Exit from comment view mode. Click to hide this space
Email | Print

العاصفة التي تسبق الهدوء

أكسفورد ـ الآن تستطيع البنوك المركزية أن تكف عن القلق والانشغال بشأن التضخم. فقد أصبح انكماش الأسعار أكثر ترجيحاً في المدى القريب. ولكن الانكماش المؤقت لا ينبغي أن يكون مصدر الرعب الذي يخشاه محافظو البنوك المركزية، على الأقل إذا ما أعيد تمويل النظام المصرفي وإذا ما هبطت أسعار الفائدة في البلدان الصناعية بصورة حادة.

منذ وقت قريب، وبالتحديد أثناء شهري سبتمبر/أيلول وأكتوبر/تشرين الأول، كان بنك الاحتياطي الفيدرالي في الولايات المتحدة والبنك المركزي الأوروبي ينظران إلى خطر التضخم باعتباره مساوياً تقريباً للمخاطر التي تحيط بالنمو. وكان الاثنان كارهان لتخفيض أسعار الفائدة بشكل ملحوظ. والحقيقة أن الأسواق المالية ربما اتخذت وجهة نظر بنك الاحتياطي الفيدرالي بشأن التضخم في الولايات المتحدة بوصفها ممثلاً لتوقعات البنوك المركزية الأخرى بشأن التضخم، وهو الاتجاه الذي تعزز بالقرار الذي اتخذه البنك المركزي الأوروبي في الثاني من أكتوبر/تشرين الأول بتجميد تحركات أسعار الفائدة.

وفي شهر أكتوبر كانت الولايات المتحدة على أعتاب نقطة التحول الأعظم خطراً فيما يتصل بخطر التضخم طيلة العشرين عاماً الماضية. لا شك أن توقع التضخم ليس بالأمر اليسير على الإطلاق. فقد شهدت بنية الاقتصاد العالمية تحولات ضخمة (على سبيل المثال، التجارة العالمية والعولمة المالية) فضلاً عن التغيرات التي شهدتها الأنظمة الاقتصادية الفردية (مثل انحدار قوة النقابات التجارية). وحتى السياسة النقدية ذاتها تحولت بوضوح نحو التركيز بشكل أعظم على التضخم.

فضلاً عن ذلك فإن الصدمات المتصلة بأسعار الطاقة والغذاء قد تكون في غاية الضخامة ولا يمكن التكهن بها إلى حد كبير، بينما تميل سرعة تغير الأسعار إلى الزيادة مع حدوث الصدمات. وعلى هذا فإن أغلب نماذج التكهن التي استخدمتها البنوك المركزية كانت تركز بشكل كبير على معدلات التضخم الحالية. والحقيقة أن هذا النهج قادر على تتبع التضخم بقدر كبير من النجاح، إلا في المنعطفات الحادة، وذلك لأن هذه النماذج تعجز عن التكهن ببعض التأثيرات الأساسية أو التأثيرات طويلة الأمد.

إن نقطة التحول التي تواجهها الولايات المتحدة واقتصاد العالم الآن واضحة ومباشرة. فهي تتلخص في أن الناتج العالمي ينحدر بمعدلات قد تكون غير مسبوقة منذ الحرب العالمية الثانية، ربما باستثناء الفترة ما بين العامين 1974 و1975. وفي ظل هذه الظروف تتزايد احتمالات الفوائض الضخمة وتهبط أسعار السلع الأساسية.

في واقع الأمر، يبدو من غير المرجح أن تتمكن الحكومات في الصين وغيرها من الأسواق الناشئة المماثلة من التعويض بالسرعة الكافية لتعزيز الاستهلاك المحلي. ومع نمو الفائض في الطاقة الإنتاجية فقد تتزايد حدة الانحدار في الاستثمار في إنتاج السلع، فضلاً عما يصاحب ذلك من تهديدات خطيرة بالنسبة للناتج المحلي الإجمالي. وعلى هذا فقد شهد الطلب على السلع الأساسية، الذي كان مدفوعاً بنمو الأسواق الناشئة، شهد هبوطاً حاداً، الأمر الذي لابد وأن يساعد في انخفاض مستويات التضخم العالمية.

وفي النهاية، سوف يعمل انخفاض أسعار السلع الأساسية وانخفاض مستويات التضخم عمل التخفيض الضخم للضرائب بالنسبة للأسر، الأمر الذي سوف يسمح بالمزيد من الانخفاض في أسعار الفائدة، وبالتالي استقرار النشاط الاقتصادي. ومن عجيب المفارقات هنا أنه كلما كان هبوط أسعار النفط أسرع كلما كانت فترة الانكماش التالية أقصر، وذلك مع نجاح الاقتصاد في البلدان الصناعية في تجنب المزيد من الضرر.

وما دامت أسعار النفط والغذاء قد شهدت هبوطاً حاداً، ومن المحتمل أن تشهد المزيد من الانحدار، بينما ترتفع مستويات البطالة إلى عنان السماء، فإن النماذج المتاحة لدينا تشير إلى أن تضخم الأسعار الاستهلاكية، وبخاصة في الولايات المتحدة، لابد وأن يهبط بمعدلات غير مسبوقة على مدى الأشهر الستة أو الاثني عشر القادمة. أما مستويات التضخم في الولايات المتحدة، إذا ما قيست على مدى اثني عشر شهراً، فمن المحتمل إلى حد كبير أن تكون سالبة بحول منتصف العام 2009.

وفي حين ما زال بعض المراقبين يشعرون بالانزعاج الشديد بشأن خطر التضخم، فإن آخرين يخشون أن الآلية المعتادة للتحول النقدي باتت متعطلة عن العمل، وأن الولايات المتحدة قد تخسر عقداً كاملاً من الزمان كما حدث مع اليابان، بينما يخشى آخرون حدوث انهيار اقتصادي في البلدان الصناعية على غرار ما حدث أثناء ثلاثينيات القرن العشرين.

وعلى هذا فإن المناقشة الحالية تدور حول ما إذا كانت السياسات النقدية قادرة على منع الانكماش وماذا قد يحدث حين تبلغ أسعار الفائدة ampquot;حد الصفر الأدنىampquot;. والمقصود بحد الصفر الأدنى أن أسعار الفائدة الوطنية ليس من الممكن أن تهبط إلى ما دون الصفر. ولكن إذا ما ظلت أسعار الفائدة الوطنية أعلى من مستوى الصفر بينما كانت مستويات التضخم أقل من الصفر، فقد تصبح أسعار الفائدة الحقيقية أعلى مما ينبغي بالنسبة لاقتصاد يمر بحالة من الركود، وبالتالي تشتد حدة الركود ويطول أمده.

كانت المخاوف بشأن الانكماش قد أثيرت على نحو غير صحيح في الفترة ما بين العام 2001 والعام 2003، في حين كان ينبغي للاستجابة القوية من جانب سوق الإسكان في الولايات المتحدة والإنفاق الاستهلاكي في مواجهة انخفاض أسعار الفائدة أن تجعل من هذه المناقشة كلاماً معاداً لا قيمة له. وبتأثير من التفسير الخاطئ للتجربة اليابانية، أدى ذلك إلى الإفراط في نزعة الحماية ضد خطر الانكماش. ومن المفارقات أن هذه الاستجابة السياسية ساعدت على تغذية فقاعتي الائتمان والإسكان اللتين كان انهيارهما سبباً في الركود الحالي، وهو ما قد يؤدي في واقع الأمر إلى الانكماش.

ثمة اختلافات مهمة بين بنية اقتصاد الولايات المتحدة وبنية اقتصاد اليابان، بما في ذلك المستوى الهائل من الأصول السائلة التي تحتفظ بها الأسر اليابانية، والتي تؤدي إلى انخفاض الاستهلاك حين تنخفض أسعار الفائدة. والحقيقة أن هذه الاختلافات، علاوة على الدروس المستفادة من ampquot;العقد الضائعampquot; في اليابان، فيما يتصل بضرورة إعادة تمويل النظام المصرفي، تشير إلى أنه من غير المرجح أن تمر الولايات المتحدة بنفس تجربة ampquot;العقد الضائعampquot;.

أما الآثار المترتبة على هذه السياسات خارج الولايات المتحدة واليابان، حيث اقتربت أسعار الفائدة من الصفر، فتتلخص في قدرة البنوك المركزية على الاستمرار في خفض أسعار الفائدة بأمان ومواصلة عمليات دعم السيولة النقدية مع التعرض لأقل قدر من خطر التضخم. وفي كل الأحوال، فمع تضاؤل الثقة في النظام المالي، وتقيد الائتمان بفعل المخاوف المرتبطة بأسعار الإسكان المستمرة في الهبوط، أصبحت قنوات التحول المعتادة عن الأسعار التي تفرضها السياسة النقدية مسدودة. وهذا يعني أن التركيز الناشئ على إعادة تمويل النظام المصرفي، ثم في وقت لاحق التركيز على السياسات غير التقليدية، بما في ذلك شراء أوراق ائتمان القطاع الخاص المالية، كان في محله.

مع عودة الثقة بعض الشيء في النظام المصرفي بعد إعادة تمويله في نهاية المطاف، ومع انحدار العائدات على السندات طويلة الأجل بفعل انخفاض مستويات التضخم، فإن أسعار الفائدة على قروض الرهن العقاري وغيرها من القروض سوف تنخفض بالتالي، فتعود آليات التحول النقدي إلى العمل من جديد، وهو ما من شأنه أن يعزز من النشاط الاقتصادي ويؤدي إلى استقرار أسعار الإسكان الحقيقية، ولو عند مستوى أدنى إلى حد كبير.

وختاماً، هناك اختلافان رئيسيان بين أزمة الثلاثينيات والأزمة الحالية. إذ أن العالم الصناعي الآن أصبح أكثر اعتماداً على النفط مقارنة بما كانت عليه الحال آنذاك. وكان الارتفاع الهائل في أسعار النفط الحقيقية من بين الأسباب الرئيسية التي أدت إلى الركود الحالي، ولسوف يكون انعكاس ذلك الاتجاه من العوامل الرئيسية المؤدية إلى تعافي الاقتصاد العالمي. أما الاختلاف الرئيسي الثاني فهو يتلخص في أننا أصبحنا الآن أكثر دراية وحكمة من أن نكرر أخطاء الثلاثينيات ـ وبالأخص الاستسلام لنـزعة الحماية التجارية.

Reprinting material from this Web site without written consent from Project Syndicate is a violation of international copyright law. To secure permission, please contact us.

Exit from comment view mode. Click to hide this space

Comments (0)

You need to login in order to leave a comment. If you do not yet have an account, please register.

Show comments of
close

The two commenting options explained

Watch a 1 minute video
to discover how you can comment on the entire article or a specific paragraph. The two images below also explain the two ways of commenting.

1) Entire article comment
Once logged in, simply click inside the comment box where it says "Enter text here." Enter and post your comment.

2) Paragraph comment
Please log in first. Then click to the left of the desired paragraph. Your cursor will automatically move to the comments box. Enter and post your comment.

Top Project Syndicate commentaries

Email this article

Your name is required.

Your email is required.


Your friend's name is required.

Your friend's email is required.


A message is required.