3

كيف أجج التفاوت نيران الأزمة

شيكاغو ـ قبل الأزمة المالية الأخيرة، كان الساسة من المنتمين إلى المعسكرين الجمهوري والديمقراطي على السواء ـ كل في دائرته الانتخابية ـ يحرضون مؤسستي الرهن العقاري العملاقتين المدعومتين من الحكومة فاني ماي وفريدي ماك، على دعم تقديم القروض للأشخاص من ذوي الدخول المتدنية. وكان هناك خوف أشد عمقاً وراء ذلك الحماس المكتشف حديثاً لتوفير الإسكان للفقراء: والذي يتلخص في اتساع فجوة التفاوت في الدخول بين الناس.

منذ سبعينيات القرن العشرين كانت أجور العاملين من أصحاب الوظائف العليا في الولايات المتحدة ـ مثل مديري المكاتب ـ تنمو بسرعة أكبر من أجور العمال من أصحاب الوظائف المتوسطة، مثل عمال المصانع ومساعدي المكاتب. وهناك عدد من العوامل المسؤولة عن هذا التفاوت في الأجور.

ولعل العامل الأكثر أهمية هنا هو أن التقدم التكنولوجي في الولايات المتحدة يتطلب من الأيدي العاملة امتلاك مهارات متزايدة بشكل مستمر. إذ كانت شهادة التعليم الثانوي كافية لتوظيف العاملين بالمكاتب قبل أربعين عاماً، في حين تكاد شهادة البكالوريوس تكون غير كافية لشغل نفس الوظائف اليوم. ولكن النظام التعليمي كان عاجزاً عن تخريج العدد الكافي من الأيدي العاملة التي تتمتع بالقدر الضروري من التعليم. وتتراوح الأسباب من عدم الاهتمام بالتغذية والتنشئة الاجتماعية والتعليم في سن الطفولة المبكرة إلى المدارس الابتدائية والثانوية المختلة التي تخرج أعداداً هائلة من الأميركيين غير المؤهلين للالتحاق بالتعليم العالي.

وكانت النتيجة اليومية بالنسبة لأبناء الطبقة المتوسطة ركود الرواتب وتنامي حالة عدم اليقين الوظيفي. ويشعر الساسة بالآلام والعذابات التي يعيشها أهل دوائرهم الانتخابية، ولكن تحسين نوعية التعليم ليس بالمهمة السهلة، وذلك لأن التحسين يتطلب تغيير حقيقي وفعّال في السياسات الموجهة نحو منطقة حيث يفضل العديد من أصحاب المصالح الخاصة استمرار الوضع الراهن.

فضلاً عن ذلك فإن أي تغيير سوف يتطلب سنوات حتى يصبح نافذ المفعول، أي أنه لن يتمكن من معالجة مخاوف الناخبين الحالية. وعلى هذا، بدأ الساسة في البحث عن طرق أخرى أكثر سرعة لتهدئة خواطر ناخبيهم. وكنا ندرك منذ فترة طويلة أن الاستهلاك وليس الدخل هو المهم في الأمر. وكان الساسة الأذكياء يدركون أن استمرار معدلات الاستهلاك المرتفعة بين أسر الطبقة المتوسطة على نحو أو آخر، أي إذا تمكنت تلك الأسر من شراء سيارة جديدة أو الخروج في عطلة إلى مكان غير عادي كل بضعة أعوام، ربما يصرف انتباهها عن رواتبها الراكدة.

وعلى هذا فإن الاستجابة السياسية لاتساع هوة التفاوت ـ سواء كانت بتخطيط دقيق أو كانت ناتجة عن انعدام المقاومة ـ كانت تتلخص في التوسع في إقراض الأسر، وخاصة الأسر ذات الدخول المتدنية. وكانت الفوائد مباشرة ـ نمو الاستهلاك وخلق المزيد من فرص العمل ـ في حين كان من الممكن تأجيل سداد الفاتورة الحتمية إلى المستقبل. ورغم ما ينطوي عليه هذا من استهزاء بالقواعد الأخلاقية فإن الائتمان الميسر كان يستخدم طيلة التاريخ كأداة ملطفة من قِبَل الحكومات العاجزة عن معالجة المخاوف الأشد عمقاً بين أهل الطبقة المتوسطة بشكل مباشر.

بيد أن الساسة يفضلون التعبير عن أهدافهم بالاستعانة بمصطلحات أكثر رفعاً للمعنويات وأكبر قدرة على الإقناع من مجرد العمل بفظاظة على زيادة الاستهلاك. وفي الولايات المتحدة، كان التوسع في ملكية المساكن ـ أحد العناصر الرئيسية التي يتألف منها الحلم الأميركي ـ بين الأسر ذات الدخول المتدنية والمتوسطة، بمثابة محور للأهداف الأوسع نطاقاً للتوسع الائتماني والاستهلاكي.

ولكن لماذا لم تتبع الولايات المتحدة مساراً أكثر مباشرة في إعادة التوزيع، ويستند إلى فرض الضرائب والاقتراض والإنفاق على الطبقة المتوسطة المتلهفة؟ لقد وقعت اليونان، على سبيل المثال، في المتاعب حين فعلت هذا على وجه التحديد، حيث عملت على توظيف عدة آلاف من العاملين في الهيئات الحكومية، وأجزلت لهم العطاء، رغم أن ديونها العامة كانت قد بلغت مستويات فلكية.

ولكن في الولايات المتحدة نشأت قوى سياسية عاتية احتشدت ضد إعادة التوزيع بشكل مباشر في الأعوام الأخيرة. وكان الائتمان السكاني الموجه يمثل سياسة تحظى بدعم أعرض اتساعاً، وذلك لأن كل جانب تصور أنه سوف يستفيد.

وكان ساسة اليسار يفضلون اتجاه التدفقات نحو دوائرهم الانتخابية الطبيعية، في حين رحب اليمين بملاك العقارات الجدد الذين ربما تمكنوا من إقناعهم بتغيير ولاءهم الحزبي. وكان توفير الائتمان الإسكاني للمزيد من الأشخاص من ذوي الدخول المتدنية من بين القضايا القليلة التي اتفقت عليها إدارة الرئيس بِل كلينتون، بتفويضها الذي يتلخص في توفير المسكن بأسعار معقولة، وإدارة الرئيس جورج دبليو بوش، التي مارست الضغوط من أجل دعم مجتمع "الملكية".

ولكن في النهاية تسببت المحاولة المضللة لدعم ملكية المساكن من خلال الائتمان في إنشاء مساكن لا يستطيع أحد أن يتحمل أسعارها، فضلاً عن غرق الأسر الأميركية في الديون. ومن المفارقات العجيبة هنا أن معدلات الملكية كانت في انحدار منذ عام 2004.

والمشكلة هنا، كما هي الحال في كثير من الأحيان فيما يتصل بالسياسات الحكومية، لا ترجع إلى القصد والنية. فنادراً ما يكون الأمر كذلك. ولكن حين يجتمع قدر ضخم من الأموال المتيسرة، في ظل رعاية حكومة مقتدرة مالياً، مع حافز الربح لدى قطاع مالي متطور وقادر على المنافسة وغير أخلاقي، فإن الأمور تبلغ أبعاداً تتجاوز نية الحكومة بمراحل.

وهذه بطبيعة الحال ليست المرة الأولى في التاريخ التي يتم فيها استخدام التوسع الائتماني لتهدئة مخاوف مجموعة متخلفة عن الركب، ولن تكون المرة الأخيرة. والواقع أن المرء لا يحتاج حتى إلى البحث عن أمثلة خارج الولايات المتحدة. ذلك أن إلغاء القيود التنظيمية، والتوسع السريع للعمل المصرفي في الولايات المتحدة أثناء السنوات الأولى من القرن العشرين، كان من نواح كثيرة بمثابة استجابة للحركة الشعوبية، التي دعمها المزارعون من أصحاب الحيازات الزراعية الصغيرة والمتوسطة، والذين وجدوا أنفسهم وقد تخلفوا عن الأعداد المتنامية من العمال في قطاع الصناعة، فطالبوا بتيسير شروط الائتمان. وكان الائتمان الريفي المفرط من بين الأسباب المهمة وراء إفلاس البنوك أثناء أزمة الكساد الأعظم.

والمغزى الضمني الأوسع هنا هو أننا في حاجة إلى النظر إلى ما هو أبعد من المصرفيين الجشعين والجهات التنظيمية الضعيفة الشخصية (لدينا وفرة من النوعين)، في البحث عن الأسباب الجذرية وراء هذه الأزمة. والواقع أن المشاكل لا تُحَل من خلال وضع مشروع قانون للتنظيم المالي يمنح المزيد من الصلاحيات والسلطات لهذه الأجهزة التنظيمية. إن أميركا تحتاج إلى معالجة جذور التفاوت، من خلال منح المزيد من الأميركيين القدرة على المنافسة في الأسواق العالمية. وهذا أصعب كثيراً من توزيع الهبات الائتمانية، ولكنه أكثر فعالية في الأمد البعيد.