Friday, July 25, 2014
Exit from comment view mode. Click to hide this space
0

إنشاء سوق للبحث العلمي

تمثل التطورات العلمية السبب الرئيسي وراء التقدم الاقتصادي، ومع هذا فمن الواضح أن كثيراً من الدول تتمسك بأمل التسلق على أكتاف الاكتشافات التي يتم التوصل إليها في الدول الأكثر تقدماً في النواحي العلمية. وهذه هي الاستراتيجية الأكثر عملية والأعظم فعالية في المراحل المبكرة من التنمية. ولكن للوصول إلى المراحل المتقدمة من النمو الاقتصادي فإن أي دولة تحتاج إلى تواجد البحث العلمي على أراضيها.

تسعى كل حكومة إلى تشجيع البحث العلمي من خلال التربية العلمية. لكن التربية بمفردها ذات فائدة محدودة في هذا السياق. فالعلم يعتبر شكلاً من أشكال المشاريع التجارية. وهو يحتاج إلى هيئة محنكة معقدة من الموارد والعمالة، وطبيعة نزّاعة إلى المغامرة، والاستعداد لخوض المجازفات طمعاً في مكافآت عظيمة محتملة.

عادة، ترعى السوق المساعي التي يقوم بها متعهدي الأعمال وتعمل على تطويرها. وإذا افترضنا وجود سوق كهذه للعلم، فلسوف يشكل العلماء في هذه الحالة المشاريع أو الأعمال التجارية، وهم مثلهم كمثل الأعمال التجارية، ينجح أفضلهم بينما يفشل آخرون. والمشكلة هي أن البحث العلمي الأساسي يعبر في الأغلب عن مصلحة عامة لا يمكن حجبها عن المنتفعين بها، وهي تسري في بدن المعرفة العلمية بطرق لا يمكن التنبؤ بها.

ولكن إذا لم توجد سوق تقدر الإنجاز العلمي حق قدره وتكافئه بشكل موضوعي مجرد، فكيف يصبح من الممكن اختيار المشاريع العلمية الجيدة ومكافأتها دون إهدار الموارد والذي كثيراً ما يصاحب الحلول البيروقراطية غير المرتبطة بالسوق للمشاكل الناشئة عن رعاية المصالح العامة؟

هناك خطر قائم بأن تنحل المؤسسات العلمية إلى إقطاعيات يتحكم فيها كبار الموظفين في القطاعات العلمية والذين يهيمنون على الأقسام الجامعية والمختبرات الكبرى التي تمولها الدولة. وفي الحقيقة فإن العلماء في عدد من الدول، والذين حظي بعضهم بأمجاد علمية في الماضي، ربما يدركون وجود هذا الداء في المؤسسات التي يعملون بها اليوم. والثمن الذي تتحمله بلادهم يتمثل في المزيد من التصلب في شرايين الاقتصاد وتباطؤ النمو الاقتصادي.

لا توجد بدائل مثالية للسوق في مجال الاكتشافات العلمية، ولكن هناك بديل طيب يعمل على تمكين العلماء من التنافس بشكل فعّال، ألا وهو المراجعة النزيهة ، وأعني بهذا التقييم المجرد للبحوث التي لا تحمل أسماء مقدميها من قِبَل زملاء من العلماء. وعادة يستطيع الصفوة من العلماء، ممن يحتمون بالظل ويحتجبون عن الأضواء، أن يرصدوا الإبداع وأن يحكموا أي من الأفكار العلمية تحمل قيمة علمية حقيقة.

نشأ مفهوم المراجعة النزيهة في أول جريدتين علميتين، " جورنال دي سكافانس " في فرنسا، وجريدة " الصفقات الفلسفية للمجتمع الملكي " في إنجلترا. ولقد تأسست كل من الجريدتين في عام 1665. ولقد مدت كل من هاتين الجريدتين شبكة عريضة لاصطياد أفضل البحوث، واعتمدت على مجموعة من الخبراء الرواد لتقييم الأفكار. لكن مساندة هاتين الجريدتين للبحث العلمي كانت مقتصرة على النشر.

في أربعينيات القرن العشرين بادر فانيفار بوش عميد معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا والمستشار العلمي للرئيس روزفلت إلى تأييد اقتراح إنشاء هيئة حكومية عملت إلى حد كبير على توسيع تأثير مفهوم المراجعة النزيهة باستخدامه في تخصيص دعم مالي كبير للمؤسسات البحثية.

في كتابه الذي صدر في عام 1945 " العلم، حدود لا نهائية "، أكد بوش أن البحث العلمي الأساسي يحتاج إلى دعم مالي ضخم ودائم؛ وأن هذا الدعم لابد وأن يكون متاحاً لكل الباحثين؛ وأن المراجعة النزيهة لابد وأن تقرر في النهاية كيف يتم تخصيص الاعتمادات المالية ومن يحصل عليها. كما أكد أنه يتعين على أولئك الذين يوزعون الأموال أن ينظروا فقط إلى الأفكار البحثية الجديدة وليس إلى الخرائط التنظيمية للمؤسسات البحثية. ولقد أدى كتابه في عام 1950 إلى إنشاء المؤسسة العلمية الوطنية (NSF) بالولايات المتحدة، والتي كانت عاملاً رئيسياً يرجع إليه الفضل في النجاح العلمي الذي حققته أميركا.

نجح استخدام المراجعة النزيهة في تقييم المقترحات وتخصيص الدعم المالي للبحث العلمي في اكتساب الاعتراف على مستوى العالم بشكل متزايد. واليوم أصبحت أغلب الدول الكبرى تضم بين مؤسساتها إدارة تتولى توجيه النداءات العامة لتلقي المقترحات العلمية واستخدام المراجعة النزيهة في تقييم تلك المقترحات.

ولكن تظل المشاكل قائمة فيما يتعلق بالتوظيف الناجح لأنظمة المراجعة النزيهة التي تم تأسيسها حديثاً. فالدول الأصغر حجماً تواجه المصاعب في ضمان بقاء اسم الباحث مجهولاً: حيث قد يكون عدد العلماء المؤهلين في مجال علمي ما ضئيلاً إلى حد يستطيع معه الباحثون بسهولة أن يخمنوا من سيتولى مراجعة أي المقترحات، كما قد تلجأ الشخصيات ذات النفوذ إلى الانتقام إذا جاءت نتائج تقييم أبحاثها غير الواعدة سلبية.

وهذا من الأسباب الهامة التي تجعل من مجلس البحوث الأوروبي المقترح فكرة طيبة. فهو إذا حذا حذو المؤسسة العلمية الوطنية (NSF) فلسوف يعمل على زيادة المؤسسات العلمية في الدول الأوروبية، وتكوين هيئة بحثية أكبر حجماً ـ تستطيع الاختيار من بين مجموعة أضخم من المقترحات العلمية.

لكن حجم سوق المراجعة النزيهة ليس القضية الوحيدة. فالدول ذات الجامعات المسيّسة ، أو الجامعات التي يدير مشروعاتها البحثية رؤساء من ذوي النفوذ والصلات القوية خارج المجال الأكاديمي، ستجد صعوبة كبيرة في تمويل أفضل العلماء. ويصدق نفس القول على الأنظمة التي تتفشى فيها البيروقراطية الوظيفية.

وتعد اليابان مثلاً كدولة لم يتم فيها إصلاح المؤسسة العلمية بشكل كاف. فقد تَعَوّد موظفو الحكومة البيروقراطيون على استهداف البحث في مجال الصناعة في الأيام الخوالي، ولكن منذ انهيار سوق البورصة تم التخلي عن هذه الجهود إلى حد كبير. وبعد هذا عملت الحكومة على زيادة تمويل البحوث الأساسية وأنشأت ما يسمى بـِ" مراكز التفوق " في الجامعات، لكنها فشلت في تفكيك نظام الكازا حيث يهيمن الأقوياء من كبار الأساتذة على أقسام البحوث.

أما ألمانيا فقد أحرزت نجاحاً أعظم، حيث على الرغم من المعارضة الشعبية للنظام الجامعي النخبوي الذي يشبه مثيله في الولايات المتحدة، فقد وجه المستشار جيرهارد شرودر في العام الماضي الدعوة إلى الجامعات الألمانية لكي تعمد إلى المزيد من التنافس بين كل منها والأخرى. ومن الممكن أن نتوقع تغييرات مشا��هة في دول أخرى بعد أن أصبحت النظم أكثر إدراكاً وأفضل تفهماً لأهمية التنافس العلمي.

إن السياسات التي تسمح للعلماء بالتنافس على الموارد تغذي المنافسة الخلاّقة وتسمح للناس ببناء الحوافز الملائمة وأنظمة إدارة المجازفات المناسبة. وتعد هذه السياسات جزءاً من اتجاه عالمي يعمل بالتدريج على إزالة العقبات الطبيعية والعقبات المرتبطة بالثقافات والتي تعوق إنشاء سوق تنافسية متطورة للبحث العلمي. ليس من الممكن أن تقام سوق حرة للعلوم الأساسية بالمعنى الحرفي للمصطلح. ولكن من الممكن، بل وينبغي علينا، أن نلاحق الفوائد المعتادة للأسواق بوسائل أخرى.

Exit from comment view mode. Click to hide this space
Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured