Exit from comment view mode. Click to hide this space
Email | Print

سباق التسلح المتوسع في جنوب شرق آسيا

كانت استعادة دول جنوب شرق آسيا لرخائها الاقتصادي بعد الأزمة المالية التي ألـمَّت بها في عام 1979 سبباً في انغماس المنطقة بالكامل في موجة من الإنفاق البذِخ على الأسلحة الجديدة. والحقيقة أن أغلب دول جنوب شرق آسيا تعمل الآن بانهماك شديد في تحديث قواتها المسلحة. وحتى الآن نجحت أغلب تلك الدول في تحقيق هذه الغاية دون التنازل عن سيادتها فيما يتصل بالمسائل الأمنية. ولكن في ظل التوتر المتصاعد في كل مكان بسبب استفحال قوى الصين على الصعيد العسكري، شرعت أعدد كبيرة من حكومات المنطقة في التعاون مع قوى خارجية.

وربما كان سوسيلو بامبانج يودويونو رئيس إندونيسيا هو الأكثر تجسيداً لهذه الحقيقة. فبالإضافة إلى النشاط المتزايد الذي أبداه في ميدان الدبلوماسية العالمية، سوف يلتقي يودويونو بالرئيس الروسي فلاديمير بوتن في موسكو هذا الشهر للتفاوض على شراء أحدث الطائرات الروسية المقاتلة. وتسعى إندونيسيا إلى تشكيل سرب دفاع جوي مؤلف من 12 طائرة نفاثة، فضلاً عن ثماني طائرات روسية مقاتلة لتكميل الطرازين Su-27SK و Su-30MKM من الطائرات الروسية التي اشترتها إندونيسيا بالفعل.

وفي مكان آخر من المنطقة، يبدو من الواضح أن سنغافورة أيضاً قررت شراء 12 طائرة مقاتلة من طراز F-15SG الجديد من الولايات المتحدة. وفي أواخر العام الماضي التقى رئيس وزراء تايلاند ثاكسين شيناواترا بالرئيس بوتن حيث وافق مبدئياً على شراء 12 طائرة من طراز Su-30MKM . كما وافقت ماليزيا على شراء 18 طائرة من طراز 18 Su-30MKM خلال العامين القادمين، بينما اشترت فيتنام 36 طائرة من طراز SU-27SK ، دخلت منها 12 طائرة الخدمة الفعلية.

يبدو في الوقت الحالي أن الطائرة الروسية الهجومية المقاتلة هي الخيار الذي تفضله كافة دول المنطقة باستثناء سنغافورة. ومن الواضح أن حصة روسيا المتنامية في السوق المحلية للأسلحة أصبحت تشكل إزعاجا كبيرا بالنسبة للولايات المتحدة التي تُـعَـد المورد الأكبر للأسلحة في المنطقة، والتي ما زالت على الرغم من ذلك صاحبة أكبر قوة عسكرية في آسيا. ومن هنا فقد بادرت الولايات المتحدة، وعلى سبيل المثال، في شهر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي إلى رفع حظر بيع الأسلحة العسكرية الذي كانت قد فرضته على إندونيسيا لمدة ستة أعوام بداية من عام 1999 رداً على انتهاكها لحقوق الإنسان في تيمور الشرقية. وعلى الفور سارعت إندونيسيا إلى الإعراب عن اعتزامها شراء طائرات نقل من طراز C-130 ، علاوة على قوارب استطلاع سريعة في إطار "إجراءات مضادة للإرهاب والقرصنة".

فضلاً عن ذلك، تسعى إندونيسيا إلى صف نفسها مع الصين باعتبارها القوة الصاعدة في آسيا، وذلك عن طريق تعزيز أواصر التعاون الدفاعي والأمني بين الدولتين. ونتيجة لهذه العلاقات المحسنة حصلت إندونيسيا على تكنولوجيا الصواريخ قصيرة المدى من الصين.

وهنا يبرز احتمال تسبب دول جنوب شرق آسيا في وضع الولايات المتحدة والصين في مواجهة كل منهما الأخرى كواحد من المخاوف التي تسوغ آخر تقرير دفاعي رباعي صادر عن الولايات المتحدة، والذي أعربت فيه عن عزمها "التركيز على المحيط الهادي" في ظل إدراكها للقوة البحرية المتنامية لدى الصين. ولسوف تحاول الولايات المتحدة، دون أدنى شك، بناء علاقات وروابط أكثر قرباً مع إندونيسيا، من خلال توظيف قدر أكبر من التعاون العسكري، وذلك لأن إندونيسيا تقع على الخطوط البحرية الرئيسية للمواصلات في المنطقة.

ومن المحتم بصورة خاصة أن تتورط إندونيسيا في الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة والصين لفرض النفوذ على مضيق مالاكا الذي يتميز بأهمية حيوية. ولأن الصين لابد وأن تستورد كميات هائلة من النفط عن طريق مضيق مالاكا، فقد اكتسب ذلك الممر المائي أهمية مركزية في الإستراتيجية الأمنية التي تتبناها الصين. ولهذا السبب تسعى الصين إلى استغلال المعونات الاقتصادية والعسكرية كأداة لتحسين العلاقات حتى مع الدول التي دخلت معها في حروب سابقة في الماضي، وأبرز هذه الدول فيتنام والفلبين.

والهند أيضاً تسعى الآن إلى الانضمام إلى هذا السباق العسكري. حيث بادرت بكل نشاط وهمة إلى قيادة مناورات عسكرية إقليمية مشتركة، مثل المناورة البحرية المشتركة التي استضافتها الهند في بحر أندامان، في المنطقة الشرقية من المحيط الهندي، في وقت سابق من هذا العام. ولقد شاركت في هذه المناورة تسع دول آسيوية من منطقة الباسيفيكي، بما فيها إندونيسيا، وماليزيا، وسنغافورة، وتايلاند.

ولكن كلاً من الهند والصين تسعى إلى فرض قدر أكبر من النفوذ على دولة ميانمار التي تتميز بأهمية إستراتيجية كبرى. فعلى سبيل المثال، بعد أن وقعت ميانمار على اتفاقية مع الصين في عام 2005 خاصة بالغاز الطبيعي، ردت الهند بإلغاء اتفاقية الغاز بينها وبين ميانمار.

ولم تتأخر كوريا الجنوبية أيضاً عن الانضمام إلى هذه الفوضى. فقد زار الرئيس روه موو هيون ماليزيا ووافق على توسيع نطاق التعاون المشترك بين الدولتين في مجالات مثل تكنولوجيا المعلومات، والتكنولوجيا الحيوية، والموارد الطبيعية والطاقة بصورة أساسية. كما ذكرت التقارير أن روه ناقش أيضاً تصدير مواد دفاعية تبلغ قيمتها 2.3 مليار دولار أميركي، بما في ذلك طائرات التدريب، والمدمرات، والمركبات المدرعة. فضلاً عن ذلك فقد اتفق وزير الدفاع الكوري يون مع الفلبين على تسليمها قاربي دورية مستخدمين.

لم يتخلف عن استعراض القوى هذا سوى اليابان، التي اختارت أن تظل بمعزل عما يدور حولها مستثمرة في ذلك علاقاتها بالولايات المتحدة. ولكن على الرغم من العداوة التاريخية العميقة بين الدولتين، والتي ترجع إلى الحرب العالمية الثانية، تتردد الآن أصداء أصوات متعالية تدعو اليابان إلى توسيع نفوذها بهدف إيجاد التوازن مع الصين. لكن الواقع يؤكد أن اليابان ليست مستعدة لتولي مسئولية كهذه، وذلك لأنها ما تزال ملتزمة بقوة بالقيود التي فرضتها على نفسها فيما يتصل بممارسة النفوذ على الدول الأخرى في أمور مثل الأمن والدفاع، بما في ذلك صادرات السلاح.

أثناء فترة الستينيات، وبينما كانت في بداية انطلاقتها الاقتصادية، بادرت اليابان إلى إقامة حوار جاد بينها وبين القوى الكبرى في المنطقة، ساعية بذلك إلى بناء علاقات أكثر قوة مع الدول التي كانت قد غزتها واحتلتها في الماضي. وليس من قبيل المبالغة أن نقول إن هذه الجهود، التي أدت إلى تعزيز التجارة والاستثمار في المنطقة، كان لها عظيم الأثر في صياغة الأساس الذي تقوم عليه القوة الوطنية التي تنعم بها اليابان اليوم. لكن نفوذ اليابان في منطقة جنوب شرق آسيا، يشهد اليوم، على الصعيدين السياسي والاقتصادي، انحداراً تدريجياً. ويرجع هذا، من بين أسباب أخرى، إلى إخفاقها في ممارسة نفوذها فيما يتصل بأمور مثل الأمن والدفاع.

وبالنسبة لتلك الدول الآسيوية التي تذكر التقدم الذي أحرزته اليابان منذ الستينيات على مستوى السياسات الإقليمية، من خلال الاعتدال والتعقل، فلسوف نجد توقعات متنامية بضرورة إعادة اليابان للنظر في موقفها. وفي وقت يتسم بعدم اليقين بشأن السياسات التي تنتهجها الصين ـ بما في ذلك اقتراب الصين من إنتاج أول حاملة طائرات صينية ـ فقد اكتسبت مشاركة اليابان في البنية المتطورة للأمن الآسيوي أهمية جوهرية من أجل تحقيق الاستقرار. لقد انقضى ذلك الزمن حين كان بوسع اليابان الامتناع عن المشاركة والاكتفاء بالمراقبة من بعيد.

Reprinting material from this Web site without written consent from Project Syndicate is a violation of international copyright law. To secure permission, please contact us.

Exit from comment view mode. Click to hide this space

Comments (0)

You need to login in order to leave a comment. If you do not yet have an account, please register.

Show comments of
close

The two commenting options explained

Watch a 1 minute video
to discover how you can comment on the entire article or a specific paragraph. The two images below also explain the two ways of commenting.

1) Entire article comment
Once logged in, simply click inside the comment box where it says "Enter text here." Enter and post your comment.

2) Paragraph comment
Please log in first. Then click to the left of the desired paragraph. Your cursor will automatically move to the comments box. Enter and post your comment.

Top Project Syndicate commentaries

Email this article

Your name is required.

Your email is required.


Your friend's name is required.

Your friend's email is required.


A message is required.