Friday, October 24, 2014
0

فولوكلور الذكريات الدفينة

تعتبر الطريقة التي يتذكر فيها الضحايا الصدمات من أكثر الأمور التي تواجه علم النفس والمعالجين النفسيين جدلية في يومنا هذا. إذ يعتقد كثير من منظري الصدمات السريرية، بأن المعارك والاغتصاب وغيرها من التجارب المرعبة غالباً ما تبقى محفورة في الذاكرة ولا يمكن نسيانها أبداً.

ويخالفهم البعض الآخر في هذا الرأي، بحجة أن العقل يحمي نفسه بنفي الذكريات المتعلقة بالصدمات إلى ما وراء الوعي، جاعلاً من تذكرها أمراً صعباً على الضحايا، الأمر الذي يحميهم من تذكر أصعب وأقسى تجاربهم حتى يأتي الوقت المناسب لذلك بعد مضي سنوات عديدة. وعلى الرغم من اعترافهم بأن الصدمات غالباً ما يتم تذكرها؛ إلا أن منظري الصدمات التحليلية هؤلاء يؤكدون بأن حالة تدعى "فقدان الذاكرة الصدماتي اللا ترابطي" تترك عدداً غير قليل من الضحايا فاقداً القدرة على تذكر الصدمات التي مر بها وعلى وجه الخصوص لأنها فاقت في حدود رعبها عتبة التحمل لديهم.

وعلى كل حال، لا يعتقد المدافعون عن هذه النظرية بخمود هذه الذكريات أو تحولها إلى أشياء حميدة بل على العكس يعتقدون بأن هذه الذكريات تعمل على تسميم حياة الضحايا مسببة ظهور أعراض مرضية نفسية غير قابلة للتفسير. وبالتالي لا بد من كشف هذه الذكريات في سبيل الشفاء.

لم يكن هذا السجال سجالاً أكاديمياً عاديا؛ فقد تسربت تناقضاته من مختبرات علم النفس والعيادات النفسية إلى عناوين الصحف مغيرة الكثير من التشريعات ومؤثرة على نتائج المحاكمات القضائية المدنية والجزائية.

وسواءً كان الأفراد قادرين على قمع صدماتهم أو تذكرها، إلا أن صدمات الاعتداءات الجنسية كانت أكثرها إثارة للجدل. ففي التسعينات تذكر العديد ممن يخضعون للعلاج النفسي حالات اعتداء جنسي تعرضوا لها أثناء طفولتهم. ورفع بعضهم الدعاوى ضد المعتدين المحتملين المتمثلين غالباً بآبائهم المسنين. وبينما تناقصت الدعاوى المرفوعة ضد الأهالي بسبب الذكريات المسترجعة إلا أنها تزايدت ضد المؤسسات الكبيرة مثل الكنيسة الكاثوليكية.

تمثل الأمر المثير للصدمة في تبني كلا المدافعين والمشكيين في نظرية "فقدان الذاكرة الصدماتي اللا ترابطي" نفس الدراسات في الدفاع عن وجهات نظرهم شديدة التناقض. ولكن المدافعين هم من يغالطون تفسير المعطيات في محاولاتهم إثبات عدم قدرة الضحايا على تذكر تجاربهم الصادمة.

فلننظر إلى الحالة التالية؛ يبدي بعض الضحايا بعد تعرضهم لضغط شديد صعوبات في تذكر أحداث في حياتهم اليومية. يسئ المدافعون عن فقدان الذاكرة الصدماتي تفسير هذه العوارض ويقولون بأن الضحايا غير قادرين على تذكر الصدمة بحد ذاتها. في الواقع، إن مشكلة الذاكرة هذه متعلقة بالتشتت العادي للذهن الذي يظهر بعد الصدمة؛ وهو لا يعني عدم القدرة على تذكر الصدمة بحد ذاتها. لا يجب أن يخلط النسيان العادي الذي يحصل بعد الصدمة بفقدان ذكرى الصدمة برمتها.

ولنعتبر أيضاً أن أحد أعراض خلل ما بعد الصدمة يكمن في "عدم القدرة على تذكر جزء هام من الصدمة". إلا أن هذا العرض لا يعني بأن الضحايا غير واعين بأنهم تعرضوا للصدمة.

بالفعل، لا يعمل عقلنا كآلة تصوير تلفزيوني، وبالتالي لا يتم تسجيل كل تفاصيل الصدمة في طياته أساساً. وغالباً ما توجه الارتفاعات العاطفية الحاصلة أثناء الصدمة انتباه الضحايا إلى الأحداث المركزية في الصدمة مشتتة انتباههم عن غيرها من التفاصيل. لا يجب أن تخلط الذكريات المنقوصة عن الصدمة بفقدان الذاكرة ـ الأمر الذي يعني عدم القدرة على استرجاع معلومات دخلت إلى الذاكرة فعلياً.

وغالباً ما يتم الخلط بين عرض نادر يدعى "فقدان الذاكرة النفسجيني" وبين فقدان الذاكرة الصدماتي. إذ يفقد ضحايا فقدان الذاكرة النفسجيني فجأة كل الذكريات عن حياتهم السابقة، بما فيها إحساسهم بهويتهم الشخصية. وغالباً ما يحصل هذا الفقدان الكلي للذاكرة بعد تعرض لضغط شديد، ولكنه نادراً ما يكون دائماً. إذ غالباً ما تعود الذاكرة إلى صاحبها بعد بضعة أيام أو أسابيع. وعلى العكس من ذلك يعني التعرض لفقدان الذاكرة الصدماتي عدم قدرة الضحايا على تذكر تجاربهم الصادمة ولا تعني عدم قدرتهم على تذكر حياتهم بالإجمال أو عدم تذكر هوياتهم الشخصية.

وقد أثبت عدد من المسوحات بأن البالغين الذين بلغوا عن تعرضهم للاعتداء الجنسي غالباً ما يقولون بأنه كانت هناك فترة من الزمن "لم يستطيعوا فيها تذكر" الاعتداء. إن الادعاء بعدم القدرة على التذكر يعني بأنهم حاولوا تذكر الاعتداء ولكنهم باؤوا بالفشل ليتذكروه فيما بعد. ولكن، في حال عدم قدرة هؤلاء الضحايا على تذكر الاعتداء؛ فعلى أي أساس كانوا يحاولون استرجاعه أصلاً؟

على الأغلب؛ كانت هناك فترة لم يحاولوا التفكير فيها في ما تعرضوا له من اعتداء. ولكن عدم التفكير في أمر ما لا يشبه عدم القدرة على تذكره. إن عدم القدرة على التذكر هو ما يمكن أن يدعى بفقدان الذاكرة.

تقدم لنا الأبحاث التي أجريت في مختبرات علم النفس على بالغين تعرضوا للاعتداءات الجنسية أثناء طفولتهم حلاً لهذه التناقضية المرة. إذ بلغ بعض المشاركين عن نسيان حوادث اعتداءات جنسية غير عنيفة تعرضوا لها من قبل بالغ موثوق. ووصفوا هذه الحوادث على أنها مزعجة، مربكة ومقلقة، ولكنها لم تكن صادمة بمعنى أنها كانت مرعبة لدرجة تفوق الاحتمال. ولعدم قدرتهم على تفسير ما حصل لهم، فقد اختاروا ببساطة عدم التفكير بهذه الحوادث لسنوات عديدة.

وعندما حرضتهم المذكرات على استرجاع هذه الذكريات بعد سنوات عديدة، تعرضوا لضيق شديد، وذلك لأنهم فهموا أخيراً ما تعرضوا له في طفولتهم من خلال نظرة البالغ. تعد هذه الحوادث ضمن قائمة الذكريات المسترجعة عن الاعتداءات الجنسية، ولكنها ليست حالة من حالات فقدان الذاكرة الصدماتي. وذلك لأن هذه الأحداث لم تكن صادمة في طبيعتها عند حدوثها، ولأنه لا يوجد أي دليل على عدم القدرة على تذكرها خلال السنوات التي لم تخطر فيها على بال المتعرض لها.

لا يعتبر الاعتداء الجنسي صادماً بمعنى تجاوزه لحدود الرعب التي يمكن احتمالها. وهو بالطبع مذموم أخلاقياً حتى ولو لم يسبب أعراضاً نفسية دائمة.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured