Exit from comment view mode. Click to hide this space
Email | Print

صعود دولة الشيعة النفطية

إن التفجيرات الشنيعة التي وقعت في المزارات المقدسة للشيعة بكربلاء لن تغير ولن تحجب حقيقة جديدة جلية من حقائق الحياة في الشرق الأوسط. فالآن وبعد أن انقشعت سحابة الحرب في العراق، أضحى من الجلي أن نجم الشيعة قد بزغ، فخرجوا بعد طول سبات باعتبارهم الفئة الرابحة غير المنتظرة. وربما ما تزال الحكومات التي عارضت الشيعة لعقود من الزمان تنكر هذه الحقيقة، لكن الإرهابيين الذين زرعوا تلك القنابل لا ينكرونها. فلقد أدركوا، كما أدرك الشيعة ذاتهم الآن، أن المسلمين الشيعة على الجانب الآخر من الخليج قد اكتسبوا نفوذاً سياسياً هائلاً، وأنهم قد انتبهوا إلى قدرتهم على تنظيم أنفسهم وإلى المنحة الكامنة تحت أقدامهم: ألا وهي النفط.

فبعد سنوات من القمع على يدي صدام حسين، يتذوق شيعة العراق الآن طعم الحرية، ويحثون بقية الشيعة في كل أنحاء الخليج على انتهاج أسلوب أكثر حزماً. كما انتبه الشيعة إلى الصدفة الجغرافية التي وضعت أكبر احتياطي نفطي على مستوى العالم تحت أرض تشكل تجمعاتهم فوقها أغلبية سكانية ـ في إيران، والمنطقة الشرقية من السعودية، والبحرين، وجنوب العراق. فمرحباً بكم في كومنولث "دولة النفط" الجديد.

إن القوة المكتشفة حديثاً للمسلمين الشيعة في تلك المنطقة سريعة التقلب تمثل تحدياً لكل من المؤسسات السنية الحاكمة ـ خارج إيران ـ وللولايات المتحدة. فقد انتهت سنوات الخنوع بالنسبة للشيعة.

لأي شيء يخطط الشيعة إذن؟ من أين يستمدون الإلهام؟ هل سيحكمهم الرجال الملتحون منذ ذوي العمائم والنساء المنتقبات، أم هل سيكون الحكم لأصحاب الحُللِ وصاحبات الأحذية ذات الكعوب العالية؟ إن كانوا يريدون الديمقراطية، فهل سيقر بها أي شخص على تلك الهيئة؟

لم ينتبه الغرب إلى الشيعة قبل عام 1979 حين بدوا للعيان على رأس ثورة عنيفة أعملت القتل في الآلاف وحولت شاه إيران إلى تاريخ منسي. وفي نظر الغرب، أصبح الشيعة يمثلون الوجه المحارب العدائي للإسلام، والفئة العازمة على تصدير العنف إلى العالم.

ولقد بدت النسخة السنية من أولئك الشيعة، وحتى الوهابين المتشددين في المملكة العربية السعودية، في غاية الوداعة مقارنة بهم. ولكن الهجمات الإرهابية على أميركا في الحادي عشر من سبتمبر 2001، غيرت تلك الفكرة إلى الأبد.

فقد كان كل خاطفي الطائرات من السنة. وكان مضيفوهم ومناصروهم، تنظيم طالبان، أيضاً من السنة، مثلهم مثل كل السجناء في القاعدة العسكرية الأمريكية التي تحولت إلى سجن على خليج جوانتانمو بكوبا. كما سيطر السنة على نظام حكم صدام البعثي ـ وما يسمى بالمثلث السني في وسط العراق يعد معقلاً لأشد المعادين للاحتلال الذي قادته الولايات المتحدة وللمتعاونين معه من أهل البلد. في غضون أشهر قليلة حل السنة محل الشيعيين كأكبر خطر يتهدد الغرب والأمن الدولي.

زعمت الأقليات الشيعية من جانبها ترحيبها بالديمقراطية. لكن الأقليات ـ وعلى الأخص تلك التي عانت الخضوع والاستعباد ـ دائماً ما يكون هذا موقفها (لبعض الوقت على الأقل)، لأن هذا الموقف من شأنه أن يسمح لها بالمطالبة بحرية ممارسة العقيدة والتعبير عن هويتها الثقافية.

في المملكة العربية السعودية، يأتي الشيعة في مقدمة المرحبين بالتحول إلى الديمقراطية والمشاركة فيها. ومع أنهم يشكلون 20% فقط من تعداد السعودية، إلا أنهم يشكلون 75% من تعداد المنطقة الشرقية الغنية بالنفط.

ولقد عانى الشيعة في المملكة العربية السعودية من التفرقة في مجال الوظائف العامة: في الجيش، والمناصب الحكومية العليا، وفي السلك الدبلوماسي، وفي المجال الأكثر أهمية ألا وهو صناعة النفط، حيث يستبعدون من ذلك المجال منذ ثمانينيات القرن العشرين. ويلقى هذا الاستبعاد المنظم للشيعة الدعم من قِبَل المؤسسة الدينية الوهابية، ويضفي عليه الشرعية العديد من الفتاوى التي تدينهم باعتبارهم من المهرطقين الخارجين عن الدين.

في البحرين يشكل الشيعة 75% من تعداد السكان هناك، وهم متحمسون للإصلاحات التي بدأها الملك حمد آل خليفة. ولقد آثر أولئك الشيعة الخضوع للحكم السياسي من جانب أقلية سنية، على أن ينخرطوا في حكومة على غرار حكومة إيران. لكن الجيل الجديد من الشيعة بالبحرين يميلون بشكل أكبر إلى النزعة العسكرية، وتحاكي آراؤهم بشكل متزايد آراء الشيعة في المملكة العربية السعودية.

كان الخوف من تهديد النزعة العسكرية لدى الشيعة، والتي عملت إيران على تصديرها، هو ما دفع حكام المنطقة إلى إقامة مجلس التعاون الخليجي في عام 1981 وإلى محاولة توحيد قواهم. ولكن تلك الخطوة أتت متأخرة بعض الشيء. فقد وقعت محاولة انقلاب في البحرين في نفس العام، وكانت قد سبقتها بعام واحد في السعودية ثورة للشيعة.

واليوم، لم تعد إيران تصدر الثورة. فقد أصبحت تجربتها مع نمط إسلامي للديمقراطية شأناً داخلياً بشكل أساسي الآن. وعلى أي الأحوال، فإن أي من أئمة الشيعة العراقيين الذين كانوا قد أبعدوا إلى إيران ذات يوم، ليس لديهم ميل لتبني النموذج الإيراني.

حتى الآن كان الشيعة في العراق يتحلون بالهدوء نسبياً، وهم يراقبون عملية إزالة ما تبقى من آثار حزب البعث وينتظرون الوقت المناسب. ولكن منذ أسر صدام حسين أصبحوا أكثر حزماً. وتحت إلحاح مستمر من الشيعة تضطر الولايات المتحدة بشكل متواصل إلى إعادة رسم خريطة العراق.

بعد أن كان الشيعة هم الفئة الخاسرة في المنطقة لعقود من الزمان، فقد سنحت لهم الفرصة الآن لإصلاح الخلل في الميزان وتسوية الحسابات القديمة ـ وفرض السيطرة على دولة النفط. ولكنهم لن يدركوا النجاح في مسعاهم هذا بدون كفاح ـ كما برهنت التفجيرات البغيضة التي وقعت في كربلاء.

Reprinting material from this Web site without written consent from Project Syndicate is a violation of international copyright law. To secure permission, please contact us.

Exit from comment view mode. Click to hide this space

Comments (0)

You need to login in order to leave a comment. If you do not yet have an account, please register.

Show comments of
close

The two commenting options explained

Watch a 1 minute video
to discover how you can comment on the entire article or a specific paragraph. The two images below also explain the two ways of commenting.

1) Entire article comment
Once logged in, simply click inside the comment box where it says "Enter text here." Enter and post your comment.

2) Paragraph comment
Please log in first. Then click to the left of the desired paragraph. Your cursor will automatically move to the comments box. Enter and post your comment.

Top Project Syndicate commentaries

Email this article

Your name is required.

Your email is required.


Your friend's name is required.

Your friend's email is required.


A message is required.