Saturday, November 22, 2014
0

تمويل المشاريع المتناهية الصِغَر كعامل محفز

كمبريدج ـ يبدو أن ما يطلق عليه وصف "الاستثمار المسؤول اجتماعيا" ـ والذي تقوم عليه جهات تقدم رأس المال للشركات التي تساهم في حل التحديات الاجتماعية في حين تعمل على توليد الأرباح ـ أصبح بمثابة أحدث صيحة في عالم التنمية الاقتصادية. فقد جمع مكتب الرئيس الأميركي باراك أوباما للإبداع الاجتماعي والمشاركة المدنية مؤخراً بين أكثر من مائة من الممارسين من أجل مناقشة الكيفية التي يمكن بها إطلاق مشاريع الاستثمار المسؤول اجتماعياً في الولايات المتحدة ودول العالم النامي. كما أطلقت مؤسسة الأمم المتحدة ووزارة الخارجية الأميركية مشروع شراكة بين القطاعين العام والخاص بقيمة 50 مليون دولار تهدف إلى الترويج لمواقد الطهي النظيفة في البلدان الفقيرة. وفي المملكة المتحدة، وهولندا، وفرنسا، تسعى وكالات التنمية إلى تصحيح أوضاع تمويل بعض شركاتها العاملة في مجال خدمة الفقراء.

وفقاً لتقديرات البنك الدولي، فإن ما يقرب من 1.4 مليار إنسان يعيشون في فقر مدقع (بدخل يقل عن دولار وربع الدولار يومياً للفرد)، ونحو 2.6 مليار إنسان يعيشون في فقر معتدل (أقل من دولارين يوميا). ويعيش أكثر من مليار من المنتمين إلى فئة الفقر المعتدل ـ وهو رقم يتجاوز مجموع سكان قارة أفريقيا ـ في جنوب آسيا. ولكن هل يستطيع الاستثمار المسؤول اجتماعياً أن يقدم من المساهمات في سبيل الحد من الفقر العالمي ما يزيد على الجهود العديدة السابقة، التي كافحت لمجرد إحداث أدنى قدر من التأثير؟

إن المجموعات السكانية الفقيرة تحتاج بشدة إلى الإضاءة، والوقود اللازم لطهي الطعام، والرعاية الصحية الميسرة، والمياه النظيفة، والتعليم الابتدائي، والخدمات المالية. والواقع أن البرامج الحكومية التي تهدف إلى توفير هذه الاحتياجات مبتلاة بالفساد (تؤكد بعض التقديرات أن 50% إلى 70% من مجموع الإنفاق على الرعاية الاجتماعية في الهند يُسرَق) وعاجزة عن توفير خدمات جيدة النوعية. كما كانت الشركات الكبرى عاجزة عن تلبية احتياجات هذه التجمعات السكانية لأن هذا يعني إلزامها بإعادة صياغة نماذجها التجارية القائمة بحيث تصلح للتعامل مع منتجات وأساليب توزيع ونماذج تسعير جديدة.

يأتي هذا النمط الهدّام من الإبداع عادة من رجال الأعمال. ولكن رجال الأعمال يواجهون حواجز وعقبات بالغة الصعوبة، مثل عدم كفاية الخدمات اللوجستية، والافتقار إلى التمويل الاستهلاكي، والعمال غير المدربين، وانعدام ثقة المستهلكين في التكنولوجيات الجديدة، وقنوات التسويق المرتفعة التكلفة، وردود الأفعال العكسية من جانب التجار والمرابين الحاليين، وتخلف الضوابط التنظيمية.

والتغلب على هذه التحديات التجارية يتم في إطار عملية مكلفة وبطيئة، كما تحتاج المشاريع الجديدة إلى سنوات عديدة قبل أن تصبح قادرة على در الأرباح. ونتيجة لهذا فإن الجهات التجارية التي تقدم القروض أو ملكية الأسهم غير قادرة على الحصول على عائدات عالية ثم الخروج السريع.

وعندما تفشل الحكومات والأسواق، فهنا يصبح بوسع العاملين في مجال الاستثمار المسؤول اجتماعياً تحفيز التغيير. ويبين لنا التمويل المتناهي الصِغَر ـ قدومه وصعوده والأزمات الأخيرة التي واجهته ـ كيفية القيام بهذه المهمة.

بدأت صناعة التمويل المتناهي الصِغَر في ثمانينيات القرن العشرين في بنجلاديش بمبادرة من بنك جرامين غير الساعي إلى تحقيق الربح وبنك براك. وسرعان ما ساعدت المؤسسات المانحة في إطلاق مؤسسات أخرى للتمويل المتناهي الصِغَر في المكسيك والهند وبيرو وإندونيسيا والعديد من البلدان الأفريقية، حيث كان بوسعها أن تقدم قروضاً بأسعار فائدة تتراوح بين 25% إلى 30% ـ وهي نسبة أدنى كثيراً من أسعار الفائدة التي يتقاضها المرابون التقليديون (من 60% إلى 100%) ـ وفي الوقت نفسه ضمان هوامش ربح قوية. واليوم تخدم صناعة تمويل المشاريع المتناهية الصِغَر نحو 150 إلى 200 مليون مقترض في مختلف أنحاء العالم، ولقد سجلت نمواً سريعاً عن طريق ضمان الحصول على عدة مليارات من الدولارات في مجال تمويل الأسهم.

ويُعَد بنك كومبارتاموس في المكسيك ومؤسسة إس كيه إس للتمويل المتناهي الصِغَر في الهند من بين الأمثلة التوضيحية الجيدة للدور المحفز الذي يستطيع القائمون على الاستثمار المسؤول اجتماعياً القيام به. فقد بدأت كل من المؤسستين كمنظمة غير حكومية (على غرار نموذج بنك جرامين)، ثم تلقت الملايين من أموال المنح من مؤسسات التنمية حتى يتسنى لها أن تبدأ في عمليات الإقراض. كما كان بوسعهما أيضاً الحصول على الإقراض الرخيص التكاليف من البنوك الحكومية والمؤسسات المتعددة الأطراف مثل مؤسسة التمويل الدولي (ذراع الإقراض التجاري لدى البنك الدولي) والوكالة الأميركية للتنمية الدولية.

ثم في غضون بضعة أعوام، وفي ظل النمو السريع الذي سجلته دفاتر القروض لدى المؤسستين، بدأت كل من المؤسستين في إنشاء شركات هادفة إلى تحقيق الأرباح والتي كانت مملوكة للمنظمات غير الحكومية المتلقية. وبعد ذلك بدأت كل منهما في جمع رؤوس الأموال من مستثمرين يسعون إلى إحداث تأثير اجتماعي ـ كومبارتاموس من آكسيون وآي إف سي، ومؤسسة إس كيه إس من يونايتيس، ورجل الأعمال الرأسمالي فينود خوسلا من وادي السليكون، وإحدى وكالات التنمية التابعة للحكومة الهندية.

ثم طُرِحَت أسهم كومبارتاموس للاكتتاب العام في عام 2007، حيث قُدِّرَت قيمة الشركة بنحو 2.2 مليار دولار أميركي. وجمعت مؤسسة إس كيه إس المزيد من أسهم رأس المال من مستثمرين مثل سيكويا وأوديسة لرؤوس الأموال، قبل أن تُطرَح للاكتتاب العام في سوق الأوراق المالية في الهند عام 2010، فجمعت نحو 358 مليون دولار بتقييم يتجاوز 1.6 مليار دولار. وفي النهاية أدى دعم الاستثمار المسؤول اجتماعياً إلى جلب التدفقات من رؤوس الأموال التجارية ـ سواء التمويل الرأسمالي أو الاكتتاب العام للمستثمرين ـ إلى كومبارتاموس، وإس كيه إس، والعديد من مؤسسات التمويل المتناهي الصِغَر الأخرى.

ولكن على الرغم من هذه النجاحات فإن التمويل المتناهي الصِغَر كان يناضل في الآونة الأخيرة في الهند. ذلك أن تواريخ الائتمان لا يمكن تقاسمها لأن مكتب الائتمان بدأ عمله للتو. فضلاً عن ذلك فإن قواعد حماية المستهلك والهياكل التنظيمية على نطاق الدولة بالكامل لا تزال قاصرة.

ومن غير المستغرب أن يسعى البعض إلى استغلال الفقراء كنتيجة لهذا، وهو الأمر الذي فرض ضغوطاً كبيرة على السلطات "للقيام بأي شيء". ولكن من المؤسف أن هذا يؤدي غالباً إلى أضرار غير مقصودة. على سبيل المثال، أقرت حكومة ولاية أندرا براديش مرسوماً مقيداً يجعل من الصعب على مؤسسات التمويل المتناهي الصِغَر استرداد القروض من عملائها. ونتيجة لهذا، اضطرت العديد من المؤسسات إلى شطب جزء كبير من حوافظ قروضها وتكبد خسائر جسيمة، الأمر الذي تسبب في إرسال موجات صدمة عبر الصناعة ومجتمع المستثمرين بالكامل ـ كما تسبب في معاناة الفقراء.

والدرس المستفاد من كل هذا هو أن الأسواق تعجز عن العمل ببساطة في غياب المرافق العامة المصاحبة والإشراف الحكومي العالي المستوى. ورغم أن المستثمرين المسؤولين اجتماعياً قادرون على إرساء الأساس للمستثمرين التجاريين، فمن الواجب عليهم أيضاً أن يعملوا في انسجام تام مع السلطات الحكومية من أجل ضمان عمل أنظمة السوق على النحو اللائق. ولن يتسنى للفقراء أن يشاركوا في الاقتصاد العالمي قبل أن تصبح هذه الأنظمة راسخة في المكان.

  • Contact us to secure rights

     

  • Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

    Please login or register to post a comment

    Featured