما تتمتع به الشركات من قدرة على الإفلات من العقاب فيما يتصل بتلويث البيئة. فعلى مدى عقود من الزمان، كانت شركات النفط الكبرى، بما في ذلك إكسون موبيل وشيفرون، تنتج النفط في دلتا النيجر، وهي منطقة هشة بيئياً من غابات مستنقعات المياه العذبة، وغابات المنجروف، والغابات المطيرة والجزر الساحلية الحاجزة. وتضم هذه المواطن الطبيعية قدراً كبيراً من التنوع البيولوجي الرائع ــ أو هكذا كان حالها قبل أن تذهب شركات النفط إلى هناك ــ وأكثر من ثلاثين مليون من السكان المحليين، الذين يعتمدون على الأنظمة البيئية المحلية في تدبير معايشهم والتداوي من الأمراض.

قبل عشرين عاما، صنف الاتحاد الدولي للحفاظ على الطبيعة والموارد الطبيعية دلتا نهر النيجر باعتبارها منطقة تتسم بالتنوع البيولوجي الشديد من النباتات والحيوانات البحرية والساحلية ــ أنواع الأشجار والأسماك والطيور والثدييات، بين أشكال الحياة الأخرى ــ وبالتالي فقد جاء تصنيف المنطقة بوصفها ذات أولوية عالية فيما يتصل بجهود المحافظة. غير أن الاتحاد الدولي للحفاظ على الطبيعة والموارد الطبيعية أكد أيضاً على أن التنوع البيولوجي في المنطقة يخضع لتهديدات هائلة، ولا يتمتع إلا بقدر يكاد لا يُذكَر من الحماية، أو لا حماية على الإطلاق.

فقد سربت الشركات العالمية العاملة في الدلتا النفط والغازات الطبيعية المتفجرة إلى المنطقة طيلة عقود من الزمان، من دون أي اعتبار لسلامة البيئة الطبيعية والمجتمعات الفقيرة التي تسممت بسبب أنشطة هذه الشركات. ووفقاً لأحدث التقديرات، فإن مجموع التسريبات على مدى الأعوام الخمسين الماضية بلغ نحو 10 مليون برميل ــ ضعف حجم التسرب الناتج عن شركة بريتيش بتروليوم.

والبيانات غير مؤكدة: فقد وقعت عدة آلاف من حوادث التسرب أثناء هذه الفترة ــ ولم توثق بشكل جيد في أغلب الأحوال، كما تم إخفاء حجمها الحقيقي أو ببساطة لم يكلف أحد نفسه عناء قياس حجم التسرب سواء من قِبَل الشركات أو الحكومات. ومع تعرض شركة بريتيش بتروليوم لعقوبات جنائية جديدة، أعلنت شركة إكسون موبيل عن تسرب آخر من خطوط الأنابيب في دلتا النيجر.

ويشكل تدمير البيئة في الدلتا جزءاً من ملحمة أكبر: الشركات الفاسدة التي تعمل جنباً إلى جنب مع المسؤولين الحكوميين الفاسدين. وتحرص الشركات بشكل روتيني على رشوة المسؤولين للحصول على عقود إيجار النفط، هذا فضلاً عن الكذب بشأن الناتج، والتهرب من الضرائب، وتفادى المسؤولية عن الضرر البيئي. وعلى هذا فقد جمع بعض المسؤولين النيجيريين ثروات فاحشة، بعد عقود من الزمان من الرشاوى التي قدمتها لهم الشركات الدولية التي نهبت الثروات الطبيعية في الدلتا. وكانت شركة شِل، وهي الشركة الأجنبية الأكبر بين الشركات العاملة في دلتا النيجر، عُرضة للانتقادات الشديدة المتكررة بسبب ممارساتها الفاضحة وعدم استعدادها لتحمل المسؤولية.

وفي الوقت نفسه، ظل السكان المحليون على فقرهم ومعاناتهم من الأمراض الناجمة عن الهواء الملوث، ومياه الشرب المسممة، وتلوث السلسلة الغذائية. وأدى انعدام القانون في البلاد إلى اندلاع حروب العصابات وخرق خطوط الأنابيب بشكل غير مشروع ودائم لسرقة النفط، وهذا يعني المزيد من تسرب النفط والانفجارات المتكررة التي تقتل العشرات من الناس، بما في ذلك المارة الأبرياء.

في الحقبة الاستعمارية، كان الغرض الرسمي للسلطة الاستعمارية يتلخص في استخراج الثروة من المناطق الخاضعة للإدارة الاستعمارية. وفي فترة ما بعد الاستعمار أصبحت الطرق أفضل تمويها. فعندما تسيء شركات النفط في نيجريا أو أماكن أخرى التصرف، فإنها تتمتع بالحماية بفضل الدول التي تنتمي إليها. فتملي الولايات المتحدة ودول أوروبا على الحكومات عدم التعرض بالسوء لهذه الشركات. والواقع أن واحدة من أضخم الرشاوى (180 مليون دولار) في تاريخ دولة نيجيريا الحديث كانت مقدمة من هاليبرتون، وهي الشركة التي تربطها علاقات وثيقة بالسلطة السياسية في الولايات المتحدة. (تولى ديك تشيني منصب نائب رئيس الولايات المتحدة بعد عمله رئيساً تنفيذياً لشركة هاليبرتون).

في العام الماضي، أصدر برنامج الأمم المتحدة للبيئة تقريراً رائعاً عن أوجونيلاند، الموطن العرقي الرئيسي في دلتا النيجر والذي كان في بؤرة الصراع بين المجتمعات المحلية وشركات النفط الدولية. وكان التقرير لاذعاً بقدر ما كان واضحاً من الناحية العلمية. فعلى الرغم من الوعود العديدة في الماضي بالتنظيف، تظل أوجونيلاند تعاني من العذاب والفقر والمرض بسبب تدهور البيئة الناتج عن صناعة النفط.

ولقد طرح برنامج الأمم المتحدة للبيئة عدة توصيات واضحة وتفصيلية، بما في ذلك بعض التدابير الطارئة لضمان توفير مياه الشرب الآمنة؛ وأنشطة التنظيف التي تستهدف غابات المنجروف والتربة؛ ودراسات الصحة العامة الرامية إلى تحديد ومواجهة العواقب الناتجة عن التلوث؛ ووضع إطار تنظيمي جديد.

مؤخرا، وافقت حكومات العالم على الانتقال إلى إطار جديد من التنمية المستدامة، وأعلنت عن اعتزامها تبني أهداف التنمية المستدامة في قمة ريو+20 التي انعقدت في شهر يونيو/حزيران. والواقع أن أهداف التنمية المستدامة تقدم فرصة حاسمة للعالم لوضع معايير واضحة ملزمة لسلوكيات الحكومات والشركات. كما أعربت عدة شركات كبرى عن استعدادها لدعم أهداف التنمية المستدامة.

إن تنظيف دلتا النيجر من شأنه أن يقدم المثال الأقوى المحتمل لعصر جديد من المساءلة. ويتعين على شركات مثل شل وشيفرون وإكسون موبيل، وغيرها من شركات النفط الكبرى أن تتخذ خطوات ملموسة للمساعدة في تمويل عمليات التنظيف، على نحو يبشر بعصر جديد من المساءلة.

والآن أصبحت مساءلة الحكومة النيجرية أيضاً على المحك. ومما يثلج الصدر أن العديد من أعضاء مجلس الشيوخ النيجري كانوا في مقدمة الجهود الرامية إلى تعزيز حكم القانون في قطاع النفط.

إن تنظيف دلتا النيجر يوفر فرصة مثالية بالنسبة لنيجريا، وصناعة النفط، والمجتمع الدولي للتأكيد بشكل مقنع على بزوغ عصر جديد. وينبغي للتنمية المستدامة من الآن فصاعداً ألا تكون مجرد شعار، بل نهجاً عملياً للإدارة العالمية ورفاهة البشر على كوكب منهك ومكتظ بالسكان.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali

Exit from comment view mode. Click to hide this space
Hide Comments Hide Comments Read Comments (4)

Please login or register to post a comment

  1. Commentedmargaret beresford

    Sorry, your arguments melt away when you purposely forget to deal with the multitude of trade agreements including the TPP which aims to dictate corporate economic avarice over every nation's government's constitution and countries existing policies. How sustainable is it when local, state and federal levels can no longer enact any protective environmental laws, encourage any small or growing business with domestic contract, where voting for levels of governance is over riding by foreign corporations investor rights to profit at the expense of the countries people, land and economic self determination. In Canada we were lied to and signed NAFTA, now instead of open and fair economic competition we are faced with badly managed foreign companies using NAFTA communism's mandate to guarantee that any and all foreign companies MUST make profits for investor at the exclusion of national sovereignty, protection of national resources, the denial of any sustainable competition. To date we will in total be on the hook for 1.8 billion dollars to pay for outside corporate malfeasance, flagrant pollution, bad management decisions of corporations in other countries branches, no allowance for national innovation, etc, etc. How did so many of the invasive vulture trade agreements seem to skirt your vigilant beam?????? I as a global taxpayer are frankly fed up with the piling lies and just maybe see that if these lies are to ensure the 1% can operate with impunity while continuing to steal every tax dollar from our nation government in the guise of free theft trade of the only markets left to plunder---local, state and federal taxpayers of each and every country need to drained.

  2. CommentedCarol Maczinsky

    Mr. Sachs, let's get the facts straight. The Americans use the world to load off their financial crime waste, the Americans use the world to pay for their corporate oil crimes. Actually BP didn't cause the Deepwater Horizon oil spill but its US contractor Transoceans. Only that Transoceans has no end customer related business. The ruthless exploitation of BP sents a strong signal and explains why the Germans are right to go for the renewables. Just imagine how many solar plants you could built with 25 billion $.

  3. CommentedJohn Brian Shannon

    Hi Jeffery,

    This is a fine article and thank you for covering this travesty, which occurs on a large scale and is largely hidden from the public view.

    I would gladly forego charging oil executives and corrupt government leaders with criminal charges -- if doing so would drop opposition within those quarters to the actual cleanup and remediation of contaminated land and waterways, once a spill has occurred.

    Many hundreds of cleanup operations are not being executed on account of pending lawsuits and criminal charges.

    (When a prosecutor can stand up in court and say "XYZ oil company MUST be guilty of criminal behavior because the proof of that which I have right here in my hand is the 90-million-dollar itemized cleanup bill.")

    From my point of view, when a spill occurs (whether caused by negligence, act of nature, terrorism, or anything else) if the oil company comes forward right away, issues a press release, informs the relevant government authorities, and begins work on cleanup and remediation right away -- this should qualify that company and it's executives from any criminal lawsuits regarding that particular spill. Period, end.

    Yes, it's that important.

    For companies who do not want to initiate the above-noted proper response to a spill, then let the full force of the law be applied. If that means a 20-billion-dollar fine to cover the costs of third-party cleanup efforts AND prison time for oil executives, that is just fine with me. I'd say they are 'getting off light' with that sort of meagre punishment.

    But for oil executives who duly report and properly respond to oil spills -- full immunity from criminal prosecution.

    That is what it is going to take to ensure proper cleanup of inevitable oil spills to come and the present-day oil spills which are still pouring oil today, into lakes and rivers and valuable lands.

    Thank you for the opportunity to comment, Jeffery.

    Cheers, JBS
    http://jbsnews.com





    1. CommentedJohn Brian Shannon

      Typo correction in my above comment -- bottom of the 5th paragraph should read:

      "...-- this should disqualify that company and it's executives from any criminal lawsuits..."

      Thank you, JBS

  4. CommentedZsolt Hermann

    Humans do not act without motivation.
    When there is a need to change the prevalent attitude, approach people can either use negative or positive motivation.
    Usually when significant change is required applying negative motivation can be successful to wake people up and introduce "fear" keeping them aligned with the new direction.
    But in order to achieve long term, sustainable change a positive motivation is required, otherwise as "fear" dissipates and people start finding the ways avoiding punishment, going around it, the desired direction is lost.
    And positive motivation can only come from a global education program to all layers, cultures and ages of the society to explain that we all exist in a vast natural ecosystem we ourselves are part of, and only if we keep the fundamental laws of nature, the laws of balance and homoeostasis can we expect not only a sustainable future but survival of our species.

Featured