Friday, October 31, 2014
0

أوروبا وتحدي الليبرالية الجديدة

ظللت أؤكد لأكثر من عشرين عاماً أن معدلات البطالة المرتفعة في أوروبا الغربية لا يمكن تحملها على الأمد البعيد. ففي نهاية السبعينيات، راهن النقديون (المؤمنون بتأثير الكم المعروض من النقد على تنظيم الاقتصاد) على أن الزيادة المؤقتة المتواضعة في معدلات البطالة من شأنها العمل على كبح التضخم المالي الذي كان قد أخذ يزحف بسرعة على الغرب الصناعي، وأن تكاليف العودة إلى الاستقرار الفعّال للأسعار سوف يتم تقديرها على نحو دقيق اعتماداً على أحداث الماضي. ولقد نجح رهان النقديين في بريطانيا والولايات المتحدة، لكنه لم ينجح في أوروبا الغربية.

طيلة ربع القرن الماضي في أوروبا، ظلت معدلات البطالة في ارتفاع بسبب إحكام السياسة النقدية ورفع أسعار الفائدة بغرض مكافحة التضخم. ولكن بعد القضاء على التضخم لم تنخفض معدلات البطالة ـ أو لم تنخفض بنسب كبيرة. ومع أن معدلات البطالة لم تبلغ المستويات التي بلغتها أثناء فترة الكساد العظمى في عشرينيات القرن العشرين، إلا أنها ظلت مرتفعة إلى الحد الذي يجعل البقاء بلا عمل لمدة طويلة، أو الخوف من البقاء بلا عمل لمدة طويلة، تجربة عصيبة.

إن المجتمعات التي تصل معدلات البطالة الرسمية فيها إلى 10% أو ما يزيد لعدة أجيال، هي بلا شك مجتمعات ذات إدارة اقتصادية حكومية فاشلة. ومن هنا فقد ظللت لمدة عشرين عاماً على قناعة بأن التوازن السياسي الضمني في أوروبا الغربية ـ والذي اعتمد على المساومة الشركاتية والضمان الاجتماعي الوفير من ناحية، وعلى السياسات النقدية المحكمة من ناحية أخرى ـ لابد وأن ينهار.

على ما يبدو أن المخاوف المزدوجة أصبحت تشل صانعي القرار في أوروبا. ذلك أن محافظي البنوك المركزية الأوروبية يخشون أن يصدر إليهم سادتهم السياسيون الأوامر بتحرير السياسة النقدية، كما يخشون ألا تأتي الإصلاحات البنيوية اللازمة لتحرير الإجمالي الكلي من المعروض قريباً، ويخافون أن تكون النتيجة المحتومة العودة إلى معدلات التضخم التي كانت سائدة في السبعينيات. وباختصار، فهم يخشون أن يثبت لهم أن كل التضحيات التي بذلت في سبيل تثبيت الأسعار كانت سدى.

في حين يخاف أهل السياسة في أوروبا الغربية النتيجة العكسية. فهم يخشون أن يستمر محافظو البنوك المركزية في الإصرار على تبني سياسات نقدية محكمة حتى بعد تنفيذ الإصلاحات البنيوية الرامية إلى تقليص جاذبية معونات البطالة وتعظيم قدرة العمالة على التحرك نحو فرص العمل وقدرة الشركات على التحرك نحو العمالة. وباختصار فهم يخشون أن تكون النتيجة النهائية، بدون التوسع في الناتج أو تشغيل العمالة، زيادة معدلات الفقر.

مما لا شك فيه أن هذه المخاوف تأتي مصحوبة بالأمل في نجاح الإصلاحات البنيوية والتوسع النقدي في العمل في تجانس، من أجل دعم تشغيل العمالة وزيادة الناتج بدون رفع معدلات التضخم بنفس القدر. لكن الحقيقة هي أن الخطوات اللازمة لتبني سياسات نقدية أكثر تحرراً لم تتخذ بعد ـ ويرجع هذا على نحو خاص إلى تلهف البنوك المركزية الأوروبية الناشئة إلى ترسيخ مصداقيتها فيما يتصل بقدرتها على مكافحة التضخم ـ كما أن الخطوات نحو تبني الإصلاحات البنيوية ما زالت مترددة وضئيلة وفاقدة للحماس.

لقد ثبت أنني كنت على خطأ طيلة عشرين عاماً: فقد ظلت الأنظمة السياسية الحاكمة في أوروبا الغربية مستقرة على الرغم من استبعاد قسم ضخم من المواطنين من المساهمة الفعّالة في جوانب كثيرة من الحياة الاقتصادية. كما استمر اقتصاد أوروبا الغربية في النمو ـ ولو بسرعة أقل مما كان بوسعه ـ على الرغم من تحمله للعبء الثقيل الذي يتمثل في نسبة بطالة بلغت 10% أو ما يزيد من القوى العاملة.

على الرغم من ذلك إلا أنه مما يبدو الآن أنني قد أكون محقاً في النهاية ـ أو على الأقل محقاً في الخوف إن لم يكن في الهلع. فقد كان رفض الفرنسيون لدستور الاتحاد الأوروبي في المقام الأول ـ أو هكذا يبدو ـ لأنهم يخشون أن يأتي المزيد من التكامل الأوروبي وفي أعقابه التكاليف الهائلة، وبالتالي تمزيق الليبرالية الجديدة.

إنه لأمر طيب أن نساند "المشروع الأوروبي" حين تتلخص الفكرة في ربط ألمانيا بإحكام إلى فرنسا بحيث لا يتأتى لأي شخص في المستقبل أن يفكر في شن حرب بسبب أمر تافه مثل الخلاف على اللغة التي ينبغي أن يتحدث بها أهل الألزاس واللورين. لكن المسألة تختلف حين يترتب على المشروع الأوروبي أن يواجه عمال فرنسا المنافسة من السباكين البولنديين، والمزارعين الرومانيين، والباعة الأتراك في المحلات التجارية.

وفي ألمانيا يبدو جمهور الناخبين مستعداً لطرد المستشار جيرهارد شرودر بسبب الاستياء من ولائه الفاتر لمشروع الليبرالية الجديدة. لكن المشكلة هي أن جمهور الناخبين سيضطر إذا ما أبعد شرودر إلى الخضوع لأربعة أعوام من حكم المستشارة أنجيلا ميركيل التي يكاد يكون ولاؤها لمشروع الليبرالية الجديدة بقدر ولائي أنا لها. وأنا أرى أن ألمانيا ستكون في حال أفضل إذا ما أمضت العقد القادم في خضوع للمزيد من سياسات الليبرالية الجديدة. ولكن لا يبدو أن هذا هو ما يريده جمهور الناخبين في ألمانيا، وهذا يعني أن التعقيدات التي ستعاني منها السياسة الألمانية بعد أربعة أعوام من الآن ستكون غير قابلة للإحصاء ولن يتسنى لأحد أن يتنبأ بها.

فضلاً عن كل ذلك هناك استياء شمال أوروبا من محافظي البنوك المركزية، وعلى وجه التحديد البنك المركزي الأوروبي وعملة اليورو. لا نستطيع أن نقول إن نهاية الاتحاد النقدي الأوروبي قد أصحبت على جدول الأعمال؛ لكن كل ما في الأمر أن الناس قد بدأت تفكر في احتمالات مستقبلية ضئيلة حيث قد تصبح نهاية الاتحاد النقدي الأوروبي أمراً مطروحاً على جدول الأعمال. وهذا يكفي لهز أسعار الأصول في كل أنحاء العالم.

لقد كانت المنجزات التي حققتها أوروبا الغربية منذ الحرب العالمية الثانية من بين أكثر قصص النجاح تشجيعاً وإبهاراً في تاريخ العالم. ولابد وأن الجميع يتمنون لأوروبا اليوم الموحدة أن تبنى على منجزاتها، بدلاً من أن تتسبب أجيال من البطالة المرتفعة في تهديد هذه المنجزات.

لكن هذا سوف يتطلب تحولاً في موقف البنك المركزي الأوروبي. إن أوروبا في حاجة إلى سياسة نقدية تنظر إلى مسألة دعم نمو فرص العمل في شمال أوروبا باعتبارها قضية أكثر أهمية من استقرار الأسعار على مستوى القارة.

في النهاية، سوف تشهد كل من أوروبا الجنوبية والشرقية تضخماً ـ وهو أمر لا مناص منه، ذلك أنه مع تقدم الأقاليم وتحولها إلى الصناعة فلابد من تحسن ظروفها التجارية، وفي ظل اتحاد نقدي فإن التضخم الإقليمي هو السبيل الوحيد لحدوث هذا الأمر. ويتعين على البنك المركزي الأوروبي ألا يحاول موازنة التضخم في الجنوب والشرق بالانكماش في الشمال من أجل تحقيق أهداف زائفة على مستوى القارة.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured