Exit from comment view mode. Click to hide this space
Email | Print

الانتخابات لا تكفي

من المعروف أن قيام أي نظام حكم ليبرالي يعتمد في الأساس على وجود ديمقراطية سياسية، لكننا اليوم بدأنا ندرك أيضاً أن الديمقراطية السياسية وحدها لا تضمن قيام نظام ليبرالي حر. إن الانتخابات الحرة النزيهة قد تؤدي إلى تسليم السلطة إلى رئيس إيراني يريد أن "يمحو إسرائيل من على خريطة الشرق الأوسط"، أو إلى رئيس فنزويلي يؤدي تعصبه ضد طبقة رجال الأعمال إلى احتفالات صاخبة في الشوارع، ولكنه يدفع هؤلاء الذين يتوقف رخاء الناس على مبادراتهم الاقتصادية إلى الهجرة من البلاد. وقد يكون هناك نوع آخر من الانتخابات أقل إحداثاً للضرر ولكنه يثير المشاكل ـ كما حدث في بولندا مؤخراً ـ كانتخاب حكومة قلة تسعى بلا هوادة إلى تحقيق المصالح الشخصية لأفرادها، فتحنث بكل العهود التي قطعتها على نفسها قبل التصويت بأن تعمل لصالح الناس.

نستطيع أن نقول بعبارة أخرى إن الانتخابات ليست كافية إذا ما أردنا للديمقراطية أن تسود العالم. فالانتخابات قد تؤدي إلى تسليم السلطة إلى أنظمة ديمقراطية غير ليبرالية، بل وما هو أسوأ. لذا، فلابد وأن تكون الانتخابات جزءاً من إطار عمل مؤسسي أكثر تعقيداً، وهو ما أستطيع أن أسميه بالنظام الليبرالي.

إن المظهر الأول من مظاهر النظام الليبرالي يتلخص في عدم تسامح الأنظمة الديمقراطية مع أولئك الذين يأخذون على عاتقهم مهمة تخريب الديمقراطية. فبعض البلدان، مثل ألمانيا، لديها من القوانين ما يجعل من الممكن حظر قيام الأحزاب السياسية التي يتبين من خلال برامجها السياسية أنها مناهضة للديمقراطية. في الماضي كانت القوانين تستخدم لكبح الأحزاب سواء من اليسار المتطرف أو اليمين المتطرف. ولقد ساهم هذا على نحو واضح في منع أي إشارة تدل على عودة محتملة إلى أساليب الحكم الشمولي التي سادت خلال القرن العشرين.

ولكننا لا نستطيع أن نجزم دوماً بما سيحدث من قِـبَل الأفراد والأحزاب التي ترشح نفسها للانتخابات إذا ما فازت. وهنا ندرك مدى أهمية القواعد التي تفرض تحديد مدة ولاية أصحاب المناصب، مثل التعديل الثاني والعشرين لدستور الولايات المتحدة. والحقيقة أن العديد من الدساتير تحتوي على مثل هذه القاعدة، حتى أن فلاديمير بوتن الرئيس الروسي قرر أنه سيتقيد بهذه القاعدة.

نتمنى أن يحدث هذا حقاً. ولكن في أماكن أخرى، وبصورة خاصة في العديد من دول ما بعد الاتحاد السوفييتي ودول أميركا اللاتينية، عمد كثير من أصحاب السلطة ببساطة إلى تغيير الدستور ـ بما في ذلك القواعد الخاصة بتحديد فترة الولاية ـ لمصلحتهم الخاصة. وهنا تتجلى أهمية العماد الثاني الذي يقوم عليه النظام الليبرالي: ألا وهو حكم القانون.

في أغلب الأحوال لا نستطيع أن نقول إن الديمقراطية وحكم القانون لا يمثلان نفس الشيء. ولكن في الواقع، هناك أنظمة ديمقراطية بلا قانون، وهناك "دول قانون" بلا ديمقراطية. إن قوام الحرية يتألف من العنصرين معاً. والحقيقة أن أكثر العنصرين صعوبة من حيث تأسيسه والحفاظ عليه، هو حكم القانون. وذلك لأن حكم القانون لا يتطلب وجود دستور فحسب، بل إنه يحتاج في المقام الأول من الأهمية إلى وجود نظام قضائي مستقل يتسم بالحساسية تجاه الانتهاكات التي تتعرض لها القواعد الدستورية والقواعد الأخرى التي تستند إليها الشرعية.

إن اختيار الجمعية الدستورية في العراق من خلال الانتخاب كان أمراً في غاية الأهمية. ولقد أدى هذا إلى صدور وثيقة من شأنها أن توفر الأساس اللازم لحكم القانون ـ على الرغم من وجود قدر معين من الضغوط الخارجية التي تصب في مصلحة السُـنّـة.

ولكن يتبقى أمامنا مهمة البحث عن القضاة المستقلين وتعيينهم وقبولهم. ولسوف تتسم هذه المهمة بصعوبة خاصة في بيئة حيث لا تبتعد الشريعة كثيراً عن المشهد ـ والشريعة تمثل القانون الإسلامي الذي يقوم عليه الوعاظ أو الشيوخ وليس القضاة المدنيين. إن حكم القانون المدني يشكل المتطلب الأساسي الأكثر حساسية من أجل إقامة نظام ليبرالي.

وحتى في وجود هذا المتطلب، فقد تعلمنا من التاريخ أن الأمر لا يتطلب أكثر من استنان قانون استثنائي واحد من أجل تفكيك حكم القانون وإقامة نظام استبداد إيديولوجي في محله، كما حدث حين تولى هتلر السلطة في ألمانيا.

وهنا يأتي دور العنصر الثالث اللازم لإقامة نظام ليبرالي: ألا وهو المجتمع المدني. إن تعددية الأنشطة والجمعيات المدنية والأهلية ـ التي تنظمها الدولة ولكن لا تتحكم فيها، والتي تتمتع بالحرية في التعبير عن آرائها، وتتسم بالقدرة على إظهار مشاعرها (المخالفة) على الملأ ـ تشكل العماد الأكثر قوة والذي يقوم عليه النظام الليبرالي. ذلك أن المجتمع المدني النشط من شأنه أن يتحرك حين يُـنْـتَهَك القانون، كما أنه يستطيع أيضاً أن يضع الضوابط التي تكبح النزعات غير الليبرالية بين الأغلبية الديمقراطية.

إن فيض المعلومات الذي أصبح اليوم متاحاً على نحو شبه عالمي يجعل من نشوء المنظمات الأهلية التطوعية غير الحكومية والتي يتألف منها المجتمع المدني، أكثر يسراً من أي وقت مضى. ومع هذا فلا يوجد ضمان مطلق ضد إساءة استغلال السلطة، وبصورة خاصة إذا ما كانت تلك السلطة مكتسبة على نحو ديمقراطي. وعلى ذلك، يتعين على المجتمع الدولي أن يدرك أن دعم أو تنظيم أو مراقبة الانتخابات ليس كافياً في الدول غير الديمقراطية التي ما زالت قائمة حتى الآن.

إن البرنامج الخاص بنشر النظام الليبرالي يتطلب توجهاً أكثر حنكة وأشد تعقيداً. بل إنه يتطلب في المقام الأول وجود هيئات وتجمعات دولية منتبهة على الدوام إلى المخاطر التي تفرضها الأنظمة الديمقراطية غير الليبرالية.

Reprinting material from this Web site without written consent from Project Syndicate is a violation of international copyright law. To secure permission, please contact us.

Exit from comment view mode. Click to hide this space

Comments (0)

You need to login in order to leave a comment. If you do not yet have an account, please register.

Show comments of
close

The two commenting options explained

Watch a 1 minute video
to discover how you can comment on the entire article or a specific paragraph. The two images below also explain the two ways of commenting.

1) Entire article comment
Once logged in, simply click inside the comment box where it says "Enter text here." Enter and post your comment.

2) Paragraph comment
Please log in first. Then click to the left of the desired paragraph. Your cursor will automatically move to the comments box. Enter and post your comment.

Top Project Syndicate commentaries

Email this article

Your name is required.

Your email is required.


Your friend's name is required.

Your friend's email is required.


A message is required.