Wednesday, April 16, 2014
Exit from comment view mode. Click to hide this space
0

حزب شيوعي بلا شيوعية

برينستون ـ كان المرسوم المقدس الذي أصدره رئيس روسيا فلاديمير بوتن باختيار أليكساندر ميدفيديف خليفة له في انتخابات مارس/آذار القادم الرئاسية، التي يفترض فيها أن تكون ديمقراطية، بمثابة البرهان على أن قادة روسيا لم يتغيروا مثقال ذرة. ويبدو الأمر على نحو متزايد وكأننا سوف نرى نفس الأسماء في الأخبار لعقود أخرى من الزمان، كما كانت الحال أثناء حكم ليونيد بريجينيف .

وطبقاً لجليب بافلوفسكي ، الـمُـنَظِّـر الإيديولوجي الرائد لدى نظام بوتن ، فإن النظام الروسي الحالي مثالي في كافة جوانبه باستثناء جانب واحد: وهو أنه ـ أي النظام ـ لا يعرف أعداءه. والحقيقة أن الأمر يبدو وكأن كل مسئول في الكرملين يقرأ كارل شميت ، المنظر القانوني النازي الذي قال إن تحديد العدو يشكل المهمة المركزية للسياسة.

وانطلاقاً من فكر شميت اختار رجال بوتن حزباً ليبرالياً، اتحاد القوى اليمينية، باعتباره عدوهم الأول. فبادروا إلى فض اجتماعات ذلك الحزب بالاستعانة بقوات شرطة مسلحة؛ وسمحوا باعتقال قادته وضربهم؛ وأطلق بوتن على أنصار الحزب لقب "الذئاب".

المدهش في الأمر أن هذا السلوك العدواني لم يكن رداً على أي خطر أو تهديد واضحين. فقد ارتفعت أسعار النفط حتى بلغت عنان السماء، ومعها ارتفعت أسهم بوتن . هذا فضلاً عن سيطرة أتباعه على كل شيء ذي قيمة، بداية من غازبروم إلى اللجنة الانتخابية المركزية. ومنذ نجح الكرملين في تهدئة الشيشان بالعنف ثم بالمعونات، وبعد سجن أو هجرة الخصوم القادرين مالياً، ومع إنفاق "الاستثمارات العامة" الهائلة أثناء الأعوام الأخيرة، والتي كانت بمثابة الرشوة للشعب تحت إشراف ميدفيديف شخصياً، لم يعد هناك وجود لأي قوة معقولة قادرة على أن تشكل تحدياً جاداً لرجال بوتن . إلا أن نظامهم في ورطة رغم كل هذا، وهم يدركون ذلك تمام الإدراك.

لقد أصبح الاقتصاد الروسي أكثر اعتماداً على الغاز والنفط من أي وقت مضى. أما الإصلاح العسكري فقد تراجع إلى الخلف. ورغم الدخول المتزايدة، إلا أن أهل روسيا أصبحوا أقل تعليماً، وأسوأ صحة مما كانوا عليه حين تولى بوتن السلطة. فما زال أفراد الشعب الروسي يتوفون في سن مبكرة للغاية. وأصبحت مشاركة روسيا في شئون العالم ملطخة بالسم والفساد.

والآن تعمل احتكارات الدولة على هدم كل ما بناه القطاع الخاص. ومع توفر المزيد من الأموال بات بوسع البيروقراطيين من ذوي التعليم الرديء أن يوظفوا المزيد من البيروقراطيين من ذوي التعليم الرديء؛ ونتيجة لهذا فقد أخفق النظام في حكم البلاد، التي أصبحت بلا زمام، كما يدرك حكامها ذلك، وهو ما أصابهم بحالة من الهلع.

كان بوتن يسعى في المقام الأول إلى إخضاع كافة القوى في البلاد لسيطرة أجهزة الأمن الروسية. لقد شهد أبناء جيله من ضباط هيئة الاستخبارات والأمن الداخلي ( KGB ) انهيار الحزب الشيوعي وكافة الأجهزة الحكومية التي كانت "توجه وتسيطر"، حتى على هيئة الاستخبارات والأمن الداخلي. وبوصول بوتن إلى السلطة نالت الأجهزة الأمنية ثأرها. فقد أصبح رجالها أقوياء، ومتغطرسين، وفاحشي الثراء. كما أصبحوا عُـصاة ومتمردين أيضاً.

في العام 2004 نشر الجنرال فيكتور تشيركيزوف ، الذي أصبح ممثلاً لبوتن في شمال غرب روسيا، مقالاً مـجَّـد فيه هيئة الاستخبارات والأمن الداخلي باعتبارها السلطة الوحيدة غير الفاسدة في بلد فاسد. ولقد أبرز هذا المقال قبل كل شيء الولاية الثانية للرئيس بوتن . وفي شهر أكتوبر/تشرين الأول 2007، نشر تشيركيزوف (الذي أصبح الآن رئيسا لواحد من أكثر الأجهزة الأمنية غموضاً وقوة، الإدارة الفيدرالية لمكافحة المخدرات) مقالاً آخر أعرب فيه عن حزنه وأسفه للانحطاط الذي بلغه زملاؤه، حيث قال في نبرة تذمر: "لقد تحول المحاربون إلى تجار".

في وقت سابق كان جنرالات أحد الأجهزة المنافسة، هيئة الأمن الفيدرالي ( FSB )، قد اعتقلوا نائب تشيركيزوف بتهمة "التنصت غير القانوني". وفي إشارة علنية يائسة، اعترف تشيركيزوف بفشل مشروع بوتن في إعادة الحياة إلى الحكم الروسي من خلال تكليف الأجهزة الأمنية بهذه المهمة.

حتى الآن ما زال نائب تشيركيزوف في السجن. ويعتقد أغلب الناس أن بوتن عاجز عن التدخل دفاعاً عنه. ففي ظل غياب سيطرة الحزب الشيوعي، خان ضباط الأمن مبادئهم الأخلاقية، فانخرطوا في مساومات شرسة، واستخدموا العنف كلما سارت الأمور على غير هواهم. وقد يكون من المفهوم أن يحدث هذا لأفراد الشعب الروسي العاديين؛ بيد أن تشيركيزوف كشف أن البطانة المحيطة بالرئيس بوتن أيضاً تعيش نفس الموقف.

ما العمل حين يحول محاربو هيئة الاستخبارات والأمن الداخلي القدامى سيوفهم وأجهزة تنصتهم نحو بعضهم البعض؟ إن قضية تشيركيزوف تجسد كابوس بوتن . ولكن إذا ما المرء خانته غرائزه فقد يذهب فريسة لكوابيس أشد هولاً.

الآن وقد ترك قوم بوتن أفكار ومبادئ الليبرالية الجديدة التي سار عليها أسلافهم، وبعد أن تحرروا من سحر عشيرة الاستخبارات والأمن الداخلي السابقين، أصبحت المهمة تتلخص في إعادة خلق حزب "كلي القدرة" يسيطر على الأجهزة الأمنية، والإدارة، والتجارة، وكثير غير ذلك. ولسوف يكون هذا الحزب خاضعاً للسلطة المركزية لزعامة شخصية، ولسوف يعمل على تقليص الدولة إلى كيان قانوني وهمي.

سوف يكون زعماء هذا الحزب على يقين من جدارتهم العالمية، التي لا تضاهيها حرفية ومهنية عشيرة الاستخبارات والأمن الداخلي. كان الرئيس بوريس يلتسين قدر أصدر قراراً شخصياً بتحريم تشكيل الخلايا الحزبية في المؤسسات التي تديرها الدولة. ولكن خبراء الحقوق والقانون من أتباع بوتن سوف يعملون على إلغاء هذا القرار؛ ولسوف يكون للحزب خلايا أو لجان في كل مصنع، وكل مؤسسة، وكل وحدة عسكرية، وكل قسم في كل جامعة، إلى آخره. ومع توحد أعضاء الحزب وتكاملهم بفضل الكاريزما الشعبية التي يتمتع بها زعيمهم، وبفضل انضباط الحزب، فلسوف يصبح بوسعهم توحيد هذه الدولة البائسة المخربة.

هذه هي خطة بوتن . ولسوف يتولى منصب الأمين العالم للحزب، كما فعل الزعيم السوفييتي السابق يوري أندروبوف ، رجل هيئة الاستخبارات والأمن الداخلي الوحيد الذي حكم روسيا قبله. وكما كانت الحال في العصر السوفييتي، فسوف يتحول مسئولو الدولة والحكومة إلى مجرد أتباع للحزب ـ الدور الذي سيلعبه الرئيس ميدفيديف تحت إشراف الأمين العام بوتن . وبالطبع نعرف جميعاً أن مدة تولي منصب الأمين العام لا تحدها قيود دستورية.

في النهاية، لم يأخذ بوتن سوى ما تركه له التاريخ: ليس الأفكار ولا المبادئ، بل مجرد زمرة من المتلهفين إلى إحكام قبضتهم على السلطة. كان لينين و تروتسكي في حاجة إلى الحزب لتحويل إيديولوجياتهما إلى واقع حقيق؛ أما بوتن و ميدفيديف فيبتكران إيديولوجية الهدف منها ترسيخ حزبهما.

وإنها لأيديولوجية غريبة. فباتهام المحاربين بالتحول إلى تجار، واتهام التجار بالتحول إلى لصوص يتنصل الحزب من أصوله الماركسية. ولسوف يعمل هذا الحزب على إخضاع كل من يقوم بعمل حقيقي ـ التجار، والمحاربون، والصحافيون، وغيرهم ـ لمنظريه الإيديولوجيين، الذين تتلخص وظيفتهم الوحيدة في البحث عن أعداء.

Exit from comment view mode. Click to hide this space
Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured