في الآونة الأخيرة برزت مسألة الدفاع الصاروخي باعتبارها قضية حاسمة في أوروبا. فبدلاً من تعزيز الأمن الأوروبي، نجد أن خطة إدارة بوش لنشر أنظمة دفاع صاروخية في بولندا وجمهورية التشيك تهدد برفع حدة التوتر مع روسيا وتعميق الخلافات مع حلفاء أميركا في أوروبا، وبصورة خاصة في شرق أوروبا، حيث تجد السياسات التي تنتهجها الولايات المتحدة أعظم قدر من الدعم.
إن المعارضة المتنامية لنشر أنظمة الدفاع الصاروخية التابعة للولايات المتحدة ترجع في الأصل إلى الطريقة التي تبنتها أميركا في إدارة ـ أو بالأحرى سوء إدارة ـ عرضها لخطط نشر أنظمة الدفاع الصاروخية.
أولاً، لم يهتم مسئولو الولايات المتحدة بتمهيد الطريق على الصعيدين السياسي والنفسي قبل عرض مسألة نشر هذه الأنظمة. ويبدو أنهم افترضوا أن القادة في جمهورية التشيك وبولندا ـ الذين يؤيدون أميركا بقوة ـ سوف يرحبون بنشر هذه الأنظمة، وأن الرأي العام في كل من البلدين سوف يجاري القرار الذي ستتخذه الحكومتين أياً كان.
إلا أن أميركا فشلت في إرساء قاعدة شعبية متماسكة لخطتها الرامية إلى نشر الأنظمة المصممة لتدمير الصواريخ التي قد يطلقها أي نظام مارق. وعلى هذا فقد عجزت الحكومتان التشيكية والبولندية عن الإجابة على أسئلة جوهرية بشأن التكاليف المترتبة على نشر الأنظمة والفوائد التي قد تعود من ذلك على الأمن القومي التشيكي والبولندي. ولقد سمح هذا للمشككين في أنظمة الدفاع الصاروخية والمعارضين لها باكتساب اليد العليا في الحوار الداخلي الدائر في كل من البلدين.
ثانياً، كان مسئولو الولايات المتحدة في مستهل الأمر يميلون إلى النظر إلى مسألة أنظمة الدفاع الصاروخية بصورة عامة باعتبارها قضية تقنية فنية منفصلة عن محتواها السياسي. إلا أن حقيقة الأمر على العكس من ذلك، فالقضايا الفنية العسكرية بالنسبة لأغلب الأوروبيين تشكل أهمية ثانوية مقارنة بالعواقب السياسية الأكثر اتساعاً والتي قد تترتب على نشر مثل هذه الأنظمة فيما يتصل بالاستقرار والأمن في أوروبا. ولقد تجاهلت المشاورات الأميركية الأولية مع الحلفاء الأوروبيين هذه الحقيقة.
ثالثاً، استخفت أميركا بالدور الذي يلعبه الرأي العام في بولندا وجمهورية التشيك. فقد افترض المسئولون في الولايات المتحدة أن حصولهم على موافقة الحكومتين يكفي، وفاتهم أن يدركوا الصبغة الأوروبية التي اكتسبتها هذه البلدان على نحو متزايد طيلة العقد الماضي. فلقد كانت عضوية الاتحاد الأوروبي سبباً في تعزيز الروابط بين هذه البلدان وأوروبا على العديد من المستويات، علاوة على تدفق الأموال عليها من الاتحاد الأوروبي. فكان لكل ذلك أعظم الأثر على المواقف الشعبية في بلدان شرق أوروبا.
ففي بولندا سنجد فجوة ضخمة بين موقف الحكومة وموقف عامة الناس فيما يتصل بالاتحاد الأوروبي. ذلك أن الحكومة البولندية خاضعة لهيمنة عدد من المتشككين في أوروبا، والذين دفعوها إلى تبني سياسة شديدة الميل إلى القومية، الأمر الذي كثيراً ما يستفز المسئولين في الاتحاد الأوروبي ويقض مضجعهم. أما عامة البولنديين في المقابل فهم يؤيدن أوروبا بشدة. وطبقاً لاستطلاعات الرأي الأخيرة فإن 80% من أهل بولندا يؤيدون عضويتها في الاتحاد الأوروبي ـ وهي أعلى نسبة في أوروبا.
رابعاً، افترض المسئولون في أميركا أن بلدان شرق أوروبا سوف تظل ثابتة على تأييد أميركا ودعم سياسات الولايات المتحدة على نحو تلقائي. وربما كان ذلك صادقاً منذ خمسة أعوام، إلا أنه أقل صدقاً اليوم إلى حد كبير. فمع تزايد درجة تكامل هذه البلدان مع الاتحاد الأوروبي، بات لزاماً عليها أن تضع في حسبانها تأثير السياسات التي تنتهجها على أوروبا.
وفي ذات الوقت كانت الحرب في العراق والانتهاكات المرتبطة بها سبباً في فقدان صورة أميركا لبريقها في شرق أوروبا. ويصدق هذا حتى في بولندا، وهي من أشد بلدان المنطقة تأييداً لأميركا. فمن المعروف أن الحكومة البولندية أيدت الولايات المتحدة بقوة في العراق، فأرسلت إليها ثالث أضخم قوة عسكرية بعد الولايات المتحدة وبريطانيا العظمى. إلا أن الرأي العام البولندي، مثله كمثل الرأي العام في غرب أوروبا، كان معارضاً بصورة ساحقة لغزو العراق.
فضلاً عن ذلك فإن العديد من البولنديين لا يرون من الأسباب ما يدفعهم إلى تأييد حكومتهم في هذا السياق. وكما ذكر وزير الدفاع البولندي السابق راديك سيكورسكي مؤخراً، فإن العديد من البولنديين يشعرون أن الولايات المتحدة تستخف ببولندا وتعتبرها قضية مُـسَلَّم بها. كان لهذا الرأي من جانب سيكورسكي وقع الصدمة على العديد من المسئولين في الولايات المتحدة، وذلك لأنه يعتبر واحداً من أشد السياسيين تأييداً للولايات المتحدة في بولندا. إلا أن هذا الرأي يعكس شعوراً واسع الانتشار بين العديد من البولنديين، بما فيهم المؤيدين المخلصين لإقامة علاقات وثيقة مع الولايات المتحدة.
ويكاد يكون في حكم المؤكد أن خطة نشر الأنظمة الدفاعية الصاروخية سوف تحتاج إلى الموافقة من قِـبَل البرلمان البولندي، على العكس مما حدث بالنسبة لعملية العراق. ومما لا شك فيه أن هذه الموافقة لن تكون من الأمور الـمُـسَلَّم بها. ولسوف يكون لزاماً على الحكومة البولندية أن تفسر للشعب البولندي المتشكك والبرلمان كيف قد يكون في نشر مثل هذه الأنظمة الدفاعية تحقيقاً لمصلحة بولندا الوطنية ـ وليس فقط مصلحة أميركا ـ وكيف قد تعمل هذه الأنظمة على تعزيز أمن بولندا. أو بعبارة أكثر بساطة: "لن تكفي رغبة أميركا في إنشاء هذه الأنظمة كمبرر للموافقة عليها".
ما زال بوسع الولايات المتحدة أن تفوز في المناقشة الدائرة بشأن الصواريخ الدفاعية في أوروبا، إلا أن هذا لن يتسنى لها ألا إذا توقفت عن التعامل مع هذه المسألة باعتبارها قضية تقنية فنية، وسعت إلى مخاطبة المشاغل السياسية الأكثر اتساعاً والتي توجه الحوار بين عامة الشعوب الأوروبية، بما فيها شعوب أوروبا الشرقية.


Comments (0)
You need to login in order to leave a comment. If you do not yet have an account, please register.
The two commenting options explained
Watch a 1 minute video
to discover how you can comment on the entire article or a specific paragraph. The two images below also explain the two ways of commenting.
1) Entire article comment
Once logged in, simply click inside the comment box where it says "Enter text here." Enter and post your comment.
2) Paragraph comment
Please log in first. Then click to the left of the desired paragraph. Your cursor will automatically move to the comments box. Enter and post your comment.