Friday, April 18, 2014
Exit from comment view mode. Click to hide this space
0

جورجيا تحدث انقساماً في الكرملين

موسكو ـ ورث ديمتري ميدفيديف منصب رئيس روسيا الاتحادية من فلاديمير بوتن ، وبينما نزل بوتن درجة عن قمة الهرم القيادي ليصبح رئيساً للوزراء، فقد كانت التوقعات منذ تولى ميدفيديف منصب الرئاسة تتجه نحو حدوث انقسام بين أعلى زعيمين لروسيا. ولكن يبدو أن الأيام الأولى للصراع في جورجيا أثبتت خطأ هذه الفرضية.

الحقيقة أن بوتن و ميدفيديف عملا في تساوق واتفاق تام فيما يتصل بمسألة جورجيا، فتعاونا ببراعة في أداء دوريهما المختلفين، حيث لعب بوتن الدور الرئيسي كملاك الانتقام الروسي المخيف، بينما لعب ميدفيديف الدور المساند كصانع سلام إنساني.

بيد أن أزمة جورجيا كشفت عن قوة إستراتيجية جديدة في الكرملين تعترض طريق كل من بوتن و ميدفيديف . حتى الآن لا نستطيع أن نتعرف على أسماء اللاعبين الذين يمثلون هذه القوة، إلا أننا على علم بمصالح هذه القوة وتأثيرها على الأحداث على نفس النحو الذي يستطيع به علماء الفلك أن يرصدوا كوكباً جديداً غير مرئي من خلال تسجيل تأثيره على أجسام معروفة ومرئية في الفضاء.

من بين المؤشرات التي تؤكد أن شيئاً جديداً غير منظور يؤثر على السياسة الروسية ما زودنا به خبراء الكرملين المخلصون المعروفون بموهبتهم في تخمين أمزجة سادتهم المتقلبة. فقد ظهروا الواحد منهم تلو الآخر على شاشات التلفاز وتحدثوا عبر المحطات الإذاعية لإدانة هؤلاء "المحرضين"، الذين لم يذكروا أسماءهم، والذين "خططوا للغزوة التي شنتها القوات الروسية على طول الطريق إلى تبليسي وخططوا لتأسيس حكومتهم المناصرة لروسيا هناك".

ثمة مؤشر غير مباشر آخر يدلل على نشوب صراع خفي، وهو يتلخص في السلوك المحير للقوات العسكرية الروسية في جورجيا، والذي يرجع كما يبدو إلى تضارب في الأوامر الموجهة إلى القوات من الكرملين. فرغم أن الجيش الروسي لم ينهمك كما يبدو في أية تحركات نشطة منذ وصل إلى مواقعه الحالية، إلا أنه في الحقيقة يظل على بعد نصف ساعة من تبليسي.

إن الخط الفاصل الذي رسمه الرئيس جورج دبليو بوش في عشية الحادي عشر من أغسطس/آب، حين حذر روسيا من شن أي غارات جوية على مطار تبليسي ثم أرسل وزيرة الخارجية كونداليزا رايس في زيارة إلى تبليسي، كان سبباً في إحداث انقسام في الكرملين. وهذا الانقسام يفصل بين هؤلاء المهتمين بمصير الممتلكات الشخصية الضخمة لأهل النخبة الروسية الحاكمة في الغرب وبين أولئك الذين لا يبالون بهذه الممتلكات.

أستطيع أن أسمي هذين المعسكرين على التوالي، معسكر الحكام الفاسدين العالميين ومعسكر الحكام الفاسدين الوطنيين. وكل من الفريقين يتفق بشدة مع الآخر على أن "الغرب الضعيف الجبان" لا يملك أن يفعل شيئاً لكبح وتقييد روسيا، القوة النووية البترولية العظمى، باستثناء الانتقام مالياً من أولئك الحكام الروس الذين يمتلكون أصولاً ضخمة في الخارج.

ولكن يبدو أن الفاسدين الوطنيين يعتقدون أنهم قادرون على الاستمرار في حياتهم من دون امتلاك أصول في الخارج، أو تعليم أبنائهم وامتلاك مقارٍ سكنية في الغرب. فهم قانعون بامتلاك أصول في المناطق السكنية الراقية حول موسكو وفي روسيا، مثل مناطق روبليوفكا، وفالداي، وكراسنايا بوليانا.

والآن يعكس كل من بوتن و ميدفيديف (ومعهم خبراء الدعاية التلفزيونية) وجهات نظر وأهداف معسكر الفاسدين العالميين. إذ أن أياً منهما لا يريد احتلال تبليسي، ولا شك أن بوتن يسره كثيراً أن يرى عدوه اللدود الرئيس الجورجي ميخائيل ساكاشفيلي في قفص من حديد، ولكن يبدو أن دوافع أخرى أشد أهمية وأكثر واقعية تحركه.

لا شك أيضاً أن بوتن يحرص على إبقاء خياراته مفتوحة في الانضمام إلى حكومة الأثرياء الوطنيين، إذا ما حدث وتمكنوا من تعزيز موقفهم. وإذا ما عَـبَر إلى جانبهم فربما يستطيع حتى أن يصبح زعيماً لهم فيعود منتصراً إلى العرش الذي نزل عنه منذ مدة بسيطة.

رغم أن لا أحد يعرف بعد أسماء الحكام الأثرياء الوطنيين، فإنني أعتقد أنهم لاعبون مؤثرون جدد في الكرملين أو على ارتباط قوي بالكرملين، وأنهم أصبحوا الآن يمتلكون من الجرأة ما يكفي لتحدي كل من بوتن و ميدفيديف . أما قادة المؤسسة العسكرية الروسية، الذين يجدون صعوبة نفسية كبيرة في الانصياع لأوامر رجال السياسة بإنهاء عملية عسكرية ناجحة وواسعة النطاق على هذا النحو الفجائي، فمن الطبيعي أن يتحالفوا معهم.

ليس بوسعي أن أتنبأ بمن سيخرج من هذه المواجهة المتصاعدة منتصراً. ولكن حتى لو استمر معسكر الحكام الفاسدين العالميين في تعزيز موقفه "المعتدل" بشأن جورجيا، فإن ثمن انتصاره قد يكون باهظاً. فمع كل يوم يمر، بل وكل ساعة تمر، ومن خلال دعايتهم القوية يمهد هؤلاء الحكام الفاسدون العالميون الطريق إلى السلطة أمام القوميين.

ففي إطار مساعيهم الرامية إلى تبرير حكمهم الاستبدادي وإخفاء سرقاتهم الهائلة لموارد البلاد عن أعين الشعب الروسي، نجح الحكام الفاسدون العالميون في إقناع أفراد الشعب الروسي بأنهم محاطون بأعداء لا يرحمون يحاولون تمزيق أوصال روسيا وتدميرها. والآن بات من العسير على نحو متزايد بالنسبة لهم أن يفسروا للناس سبب شراء زوجاتهم وأبنائهم لأصول وممتلكات في عواصم البلدان التي تعتبر من ألد أعداء روسيا.

وفي المقابل سنجد أن موقف الحكام الفاسدين الوطنيين أكثر ثباتاً ومتانة. إذ أنهم غير مقيدين بأصول ضخمة في الغرب الكريه، ولن يكون من الصعب بالنسبة لهم أن يقنعوا أفراد الشعب الروسي الذين تم تجهيزهم بالفعل من خلال الدعاية الحالية المناهضة للأجانب، بأن تبليسي، وسيفاستوبول، وأستانا، وتالين تنتمي إلى روسيا ولابد من استردادها بالقوة.

ذات يوم قال بوتن إن انهيار الاتحاد السوفييتي كان بمثابة الكارثة الجغرافية السياسية الأعظم التي شهدها القرن العشرين. وربما يسارع الحكام الفاسدون الوطنيون إلى المطالبة بإعادة بناء الاتحاد السوفييتي، والحقيقة أنهم الآن أصبحوا في موقف متزايد القوة إلى الحد الذي قد يسمح لهم بذلك ذات يوم.

Exit from comment view mode. Click to hide this space
Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured