Wednesday, April 23, 2014
Exit from comment view mode. Click to hide this space
0

الاقتصاد مسؤول عن تأمين نفسه

نيو هافن ـ إن المبدأ الأساسي الذي يحكم إدارة المخاطر المالية يتلخص في المشاركة. وكلما كانت استثماراتنا المالية أكثر تنوعا، كلما ازداد عدد المشاركين في تحمل المخاطر المحتمة ـ وكلما قل تأثر الفرد بأي مخاطرة بعينها. ولا تتسنى المثالية النظرية في هذا السياق إلا عندما تعمل العقود المالية على نشر المخاطر على مختلف أنحاء العالم، بحيث يتحمل كل واحد من المليارات من المستثمرين الراغبين حصة ضئيلة من المخاطر ولا يقع أحد منهم ضحية لفرط التعرض.

وتؤكد حالة اليابان أننا، على الرغم من التطور العظيم الذي حققته أسواقنا المالية، لا نزال بعيدين تماماً عن المثالية النظرية. وإذا وضعنا في الاعتبار المخاطر الهائلة التي لم نتمكن من إدارتها على النحو اللائق فسوف يتبين لنا أن التمويل، حتى في القرن الحادي والعشرين، لا يزال بدائياً في واقع الأمر.

ووفقاً لتقديرات دراسة حديثة أجراها البنك الدولي فإن الضرر الناجم عن الكارثة الثلاثية (الزلزال والتسونامي والأزمة النووية) التي ضربت اليابان في شهر مارس قد تكلفها في النهاية نحو 235 مليار دولار (إذا استبعدنا قيمة الخسائر المأساوية في الأرواح). وهذا الرقم يعادل نحو 4% من الناتج المحلي الإجمالي الياباني في عام 2010.

وفي ضوء التغطية الدعائية العريضة لجهود الإغاثة الخيرية والتبرعات الطوعية التي تلقتها اليابان، فقد يتصور المرء أن الخسائر الاقتصادية التي أحاقت بالبلاد تم تقاسمها على المستوى الدولي. ولكن التقارير الإخبارية تشير إلى أن مثل هذه المساهمات من جانب البلدان الأجنبية لن تتجاوز مئات الملايين من الدولارات الأميركية ـ وهذا التقدير أدنى كثيراً من 1% من إجمالي الخسائر. والواقع أن اليابان كانت في احتياج إلى تقاسم المخاطر المالية: فالأعمال الخيرية نادراً ما ترقى إلى المستوى المطلوب من المساعدة في مثل هذه الحالات.

لا شك أن شركات التأمين العاملة في اليابان غطت بعض الخسائر. ووفقاً لتقديرات نفس الدراسة الصادرة عن البنك الدولي فإن إجمالي المطالبات المستحقة على شركات التأمين في اليابان قد تكلف هذه الشركات في النهاية 33 مليار دولار. ومن الواضح أن المخاطر المؤمن عليها كانت تشكل قسماً ضئيلاً من المخاطر الإجمالية. فضلاً عن ذلك فإن قسماً كبيراً من هذه المخاطر، حتى في حالة التأمين عليها، لا تزال قائمة في اليابان، بدلاً من نشرها بشكل فعّال على المستثمرين الأجانب، وهذا يعني أن اليابان لا تزال وحدها في تحمل التكاليف.

قبل وقوع الكارثة، أصدرت اليابان نحو 1.5 مليار دولار في هيئة سندات الكوارث المرتبطة بالزلازل كأداة لإدارة المخاطر: حيث يتم إلغاء الدين في حالة وقوع حدث زلزالي محدد بدقة. ولقد ساعد هذا التصميم في انتشار المخاطر المرتبطة بالزلازل من اليابان إلى المستثمرين الأجانب، الذين كان بوسعهم تقبل المخاطرة في ظل الإغراء بالعائدات الأعلى المتوقعة.

ولكن من المؤسف أن ذلك المبلغ (1.5 مليار دولار) ليس أفضل كثيراً مما قد تنجزه الأعمال الخيرية في هذا السياق ـ ولا يشكل أكثر من قطرة في دلو مقارنة بحجم الضرر. والأسوأ من ذلك أن هذه الكارثة الثلاثية لا تتلاءم غالباً مع تعريف الحدث الزلزالي الذي تحدده صكوك السندات. ونحن في واقع الأمر في احتياج إلى المزيد من سندات الكوارث الأفضل.

لا شك أن حتى هذه الكارثة الثلاثية تضاءل في أهميتها مقارنة بالعقدين الضائعين في اليابان منذ عام 1990. ذلك أن متوسط نصيب الفرد في النمو الحقيقي للناتج المحلي الإجمالي الياباني كان 3.9% سنوياً في ثمانينيات القرن العشرين، ولكن هذا المتوسط هبط إلى 1.4% فقط منذ عام 1990. ولو كان نمو نصيب الفرد في الناتج المحلي الإجمالي استمر بعد عام 1990 على نفس معدله في الثمانينيات، فإن حجم الاقتصاد الياباني كان ليصبح أكبر مما هو عليه اليوم بنسبة 60% ـ وهذا يعني خسائر تبلغ تريليونات من الدولارات.

الواقع أن اليابان كانت لتتمكن من عزل نفسها عن قدر كبير من التأثيرات المترتبة على تقلبات الناتج المحلي الإجمالي لو نجحت في إدارة المخاطر وفقاً لنفس الافتراض. ورغم أننا لم نر من قبل أي دولة تدير مثل هذا الحجم الهائل من المخاطر، فمن الأهمية بمكان أن نفكر في مثل هذا الابتكار الآن.

لقد ظللت (بين آخرين) أؤكد لسنوات أن البلدان لابد وأن تغطي المخاطر التي تخوضها من خلال إصدار نوع مختلف من الديون الوطنية، يرتبط بنواتجها المحلية الإجمالية أو أي مقياس مماثل للنجاح الاقتصادي. وقد تكون هذه الأوراق المالية، في أبسط صورها، على هيئة أسهم في الناتج المحلي الإجمالي. وكنت أنا وزميلي الكندي مارك كامسترا اقترحنا إصدار نوع من الأسهم تقدم ربحاً في كل عام يعادل واحد على تريليون من الناتج المحلي الإجمالي في ذلك العام، بالعملة المحلية.

لو كانت الحكومة اليابانية أصدرت مثل هذا النوع من الأسهم في عام 1990، عندما كان الناتج المحلي الإجمالي السنوي في اليابان 443 تريليون ين ياباني، فإن الأرباح المدفوعة للمستثمرين في أول عام كانت لتبلغ 443 ين يابان. وفي كل عام بعد ذلك، كانت الأرباح المدفوعة لتتقلب في استجابة للتغيرات في الناتج المحلي الإجمالي. وكان المستثمرون في مختلف أنحاء العالم ليقبلوا على الاستثمار في الناتج المحلي الإجمالي الياباني في مقابل عائد متوقع، تماماً كما هي الحال مع سندات الكوارث.

وكان من المرجح أن تباع مثل هذه الأسهم بسعر مرتفع للغاية في عام 1990، وربما بعائد من الأرباح أقل من 1%. وفي كل الأحوال فإن الناس في عام 1990، في ظل معدلات النمو المرتفعة آنذاك، كانوا ليتوقعون نمو الناتج المحلي الإجمالي بسرعة في العقود اللاحقة.

في عام 2010، عندما كان الناتج المحلي الإجمالي لا يزال 479 تريليون ين ياباني فقط، فإن نفس الأسهم كانت لتدفع عائد يبلغ 479 ين، وهو ما لا يزيد كثيراً عن العائد الأولي، ولا شك أن هذا كان ليخيب آمال العديد من المستثمرين. لذا فإن هذه الأسهم، في ظل تراجع توقعات النمو، كانت لتباع بسعر أقل كثيراً الآن. وكان ذلك السعر المنخفض ليشكل نقمة بالنسبة للمستثمرين ونعمة بالنسبة لليابانيين عموما، حيث كان ليعوضهم عن الخسائر التي تعرضوا لها.

وعندما نتأمل المخاوف اليوم بشأن ارتفاع نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي في اليابان، والتي بلغت الآن 202% على أساس إجمالي، فيتعين علينا أن ندرك أن النسبة كانت لتصبح أقل كثيراً لو مولت اليابان في الماضي المزيد من إنفاقها بالاستدانة بالاستعانة بذلك النوع من الأسهم بدلاً من الدين التقليدي، فأصدرتها للمستثمرين في مختلف أنحاء العالم. ولا شك أن عبء الدين الأقل كان ليساعد اليابان في التعامل مع التباطؤ الاقتصادي.

الآن لا نملك أن نفعل أي شيء للتعويض عن التقاعس عن إدارة المخاطر في الماضي. ولكن الكوارث والأزمات الاقتصادية من الممكن أن تحمل في طياتها بقعة ضوء إذا نجحت في تحفيز الإبداع الأصيل بإرغامنا على التفكير في الكيفية التي يتعين علينا أن ندير المخاطر بها في المستقبل.

Exit from comment view mode. Click to hide this space
Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured