Thursday, September 18, 2014
5

عالم ما بعد النمو

برينستون ــ في بحث مثير حديث، يستنتج روبرت جوردون من جامعة نورث ويسترن أن معدل التقدم التكنولوجي تباطأ بشكل حاد، وبالتالي فإن ارتفاع مستويات المعيشة (على الأقل في دول العالم الغنية) من المحتم أن يتدهور. ويقول جوردون إن نصيب الفرد في الدخل في الولايات المتحدة تضاعف كل خمسة وعشرين إلى ثلاثين عاماً في القرن العشرين، ولكن المضاعفة المقبلة من المرجح أن لا تحدث إلا على مدى مائة عام، وهي الوتيرة التي شوهدت لآخر مرة في القرن التاسع عشر.

إن اعتبارات النمو الطويل الأجل، على الرغم من النظر إليها باعتبارها بالغة الأهمية، تبدو بعيدة عن حتمية الإصلاح المالي واستعادة الثقة الآن. لذا فإن التعليق على بحث جوردون كان منفصلاً إلى حد كبير عن المناقشات السياسية التي تتناول الركود العظيم المستمر الآن.

ولكن التقييم الواقع لآفاق النمو هو على وجه التحديد المطلوب الآن لتصميم السياسات المناسبة والقابلة للتطبيق. والواقع أن جوردون لا يريد أن يقول إن النمو سوف يتباطأ في المستقبل، بل إنه يقصد بدلاً من ذلك أن نمو الإنتاجية الذي يستند إليه النمو عموماً انتقل بشكل حاد إلى مسار أدنى كثيراً في عام 2000 تقريبا. وقد عشنا الجزء الأفضل من العقد التالي يصاحبنا شعور مضلل بامتداد الرخاء والازدهار فعملنا على نشوء الفقاعة المالية وتضخمها. والأسوأ من ذلك هو أننا نتعامل مع الحاضر وكأن النمو القائم على الفقاعات الذي استمر منذ عام 2000 إلى عام 2007 سوف يعود.

ولنتأمل هنا توقعات صندوق النقد الدولي المعتادة لآفاق النمو العالمي. في إبريل/نيسان 2010، بعد نحو ثمانية عشر شهراً من انهيار ليمان براذرز، بدا الأمر وكأن الأزمة انتهت. وكانت التوقعات هي أن الناتج المحلي الإجمالي العالمي سوف ينمو بنحو 4,5% سنوياً إلى عام 2015، وهي نسبة أعلى قليلاً من الوتيرة أثناء العقد السابق للأزمة، في حين كان من المتوقع أن يكون معدل التضخم السنوي المتوسط أقل، عند مستوى 2,9%. وبدا المستقبل مشرقا.

ولكن ما حدث بدلاً من ذلك، وبعد عمليات تنقيح متعاقبة، هو أن الناتج المحلي الإجمالي العالمي في عام 2012 من المتوقع الآن أن ينمو بنسبة 3,3% فقط، في حين من المتوقع أن يصل معدل التضخم إلى 4%، وهو ما يشير إلى زخم اقتصادي عالمي أضعف كثيراً من المتوقع. والواقع أن النمو الأدنى من المتوقع والتضخم الأعلى من المتوقع أثرا على أغلب اقتصادات العالم. ففي عامي 2011 و2012، برزت المملكة المتحدة بين الاقتصادات المتقدمة في هذا الصدد؛ ولكن نفس النمط قائم حتى بالنسبة لألمانيا. وبالمثل، خفت بريق مجموعة البرازيل وروسيا والهند والصين.

ورغم أن توقعات صندوق النقد الدولي وغيره كانت متفائلة باستمرار، فإن كل نكسة كانت تُعامَل وكأنها انحراف مؤقت مرتبط بسبب فريد أدى إليه: عملية الإنقاذ اليونانية، والتسونامي المأساوي في اليابان، وارتفاع مستوى التقلبات في أعقاب خفض ستاندرد آند بورز لتصنيف ديون الولايات المتحدة، وما إلى ذلك. لقد تراجع موعد عودة النمو العالمي إلى نسبة 4,5% فحسب ــ في أحدث التوقعات لعام 2015.

إن الإيمان بالنمو المتجدد ليس أكثر من استراتيجية غير حكيمة في التعامل مع السياسات. ففي جوهرها، تُعَد الأزمة الاقتصادية العالمية أزمة نمو. فقد افترضت المؤسسات المالية والأسواق أن الإنتاجية سوف تستمر في النمو بنفس وتيرة أواخر تسعينيات القرن الماضي، الأمر الذي أدى إلى تعزيز فقاعة الأصول التي نقلت وهماً بالرخاء؛ أما أولئك من غير المشاركين بشكل مباشر في الفقاعة المالية فقد استقطبوا من خلال التجارة الدولية المزدهرة. كما تلقى النمو الأوروبي، مع اعتماده المفرط على التجارة، دفعة خاصة، كما حدث للأسواق الناشئة.

وبمجرد بداية أزمة الركود العظيم، تحولت العملية إلى الاتجاه المعاكس. ولكن صناع السياسات استمروا في قياس توقعات التعافي على أداء النمو قبل الأزمة. وعندما أثبت الواقع العكس، لم يُهجَر الرجوع إلى الماضي، ولكنه تأجل فحسب. وكان الاستمرار في افتراض العودة إلى مستويات نمو ما قبل الأزمة ضرورياً لتبرير تأجيل اتخاذ القرارات الصعبة.

على سبيل المثال، كان انتعاش النمو يدعم التوقعات بأن الدول الواقعة على أطراف أوروبا لن تلجأ إلى إعادة هيكلة ديونها السيادية أو التخلص منها بالتضخم. ويشكل الافتراض بأن الاقتصاد الألماني سوف يتسارع ليخرج من تباطؤه الحالي ضرورة أساسية للثقة في شبكة الأمان المالي في أوروبا، وللاتحاد المصرفي الذي يتقاسم المخاطر بقدر من المصداقية عبر منطقة اليورو. كما يشكل استئناف النمو الاقتصادي العالمي القوي الأساس لتأخير تنفيذ قواعد بازل 3 للعمل المصرفي. وإذا تباطأ النمو في مجموعة البرازيل وروسيا والهند والصين، فقد تصبح أكثر عُرضة لأزمات الديون والعملة.

ما العمل إذن؟ لأننا لا نستطيع أن نعتمد على أكسير النمو في توقعات صناع السياسات لحل المشاكل، فإن التعامل مع التجاوزات المالية يصبح أكثر إلحاحا. وهذا يعني المزيد من إعادة هيكلة الديون والمزيد من عمليات إفلاس البنوك الآن، وليس تمييع المقترحات بكبح جماح الأسواق الطليقة. وبالتطلع إلى المستقبل، كما أكَّد روبرت شيلر من جامعة ييل مراراً وتكرارا، فإن السياسات العامة لابد أن تساعد في تشكيل أسواق المستقبل القادرة على التحوط للمخاطر بشكل أفضل وبحوافز أكثر جدارة بالثقة.

ليس هناك مسار سحري يقودنا إلى زيادة معدلات نمو الإنتاجية. وحتى إذا كان تشاؤم جوردون مفرطا، فإن توقيت التقدم الخارق التالي في التكنولوجيا يستحيل التنبؤ به. وقد تساعد الإصلاحات "البنيوية" المزعومة، ولكن المكاسب ال��حتملة ضئيلة وغير مؤكدة. وربما حان الوقت الآن ببساطة لكي نتعلم كيف نعيش بإمكانات أقل.

ترجمة: هند علي          Translated by: Hend Ali

Hide Comments Hide Comments Read Comments (5)

Please login or register to post a comment

  1. CommentedZsolt Hermann

    This is a very important article pointing out the futility behind the 'return to growth" mantra.
    But even this paper talks about some kind of a continuing quantitative growth, productivity, just on a lower scale.
    In order to understand what is happening and how we have to "re-structure" we need to understand the system we exist in, we are part of.
    So far politicians or experts kept on concentrating on the details, trying to solve superficial symptoms, ignoring the deeper roots of the process.
    We have arrived a completely new stage of our evolution.
    Humanity has "grown up".
    If our history, evolution so far was in the progressively growing, quantitative expansion phase, now we are entering the qualitative, maturity phase.
    Both inside human society, and in between humanity and the natural system around we have reached an equilibrium, a saturation. There is no more space, volume, dimension we can expand into in a quantitative manner.
    It is exactly the same how a living creature, animal or human grows for a while and then the quantitative growth finishes and a completely new phase of existence starts.
    We still want to remain children in the toy store, we still want to roam around, exploit everything we find or meet, we want to hoard, and stockpile, and stuff everything inside ourselves.
    The same expansive, exploitative development that propelled humanity up to this point has become self destructive, we are becoming sicker and sicker, in ourselves, in human society and in terms of the natural environment too.
    Or in other words while progressive quantitative development is necessary for a growing child, it indicates cancer in a grown up adult.
    We have to understand the crossroads we have reached.
    There is no more place for bubbles, illusions, "American Dreams".
    We have evolved into this global, interconnected and interdependent network in between us within a closed, finite natural system.
    We have to learn how to live in a mature, qualitative way within these conditions without any further quantitative growth or productivity.

  2. CommentedProcyon Mukherjee

    The challenges with technology is embedded in the conundrum that current spate of consumption in goods and services is linked to ‘replacement’ of old ones with new ones and not to original goods or services that are ‘first- timers’ achieved through path-breaking innovation. While the current innovation adds to a considerable degree to the bottom line of corporations by either cost reduction or productivity improvement, they do not create ‘large’ enough disruption for new industries to be created, that service new needs and wants, which would create a growth trajectory that is much steeper. The additions bring good cheers to the speculators while long term investors have to cope with the subtractions as well (every Iphone or Ipad subtracts either a cell phone or a computer that could have been bought instead). This is the fundamental reason that some growth achieved through innovation in the current times has taken some corporations to the stratosphere, while the overall growth engine of the world is still at a mere 2.5%. This is a failure of private capital and innovation combined to be able to create broad based growth paradigms.

  3. CommentedChris Cowsley

    Each growth spurt has a technology development as its trigger. Could we be reaching the point at which all we can achieve with more better technology is more leisure? If so, we need to start measuring growth by something other than the purchase and sale of goods and services. Fulfilling leisure opportunities that are resource light are sometimes impossible to 'monetise'.

  4. Commentedprasad p

    As far as growth of Indian economy is concern crude oil is major concern.Indian growth story will be finished once Brent Crude starts to trade above 120 $/ Barrel. In fact, Once Brent Crude starts boiling above 135-140 $/ Barrel; whatever efforts taken by developed economies so far will be over and rapid, uncontrolled recession likely hover all over the world. Energy as well as Commodity prices must correct 50-60 % over the next few months else dilemma of double dip recession is sure.

  5. CommentedFrank O'Callaghan

    One of the problems with current and future technological growth is the control and direction of research.

    One glaring example is the restricted uses of technology for narrowly profitable uses. Spending a great proportion of the worlds research effort on creating plants that are effectively sterile so as to force those who grow them to continue buying rather than breed their own seed is wasteful but good for one bottom line.

    Had the same effort and resource gone into a disease-drought-salt resistant, nitrogen fixing, nutritious and easily cultivated plant it would have been better for the world but not the shareholders.

    We need to re-balance our society and it's goals. The pursuit of profit is self destructive to more than the economy.

Featured