Friday, September 19, 2014
4

عصر الديمقراطية الاستبدادية

موسكو ــ في الآونة الأخيرة اهتزت أركان العالم بفعل تغيرات هائلة يكاد يكون إحصاؤها مستحيلا: فالأزمة الاقتصادية الجارية تعمل على التعجيل بتدهور الحكومة الدولية والمؤسسات الدولية العابرة للحدود الوطنية، ويحدث هذا بالتزامن مع تحول هائل في القوة الاقتصادية والسياسية نحو آسيا. وبعد مرور أقل من ربع قرن منذ أعلن فرانسيس فوكوياما "نهاية التاريخ"، يبدو أننا وصلنا إلى فجر عصر جديد من الاضطرابات الاجتماعية والجيوسياسية.

فعلى نحو درامي اجتاح بلدان العالم العربي ربيع ثوري، ولو أنه يتحول بسرعة إلى شتاء بارد. ذلك أن أغلب الأنظمة الجديدة تجمع بين الاستبداد القديم والإسلاميين، وهو ما من شأنه أن يؤدي إلى المزيد من الركود الاجتماعي والاستياء وعدم الاستقرار.

بيد أن الأكثر لفتاً للنظر هو تلك المظاهرات الاجتماعية (والمعادية للمجتمع) التي تنتشر بسرعة هائلة في مجتمعات الغرب الغنية. وترجع هذه الاحتجاجات إلى سببين رئيسيين.

فأولا، سجل التفاوت الاجتماعي نمواً جامحاً في الغرب على مدى ربع القرن الأخير، ويرجع هذا جزئياً إلى اختفاء الاتحاد السوفييتي، ومعه التهديد بالشيوعية التوسعية. فلقد أرغم شبح الثورة النخب الغربية على استخدام قوة الدولة لإعادة توزيع الثروة وتعزيز نمو ولاء الطبقات المتوسطة. ولكن عندما انهارت الشيوعية في معقلها الأوراسي، مارس أغنياء الغرب الضغوط الرامية على دحر دولة الرفاهة على اعتقاد منهم بأنهم لم يعد لديهم ما يخشونه، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع مستويات التفاوت بسرعة. وكان هذا مقبولاً طالما ظلت الكعكة الشاملة تتوسع، ولكن الأزمة المالية العالمية التي اندلعت في عام 2008 أتت لتنهي ذلك التوسع.

وثانيا، على مدى الأعوام الخمسة عشر الماضية، تحولت مئات الملايين من فرص العمل إلى آسيا، التي وفرت عمالة رخيصة وعالية المهارة غالبا. ولقد فشل الغرب، المبتهج بانتصاره على الشيوعية ونموه الاقتصادي الذي بدا وكأن وقفه أمر مستحيل، فشل في تنفيذ الإصلاحات البنيوية الضرورية (باستثناء ألمانيا والسويد). وبدلاً من هذا، اعتمد ازدهار الغرب بشكل متزايد على الديون.

ولكن الأزمة الاقتصادية جعلت من المستحيل الحفاظ على مستوى طيب من الحياة بالاستعانة بأموال مقترضة. والآن بدأ الأميركيون والأوروبيون يدركون أنهم لم يعد بوسعهم، لا هم ولا أطفالهم، أن يفترضوا أنهم سوف يصبحون أكثر ثراء بمرور الوقت.

والآن تواجه الحكومات المهمة الصعبة المتمثلة في تنفيذ الإصلاحات التي سيقع ضررها الأكبر على الغالبية العظمى من الناخبين. ومن ناحية أخرى، فإن الأقلية التي استفادت مالياً على مدى العقدين الماضيين من غير المرجح أن تتخلى عن مزاياها بلا قتال.

وكل هذا لابد وأن يؤدي إلى إضعاف جاذبية الديمقراطية الغربية في بلدان مثل روسيا، حيث ينتمي هؤلاء الذين ينظمون المظاهرات الحاشدة ضد الحكومة إلى النخبة الاقتصادية، خلافاً للحال في الغرب، والعالم العربي إلى حد كبير. فحركتهم تنادي بالإصلاح السياسي ــ فتطالب بالمزيد من الحرية ومساءلة الحكومة ــ وهي ليست حركة احتجاج اجتماعية، على الأقل حتى الآن.

قبل بضعة أعوام، كان من الشائع أن نستمع إلى مخاوف بشأن التحدي الذي تفرضه الرأسمالية على الطريقة الاستبدادية (كما هي الحال في الصين أو سنغافورة أو ماليزيا أو روسيا على سبيل المثال) على الرأسمالية الديمقراطية الغربية. واليوم لم تعد المشكلة اقتصادية فحسب.

إن نموذج الرأسمالية الغربية لمجتمع قائم على الوفرة شبه الشاملة والديمقراطية الليبرالية يبدو الآن وعلى نحو متزايد وكأنه نموذج غير فعّال مقارنة بالنماذج المنافسة. فقد ينجح أبناء الطبقات المتوسطة في الدول الاستبدادية في دفع زعمائهم نحو قدر أعظم من الديمقراطية، كما هي الحال في روسيا، ولكن الديمقراطيات الغربية من المرجح أيضاً أن تصبح أكثر استبدادية.

والواقع أننا بمقاييس اليوم، نستطيع أن نعتبر شارل ديجول وونستون تشرشل ودوايت أيزنهاور زعماء استبداديين نسبيا. ويتعين على الغرب أن يعيد تبني مثل هذا النهج، أو يجازف بخسارة عالمية مع شروع القوى السياسية من أقصى اليمين وأقصى اليسار في توحيد مواقفها وبدء طبقاته المتوسطة في التلاشي.

ويتعين علينا الآن إيجاد السبل اللازمة لمنع الاستقطاب السياسي الذي أدى إلى نشوء الأنظمة الشمولية ــ الشيوعية والفاشية ــ في القرن العشرين. ومن حسن الحظ أن هذا أمر ممكن. فقد نشأت الشيوعية والفاشية وتأصلت في مجتمعات أجهزت الحروب على روحها المعنوية، ولهذا السبب لابد الآن من اتخاذ كافة الخطوات اللازمة لمنع اندلاع الحروب.

ولقد أصبح هذا على قدر كبير من الأهمية اليوم بشكل خاص، حيث يخيم شبح الحرب على إيران. فلم تعد إسرائيل، التي تواجه موجة من المشاعر العدائية بين جيرانها في أعقاب الاضطرابات "الديمقراطية" التي شهدتها بلدانهم، لم تعد الطرف الوحيد المهتم بقضية إيران. بل إن العديد من الناس في الدول المتقدمة، وحتى البعض في روسيا، يبدون على نحو متزايد تأييدهم لشن حرب ضد إيران، على الرغم ــ أو ربما بسبب ــ من الحاجة إلى معالجة الأزمة الاقتصادية العالمية المستمرة وفشل الحوكمة الدولية.

وفي الوقت نفسه، تلوح فرص ضخمة في أوقات التغيير البعيد المدى. فقد نجح آلاف الملايين من البشر في آسيا في الإفلات من براثن الفقر. والآن تظهر باستمرار أسواق جديدة ومجالات جديدة يستطيع فيها المرء أن يستغل فكره وتعليمه ومواهبه. كما بدأت مراكز القوى العالمية في موازنة بعضها البعض، على نحو يعمل على تقويض طموحات الهيمنة ويبشر بنوع مبدع من عدم الاستقرار القائم على التعددية القطبية، حيث يكتسب الناس قدراً أعظم من الحرية في تحديد مصائرهم على الساحة العالمية.

ومن عجيب المفارقات هنا أن التغيرات العالمية اليوم توفر إمكانية التعايش السلمي والصراع العنيف في نفس الوقت. والآن الأمر متروك لنا ــ وحدنا ــ للتعامل مع هذا الوضع وتحديد المستقبل الذي نريده لأنفسنا وأبنائنا.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (4)

Please login or register to post a comment

  1. CommentedSohaib Malek

    Isn't democracy authoritative by itself?

    When was the last time when a relative majority's decision was overthrown due to the relative minority's reservations in one of the most democratic country? When a majority votes for someone/thing, minority's views, regardless of how serious they are, are overruled "authoritatively".

    Its democracy's paradox that, on the one hand, it denounces non-authoritarian rules, on the other hand, its ensures a headway for majority's decisions when they're suppressing a relative minority's views.

  2. CommentedAlex D.

    I like the analysis of our current western situation:
    "First, social inequality has grown unabated in the West over the last quarter-century, owing in part to the disappearance of the Soviet Union and, with it, the threat of expansionist communism."

    There are many reasons why the western countries are in this mess. First, our politicians believe in the wrong system. It started with Thatcher and spread over almost every western country. Small government but free and ultra capitalism was the motto. We now see the results.

    Lobbyism opened a door to this development. But also in universities we were told that the free market works best. Deregulation was the motto and politicians did what the professional class said. We saw what happened: The workers’ wages decreased rapidly, the taxes for companies and wealthy people went down, unemployment rose, social benefits had to be cut because public revenue went down. And finally deregulation in financial markets has lead to the catastrophe in the financial markets. We saw the results in 2001 and 2008.

    This leads us to the next point:
    "Governments now face the difficult task of implementing reforms that will hit the majority of voters hardest."

    Now politicians have to solve the crisis. But how? Banks had to be saved with public money and now politicians cut the social benefits and wages of regular people. The causers of our financial disaster in 2008 are free and can do business as usual. The game goes on but the regular people have to pay it. In fact the European Union tries to save the Euro since 2008 and the economic situation in the southern countries is getting worse in worse. Instead of realizing that the EU continuous with the same medicine without realizing that the medicine (and thus the economical models that have been used) might be wrong.

    But this is not about democracy! If you would ask the voters they would say regulate the banks, stop the speculation with food and "stop making money with money for Christ’s sakes". Let them pay the bill.
    But as you can see our politicians are caught in Lobbyism. Banks write rules for German politicians for example. That is insane (but true).

    In fact our politicians could easily solve the problems. Use the right economical models, start to create jobs, decrease the inequality which is possible throughout taxation of the upper class or the famous 1%. Let companies finally pay taxes without any exceptions! Close tax loopholes and fight against tax shelters.

    On the other hand we have the more or less authoritarian countries which have no Lobbyism. They have a ruling elite but they are no bankers. Their markets are strictly regulated and often protected. Of course they have many other problems but huge and powerful companies are often government owned or ruled.

    Thus my conclusion:
    Our western democracies seem not to work because most of our political parties think the same way, influenced by the banks and big companies. Take a look at the US. 2 parties with 80% the same thinking.
    Take a look at Germany. We have more or less 5 parties of which 4 do the same. What has the labour party in England become? Why is Hollande called a Socialist?! Objectively they are all capitalists in the name of the big and wealthy and not much different than any other party in the western democracies.

    Perhaps we need more authoritarian leaders in the western countries but in my eyes this is not necessary. What we need is politicians who finally start to serve the people and not the companies and banks. Sweden or Switzerland are a good example that it works.

    Otherwise a very good and eye opening article! Thank you for that!

  3. CommentedZsolt Hermann

    Thank you for this very sharp analysis of our current global situation. Indeed history "did not end", evolution is going on, and it has driven humanity to a very crucial crossroad. We are facing unprecedented times, because we never lived in such a closed, integral and interdependent system as we exist in today, thus we can basically "throw out" all our historic examples.
    Moreover all our history so far can only teach us what systems do not work, as all our previous civilizations, including the present free market, constant growth capitalistic civilazation have run into dead ends, collapsed.
    I completely agree with the conclusion of the article that from this point on we can progress either in a very positive, prosperous, sustainable way, or we can self destruct even to the point of extinction. We have the talent and capability for both.
    So why would we not choose the positive path automatically? Because it goes against our inherent human nature. The positive path requires an altruistic, mutually responsible society, where people take into consideration the whole system before they make self calculations. Only this way can such an interconnected integral system work, where with each move, even with our thoughts we influence everybody else, thus before any plan or action we need to take into consideration the whole structure.
    We can be motivated into accepting such altruistic system in two ways. The first one is the method we followed so far, we only changed, moved on when the suffering on the actual level made it impossible to stay put, thus we moved to another level. Unfortunately in our present situation this would mean colossal suffering, possible atomic world war. The other option is the wise one, where by studying and understanding the structure of the global system, and the laws governing it, we adjust ourselves willingly, with free choice, proactively before the circumstances force us to do so. This is where we stand today as the article concludes.

  4. CommentedAndrés Arellano Báez

    It is the most important change of our species. In the past there were moments like theses, but with a huge difference: the avalaible free information the we can have today. So, it is true what hte authos said: radicals ideologies can come to power but we all have today the tools to avoid that. We need share information and generate the basis for the next step in our evolution: the social awareness. 2012 is a year for a change and it is clear that the actual system is collapsing.

Featured