Friday, October 31, 2014
0

بنوك أوروبا، وأزمة أوروبا

بروكسل ـ حتى وقتنا هذا، ما تزال أوروبا تعمل كمركز للفصل الثاني من الأزمة المالية العالمية، والتي تحولت الآن إلى أزمة ديون سيادية في منطقة اليورو. ولكن كيف يحدث هذا رغم أن كل المشاكل حُلَّت، على الورق على الأقل، أثناء اجتماع قمة الاتحاد الأوروبي غير العادية في مايو/أيار، والتي أسست مرفق دعم الاستقرار المالي الأوروبي وضمنت تمويلاً إجمالياً يقرب من التريليون دولار؟

وفي الوقت عينه، أصبحت وعود مايو/أيار أكثر رسوخا. فقد تم تأسيس "أداة ذات غرض خاص" في لوكسمبورج، وبوسع هذه الأداة بالفعل الاعتماد على مئات المليارات من اليورو التي تعهدت بها البلدان الأعضاء كضمانات.

وإذا تم استخدام الموارد الموعودة بالكامل (750 مليار يورو، بما في ذلك التمويل من صندوق النقد الدولي)، فسوف يكون بوسع الاتحاد الأوروبي أن يعيد بالكامل تمويل ديون كافة البلدان التي ألمت بها الأزمة (البرتغال، وأسبانيا، وأيرلندا) لبضع سنوات. كما أظهر البنك المركزي الأوروبي فضلاً عن ذلك استعداده لشراء السندات الحكومية (والخاصة) إذا رأى أن أداء السوق متعثر.

ولكن هذه الذخيرة المالية الرسمية لم تخلف تأثيراً يُذكَر على الأسواق. فالفوارق في أسعار سندات الحكومة الأسبانية مستمرة في الارتفاع، والآن أصبحت أعلى مما كانت عليه قبل الإعلان عن إنشاء مرفق دعم الاستقرار المالي الأوروبي. وهناك علامات تنذر بنشوء توترات في سوق الإنتربنك، مع تفضيل المزيد والمزيد من البنوك إيداع أموالها لدى البنك المركزي الأوروبي بدلاً من إقراضها لبنوك أخرى، وهو ما يعكس تدني الثقة في قدرة النظام على استعادة استقراره.

والتفسير بسيط: فالمشاكل التي أدت إلى اندلاع الأزمة (الحالة غير المستقرة لإدارة الأموال العامة في اليونان، فضلاً عن عدم استقرار قطاع العقارات في أسبانيا) لم تُحَل، رغم أن إدارتها لابد وأن تكون سهلة يسيرة في سياق عموم أوروبا. فاليونان تمثل نحو 2% من اقتصاد منطقة اليورو؛ وحتى إذا عجزت عن سداد ديونها العامة، وإذا لم تتجاوز قيمة التعافي 50%، فإن الخسائر سوف تبلغ نحو 150 مليار يورو، أو 1,5% فقط من الناتج المحلي الإجمالي لمنطقة اليورو.

ومن المرجح أن تكون المشاكل في أسبانيا أكبر حجماً بعض الشيء، رغم أن التقديرات الرسمية للخسائر في النظام المصرفي الأسباني لا تتجاوز 100 مليار يورو. ولكن المشكلة الحقيقية في أسبانيا قد تكمن في مكان آخر: تعرض البنوك الفرنسية والألمانية وغيرها من البنوك لقطاع العقارات في أسبانيا.

وسوف تقتضي الضرورة شطب العديد من القروض المقدمة لشركات الإنشاء الأسبانية. ولكن حتى في أسوأ الحالات، فإن مجموع خسائر البنوك الأسبانية وغيرها من البنوك في قطاع العقارات الأسباني لن يتجاوز 300 مليار يورو، أو حوالي 3% من الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد الأوروبي.

والسؤال الحقيقي الذي يطرح نفسه هنا إذن هو لماذا تتسبب مشاكل في بلدان واقعة على المحيط الأوروبي الخارجي، ويمكن إدارتها بسهولة، في إصابة النظام المصرفي في منطقة اليورو بالكامل بالشلل. فما كان المرء ليتوقع انهيار النظام المصرفي في الولايات المتحدة لمجرد تحول فقاعة إسكان في كاليفورنيا وولاية ميتشيجان (وهما يماثلان اليونان في الحجم) إلى أزمة عجز عن سداد الديون.

والسبب الرئيسي وراء استمرار توتر وعصبية الأسواق المالية في أوروبا هو أنه رسمياً لا توجد مشكلة. فرسمياً، لا تواجه اليونان مشكلة في القدرة على سداد ديونها، وإعادة هيكلة بنية دينها العام ليست بالخيار الوارد. وعلى نحو مماثل، يؤكد الخط الرسمي في أسبانيا أن رؤوس أموال القطاع المصرفي المحلي جيدة التمويل.

إن القاعدة الأولى في التعامل مع الاضطرابات في الأسواق المالية تتلخص في الإقرار بالواقع والحجم الحقيقي للمشاكل. ولقد أظهرت تجربة اليونان أن التظاهر بعدم وجود المشاكل قد يسفر عن حلقة مفرغة ذاتية الدعم من ارتفاع علاوة المجازفة وانحدار الثقة.

وهذا يعني أن نشر نتائج "اختبارات الإجهاد" التي أجريت على أضخم مائة بنك في الاتحاد الأوروبي، والذي من المفترض أن يتم بحلول نهاية شهر يوليو/تموز، سوف يشكل خطوة واضحة إلى الأمام.

ولكن هناك سبب ثان أكثر مدعاة للقلق وراء استمرار حالة عدم الاستقرار في الأسواق المالية: ألا وهو أن أقساماً ضخمة من النظام المصرفي الأوروبي تظل منقوصة التمويل إلى حد هائل. وطبقاً لإحصائيات البنك المركزي الأوروبي، فإن بنوك منطقة اليورو لديها ما يقرب من عشرين يورو من الديون (بما في ذلك ديون الإنتربنك) في مقابل كل يورو من رأس المال والاحتياطيات. وهذا يعني ضمناً أنه في مقابل الخسارة الرأسمالية لكل يورو قابع في بنك ما، سوف يكون هناك نحو 20 يورو من الديون المشكوك في تحصيلها.

ولكن حتى في ظل أ��وأ السيناريوهات بالنسبة لليونان وأسبانيا فإن الخسائر لن تتجاوز 450 مليار يورو على الأكثر. وهذا يعني أن الأموال التي تم جمعها حتى الآن تحت إدارة مرفق دعم الاستقرار المالي الأوروبي (750 مليار يورو) سوف تكون كافية للتعامل مع كل هذا ـ شريطة أن يتم تحديد هذه الخسائر المحتملة بوضوح وتخصيص الأموال اللازمة للتعامل معها. بيد أن هذا ليس النهج المتبع الآن.

فبدلاً من ذلك، سوف يتم استخدام الأموال الأوروبية لإنقاذ الحكومات، والتي تحتاج إلى المال بدورها لإنقاذ بنوكها. ولكن نظراً لنسبة الدين إلى رأس المال والتي بلغت 20 إلى 1 في القطاع المصرفي، فإن هذا التوجه يعني ضمناً أن متطلبات التمويل سوف تصل إلى أرقام فلكية: فمقارنة بفاتورة تبلغ قيمتها نحو 450 مليار يورو إذا ظلت الخسائر المحتملة غير معلنة ومتفرقة، سوف يتطلب الأمر نحو 9 تريليون يورو من ضمانات الدين لضمان استقرار النظام المصرفي في منطقة اليورو.

وباختصار، إن إخضاع البنوك لاختبارات الإجهاد الصارمة (على أن تكون إعادة تمويل رأس المال إلزامية) سوف يتطلب تمويلاً عاماً أقل كثيراً مما قد يتطلبه الاستمرار في تمديد شبكة الضمانات الشاملة للجميع.

لن يتسنى لأوروبا أن تفلت من الأزمة التي ألمت بأسواقها المالية ما لم تعمل على إصلاح بنوكها. ولكن مما يدعو للأسف أن صناع القرار السياسي في أوروبا سمحوا لأنفسهم مرتين بالوقوع في فخ اللجوء إلى وجهات النظر المريحة سياسياً في تفسير الأزمة ـ أولاً أثناء أزمة 2007/2008، حين افترضوا أن العدوى المالية لحقت بهم من الولايات المتحدة، ثم الآن حين وجهوا أصابع الاتهام إلى السياسة المالية المتهورة في جنوب منطقة اليورو.

ولكن المشكلة الحقيقية هي أن النظام المصرفي في الاتحاد الأوروبي يعاني من ضعف التمويل الرأسمالي إلى الحد الذي يجعله عاجزاً عن تحمل أي قدر من الخسائر، هذا فضلاً عن ترابطه إلى الحد الذي يجعل المشاكل الناشئة في أي بلد تنتقل سريعاً إلى بلدان أخرى فتعرض النظام بالكامل للخطر. وإلى أن يتم التعامل بشكل حاسم مع المشاكل المتصلة بالقوائم المالية للبنوك فإن الأسواق المالية سوف تظل على حافة الهاوية.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured