Friday, October 24, 2014
2

مشكلة توبين

كمبريدج ــ يفكر زعماء أوروبا جدياً الآن في فرض ضريبة توبين، والتي تقضي بفرض ضريبة صغيرة على المعاملات المالية، وبالتالي إضعاف التداول. ولكن هل تحقق هذه الضريبة الغرض الذي يرجوه أنصارها؟

إن الشعبية التي تتمتع بها هذه الضريبة (التي أسميت على اسم جيمس توبين رجل الاقتصاد الحائز على جائزة نوبل، والتي كان المقصود منها الحد من تقلب أسعار الصرف في سوق العملات) تعكس عداوة واسعة النطاق تستهدف القطاع المالي، ولكنها تتجاوز بشوط بعيد أية فوائد حقيقية قد تترتب على فرض هذه الضريبة. ورغم هذا فإن المسؤولين الرسميين المنتخبين يرون أن ضريبة توبين جذابة للغاية، لأنها من الممكن أن تخفف من حدة الانتقادات وأن تحول الانتباه بعيداً عن المشاكل الأساسية، ولكنها تشل حركتهم على المستوى السياسي، التي تحيط بالسياسة الاقتصادية، وخاصة الموازنات والديون والنمو البطيء.

إن ضريبة توبين لها فوائد بالفعل، حتى ولو لم تتمكن من معالجة القدر الكافي من المشاكل التي تبتلي الأسواق المالية اليوم. ذلك أن فرض ضريبة على معاملات الأوراق المالية من شأنه أن يشجع السندات الأطول أجلا. فهي تُفرَض على السيولة، والتي يعتقد الكثيرون أنها متوفرة بشكل مفرط. وهي تشجع التحليل الأساسي لعمليات أي شركة، ويأمل بعض أنصارها أن تعمل ضريبة توبين على دفع الشركات إلى التركيز بشكل أكبر على القيمة البعيدة الأمد.

فضلاً عن ذلك فإن ضريبة توبين تعمل على دفع السماسرة الماليين ــ أشخاص موهوبين يتسمون بعادات عمل قوية ــ نحو أنشطة أخرى، وهو ما من شأنه أن يعود بالنفع على الاقتصاد بشكل أكبر (كما يرجو صناع السياسات). وإذا كانت الإبداعات والمشتقات المالية واتفاقيات الشراء لآجال قصيرة من الأسباب التي جعلت الأسواق أكثر تقلباً وهشاشة، فإن ضريبة توبين من شأنها أن تساعد في تعزيز استقرارها وتقويتها.

رغم أن هذه الأهداف تستحق الجهد، فهناك من الأسباب الوجيهة ما يجعلنا نعتقد أن هذه الضريبة لن تنجح في تحقيق أغلب هذه الأهداف. ذلك أن حاملي الأسهم لآجال طويلة وحدهم لا يشجعون مديري الشركات على إدارة الأمور لصالح الأمد البعيد. وبقدر ما يؤدي انخفاض التداول إلى تضاؤل المردود السوقي للشركات ومديريها، فإنه ربما يحمل المديرين على الشعور بالرضا عن الذات. وقد يتوقف السماسرة عن التداول، ولكن حاملي الأسهم قد لا يجرون رغم ذلك تحليلاً طويل الأمد وأكثر جوهرية: ويعكس ارتفاع أرصدة المؤشر، الذي يشتمل على مجموعة متنوعة إلى حد كبير من سوق الأوراق المالية بالكامل، يعكس هذا الاتجاه نحو المساهمين بشكل سلبي.

إن الحد من التقلبات واستيعاب السيولة الفائضة قد يكون مفيدا، ولكن الأمر لا يخلو من المخاطر أيضا: فقد تتجاوز الأجهزة التنظيمية الحد بسهولة، وهو ما من شأنه أن يضعف من قدرة الأسواق المالية على اكتشاف الأسعار ويحرمها من السيولة.

ويقودنا هذا إلى الأمل في أن تحث ضريبة توبين السماسرة الماليين من ذوي الذكاء العالي على القيام بعمل آخر يعود على المجتمع بفوائد صافية أكبر. وإذا كان التداول اليوم لا يساعد في انتقال رؤوس الأموال إلى حيث أعلى وأفضل استخدام لها، فإن إعادة توزيع المواهب المالية الموظفة بشكل غير فعّال من شأنها أن تعود علينا بفوائد أكبر. ولكن هل يعني فرط التداول مشكلة اقتصادية حرجة حقا؟

لقد اندلعت الأزمة المالية في عام 2008 عندما أعيد تقييم الأوراق المالية المدعومة بالرهن العقاري بأقل كثيراً من قيمتها المتصورة آنذاك. ولم تكن المشكلة أن تداول هذه الأوراق المالية كان مفرطا (لم يكن تداول أغلبها كذلك، وبالتالي فإنها لم تكن من ذلك النوع من الأوراق المالية التي كانت ضريبة توبين لتضربها بقوة)، ولكن لأن جميع المشاركين في الأسواق المالية أعادوا تقييمها في نفس الوقت. ولقد أدى هذا إلى إضعاف موقف المؤسسات المالية التي تحتفظ بأوراق مالية مدعومة بالرهن العقاري، وبالتالي كان الإفلاس من نصيب العديد منها. ولكن أثناء الأزمة ذاتها لم تكن المشكلة الرئيسية فرط التداول، بل نقص التداول مع نضوب معين السيولة بالنسبة للعديد من المعاملات المالية.

ولكن هناك مجال واحد قد تعود عليه ضريبة توبين بفائدة تامة. إن العديد من المؤسسات المالية الأكبر حجماً والأكثر عُرضة للخطر تمول نفسها الآن عن طريق إعادة الشراء: فهي تشتري أوراقاً مالية طويلة الأجل (الديون الحكومية غالبا) ثم تبيعها، وتعد بإعادة شرائها في اليوم التالي بسعر أعلى قليلا.

إن تثبيط سوق إعادة الشراء من شأنه أن يعود بفائدة اقتصادية، لأن هذا النوع من التمويل أثبت عدم استقراره: فقد أفرطت مؤسسات مثل بير شتيرنز وليمان براذرز في عمليات إعادة الشراء إلى الحد الذي جعلها غير قادرة على تحمل انتكاسات الاستثمار في أماكن أخرى من صناعتها. ولقد انطبق نفس الأمر على ممتلكات "اف ام هولدنجز" في الخريف الماضي. ولعل التمويل الأقوى والأطول أمداً ربما كان ليسمح لهذه الشركات بالبقاء. وإذا حثت ضريبة توبين المؤسسات المالية على تمويل أنفسها بديون أطول أمداً والإقلال من عمليات إعادة الشراء ذات اليوم الواحد، فسوف يكون بوسعها أن تلعب دوراً كبيراً في دعم الاستقرار.

ورغم أنه من المعروف جيداً أن ضريبة توبين لن تؤثر كثيراً على الأسواق ما لم تتبناها كل المراكز المالية، فإن ما يصدق على الأسواق لا يصدق بالضرورة على المؤسسات المالية. فإذا كان الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي على سبيل المثال راغباً في منع المؤسسات المالية الفرنسية الأضخم من أن يسمح لها بالإفلاس من إدارة المعاملات المالية على نحو يؤدي إلى إضعافها، فإن فرض ضريبة توبين على معاملاتها في أي مكان تتم فيه من العالم قد يصادف النجاح؛ ذلك أن الضريبة سوف تؤثر على المؤسسات، حتى ولو لم يكن بوسعها أن تعمل على تشكيل الأسواق على مستوى العالم.

مما لا شك فيه أن الأسواق قد تنقل هذه المعاملات من فرنسا ومن المؤسسات المالية الفرنسية، وإذا أخطأت الأجهزة التنظيمية ــ لأن العمل كان مربحاً وليس مسبباً لعدم الاستقرا�� ــ فإن المؤسسات الفرنسية سوف تخسر. أما إذا أصابت الأجهزة التنظيمية فإن المؤسسات الفرنسية سوف تصبح أكثر استقرارا. وإذا كانت ضريبة توبين تهدف إلى تعزيز المؤسسات (وليس تغيير الأسواق)، فقد تكون شديدة التأثير، حتى من دون تبنيها من قِبَل كل الدول الكبرى.

وعموما، لا نستطيع أن نقول الكثير ضد الضريبة (غير ما قيل ضد كل الضرائب)، أو أن نتحدث لصالحها. ولكن من غير المجدي أن نحل المشاكل المالية الرئيسية، في حين أن تلك المشاكل التي تتعامل معها (مثل التمويل القصير الأمد) يمكن التعامل معها بشكل أكثر مباشرة، من خلال فرض ضريبة أكثر تركيزا، ووضع قواعد تحكم هذه المعاملات، وتحسين سبل التنظيم المتعقل.

في الوقت الحاضر لا تزل المقترحات بفرض ضريبة توبين غير جيدة التوجيه. أي أن المعاملات السليمة سوف تفرض عليها الضريبة إلى جانب التمويل القصير الأمد ليوم واحد ــ والمزعزع للاستقرار ــ لمؤسسات مالية هشة.

بيد أن ضريبة توبين تسمح رغم هذا للساسة المنتخبين بالظهور وكأنه يفعلون شيئاً مفيدا ــ وهذا صحيح بالفعل، ولكن من دون معالجة المشاكل الاقتصادية الأكثر خطورة.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (2)

Please login or register to post a comment

  1. CommentedJonathan Lam

    Gamesmith94134: global finance’s Supply-chain Revolution
    “Open feedback mechanisms ensure a supply chain’s ability to respond to a changing environment, but, in the case of financial supply chains, feedback mechanisms can amplify shocks until the whole system blows up.” It was because there is no firewall available during the crisis, and the pipeline was open with few operators in the financial control like Mr. Sheng said, also, there is even fewer currencies like Euro-dollar only was available in most transactions, even though the public funds like sovereignty debts were being privatized in the open trade, and it create the explosion by volume in sum of money was credited. Firewalls I took off the technical terminology means there is no safety transitory zone established physically, that our financial system allowed the flow in the supply chain freely as the computerized transaction allowed, and there is less time available for reexamination on application of control, source of origin, birth of credits.
    Especially, when the parties took the international reserves for granted that Fed and ECB cut it interest rates to its minimal for the non-inflationary measure that many would consider money are free if they can beat the time. Generally, the 22 players turned the international financial market into their casino. When their governments were the ones who called to upbeat its economies from the recession after the expansion of the debts hitting it fiscal ceiling, and the slow down cut their productivity in near recession. At the same time, the rigid exchange rate went lopsided that created the tension between the debtor and creditor. It exploded.
    At present, the financial system must evolve itself with firewalls that stop contagion of the collateral damage over the money with no backing, and shrink the pool of cash for credit lending. Some might call it deleverage of the past 20 years mishaps, or change of climate in our global financial that the supply-chain must stop and check itself; besides, most of us would know by now that money supply and productivity are not on the same parallel at certain point under the influence of inflation an deflation. Without the assurance of the balance payment or imbalance of its exchange rates, the supply-chain will reverse itself.
    Perhaps, I like it better if the sovereignty debt and private investment should not be classified as same in enjoying the low interest rate, that sovereignty debt should be handled separately by the Central Banks and World Bank if it does affect the exchange rate when evaluated by IMF for it answer to lack of control.
    Transfer Unions must be established to void unsafe transaction and the Trans-continental Zoning to confirm the source of the origin on all transactions when the transaction is registered to enter its zones, or cut hot cashes that undervaluing ones currency from another that influences the international currency exchange rate. Besides, I see the floating rate system is a joke if it put sovereignty in defensive; and it should go with its yardstick like performance that values at each quarters.
    Finally, international banks are “too big to fall” should became a legend only, and they must be downsized that international is not licensed to evade sovereignty. There are more of reforms available in regional account and obey to safety net where it allows. Perhaps, if the banker can purchase these sovereignty bonds and metro bonds from the central bank like FED or ECB instead of chasing the wild goose in the open market; the general public can have some credits available for doing business.
    If someone question on the equities dealing among the banks, why only the politicians who talk over the policy on financial and there is no financial police system to oversight the banking as a whole. I think the United Nations Security Council can build a better division on financial security than G7 or G20, and it is inclusive for the globalized finance and my past experience tells me so. Evolve or not, we may stand by and watch the outcome of our present crisis and it not over yet till everyone would feel safe from hegemony through these firewalls. If some suggest cooperation from community in forgiving ones’ debt, it would be worse than my New Year project in losing weight every year, and I have been laughing at myself all my life. Without firewall in safeguard one’s wealth, each would isolate itself from contagion for a long, long time.
    May the Buddha bless you?

  2. CommentedProcyon Mukherjee

    The article ignites some long standing doubts on the contribution of the financial sector towards the overall economic good. Going by the corporate sector, there can be no doubt that the financial sector had served to their cause by bringing a range of products and services that were quite non-existent. This allowed the corporate sector to confront the shocks with far higher resilience and it provided checks and balances to the overall functioning between boom-bust cycles. The question is how some of these instruments have been used and to what extent the risk taking ability have brought in market distortions that went beyond the limits of normative assumptions that went into the creation of these instruments. The fact remains that the buoyancy brought in by the financial sector towards availability of credit for a range of activities from leveraging to access to pool resources and pool risk have gone far beyond the original expectations that this buoyancy was intended to generate; the malaise perhaps lies more in the leadership that guided management of these instruments. There are many examples of entities that blossomed and flourished in the same conditions, while the others went broke.

    Procyon Mukherjee

Featured