هيمَنَ "إجماع واشنطن"، ولمدة خمسة وعشرين عاماً على سياسات التنمية الاقتصادية ـ متضمناً معايير هادفة لتوسيع دور السوق وتقليص دور الدولة. وكما ساقها في عام 2002، واضع حجر أساسها، جون ويليامسون إن هذه المعايير "أمومية وفي نفس الوقت فيها تقاسم للحصص، الأمر الذي فرض إجماع من بنوها".
ليس بعد اليوم. كان داني رودريك، الاقتصادي المعروف من جامعة هارفرد آخر من تحدى الأسس الفكرية لإجماع واشنطن من خلال كتاب قوي جديد عنوانه "اقتصاديات واحدة، وصفات متعددة: العولمة والمؤسسات والنمو الاقتصادي". تقوم أطروحة روردريك على أنه وعلى الرغم من وجود اقتصاديات واحدة إلا أن وصفات النجاح التنموي كثيرة.
سلم روردريك بخدمة عظيمة عند اعترافه علانية بزعم "الاقتصاديات الواحدة". سيُضحَدُ أي نقد يطرح الزعم نفسه ويقول بأن الاقتصاديات تسمح بمقاربة نظرية واحدة على أساس أنه كثير الشك والتشاؤم، بينما تخلق النتائج التي قدمها رودريك الفرصة لفتح نقاش استحال فتحه سابقاً.
تقوم نظرية "الوصفات المتعددة" على أساس أن البلدان تتطور بنجاح من خلال اتباع سياسات اصطفائية مفصلة على قياسها متناسبة مع حاجاتها وشروطها المحلية بدلاً من اتباع إجراءات عامة تتماشى مع معادلات أفضل الممارسات التي يصممها المفكرون الاقتصاديون. وهي نظرية تتحدى إجماع واشنطن ـ بدوائه الوحيد الشافي لكل العلل ـ بحلوله في الخصخصة، وتتحدى أسواق العمالة غير المنظمة والتحرير المالي والتكامل الاقتصادي العالمي والاستقرار في الاقتصاديات الكبرى المعتمد على معدلات تضخم منخفضة.
ولكن، وعلى الرغم من أن أطروحة "الوصفات المتعدد" تحظى بقبول قوي ودعم تجريبي وعلى الرغم من أنها تنشر روحاً من التعددية النظرية، إلا أن زعم "الاقتصاديات الواحدة" زعم مضلل، لأنه يصور التوجه العام للاقتصاديات الكلاسيكية الجديدة على أنها الاقتصاديات الحقيقية الوحيدة.
يكمن جزء من الصعوبة في كشف هذه المحدودية إلى انشقاق في صفوف الاقتصاديين الكلاسيكيين الجدد إلى شقين يؤمن أحدهما بأن اقتصاديات أسواق العالم الحقيقي تقارب التنافسية الكاملة على عكس إيمان الشق الآخر. ويندرج المؤمنون تحت "مدرسة شيكاغو" بمن فيهم ميلتون فريدمان وجورج ستيغلير. أما المكذبون فيندرجون تحت "مدرسة إم آي تي" بمن فيهم أسماء مثل بول كريغمان وجوزيف ستيغليتز ولاري سمرز. وهو انشقاق يحجب أسس الاتفاق الفكري.
تدّعي "مدرسة شيكاغو" بأن اقتصاديات السوق في العالم الحقيقي تصدر نتائج قليلة الفعالية ـ كما يدعونها "باريتو أوبتيمال"ـ لا يمكن للسياسات العامة أن تتطور بالاعتماد عليها. وبالتالي فإن أي تدخل حكومي في الاقتصاد سيزيد الطين بلة.
وعلى عكس ذلك، تجادل "مدرسة الإم آي تي" بأن اقتصاديات العالم الحقيقي مريضة بغشاء من فشل السوق بما فيه الاحتكار واللاتنافسية والنزعات التطرفية مصحوبة بمشاكل مثل التلوث وعدم القدرة على إيصال البضائع ذات النفع العام مثل إضاءة الطرق أو آليات الدفاع الوطني. وبالتالي فإن سياسات التدخل التي تخاطب فشل السوق ـ علاوة على انتشار المعلومات المضللة وعدم تواجد الكثير من الأسواق الضرورية ـ سيزيد الطين بلة.
لا يتكلم أي مما سبق عن العدل، وهو أمر منفصل. وبالفعل، لا تقول مدرسة شيكاغو ولا مدرسة الإم آي تي بأن نواتج السوق عادلة وذلك لأن النواتج تعتمد على التوزيع البدئي للموارد. وفي حال كان التوزيع غير عادل بالأساس ستكون النواتج الحالية والمستقبلية غير عادلة بالضرورة.
يبدو بأن اقتصاديو شيكاغو يعتقدون بأن نواتج العالم الحقيقي غير عادلة بشكل مقبول، وبشكل أهم يعتقدون بأن محاولات الإصلاح ستكون عالية التكاليف وذلك لأن التلاعب في الأسواق سيؤدي إلى التقليل من الفعالية الاقتصادية. إنهم يؤمنون بأن التدخلات الحكومية ستولد إخفاقاتها المكلفة الخاصة بها بسبب العجز البيروقراطي فيها وبسبب السعي نحو استخدام الخبرات الخارجية الأمر الذي سيدفع بالمصالح الخاصة إلى إمالة الكفة لصالحها.
يعاكس اقتصاديو الإم آي تي هذا التوجه: إذ يقولون بأن العدل ضروري، وأن العالم الحقيقي غير عادل بشكل غير مقبول وبأن الإخفاقات الحكومية يمكن منعها من خلال التصميم المؤسساتي الجيد بما فيه الديمقراطية.
تعكس هذه الاختلافات الغنى الفكري للاقتصاديات الكلاسيكية الجديدة، ولكنها لا تعطينا أي تبرير للزعم القائل بوجود اقتصاديات واحدة. وعلى العكس من ذلك، طرح اقتصاديون هراطقة مثل ثورستين فيبلين وجوزيف شومبتير منذ وقت طويل العديد من المواضيع الحامية التي تطرحها الاقتصاديات الكلاسيكية الجديدة في يومنا هذا بما فيها دور الأطوار الاجتماعية والعلاقة بين الدوائر الاقتصادية والإبداعات التكنولوجية.
تحمل الاقتصاديات الهرطقية في أسس مفاهيمها مفاهيم مخالفة للاقتصاديات الكلاسيكية الجديدة بشقيها المتناقضين الحاليين. ينتج عن هذه المفاهيم تفاسير مختلفة بالكامل للعالم الحقيقي بما فيه توزيع الدخول ومحددات النمو والفعاليات الاقتصادية. علاوة على ذلك، غالباً ما ينتج عن هذه المفاهيم وصفات وحلول مغايرة.
نظر الراحل روبرت هيلبرونير ـ أحد تلامذة شومبتير المشهورين ـ إلى الاقتصاديات على أنها "فلسفة دنيوية" وكما ينقسم الفلاسفة حول تفسير طبيعة الحقيقة والفهم، تنقسم الاقتصاديات حول تفسير العالم الحقيقي. يجب أن تتواجد التناقضات جنباً إلى جنب في الاقتصاديات، مثلها مثل غيرها من العلوم الاجتماعية. ولكن، في التطبيق، أدت سيطرة الاعتقاد "بالاقتصاديات الواحدة" وخصوصاً في شمال أمريكا وأوروبا إلى نظرة محدودة اصطفائية عن هذا النظام.
يصعب نقل مثل هذا الواقع. ويكمن أحد الأسباب في أن اقتصاديين كلاسيكيين جدد متحررين مثل ستيغليتز وكروغمان يشتركون في القيم مع الاقتصاديين الهراطقة، ويمكن الخلط بسهولة بين القيم المشتركة والتحاليل المشتركة. ويكمن سبب آخر في اشتراك الهراطقة مع اقتصاديي مدرسة الإم آي تي غالباً في السياسات، حتى ولو كانت أسبابهم مختلفة. وأخيراً، غالباً ما يعتقد معظم الناس بأن الاقتصاديين سيكونون من الوقاحة بمكان حتى يفرضوا وجهة نظر واحدة عن الاقتصاد.
تغني أطروحة "الوصفات المتعددة" مساهمة الاقتصاديات الكلاسيكية الجديدة في نقاشات التنمية وغالباً ما ستحوز الكثير من طروحات السياسات فيها على دعم وموافقة الاقتصاديين الهراطقة. ولكنها على الرغم من ذلك، لن تستطيع رأب الصدع الفكري العميق المتعلق بالتنمية الاقتصادية والتجارة والعولمة وذلك لأنها ترفض الاعتراف بشرعية مثل هذه الخلافات.
كشف روردريك بشكل غير متعمد، ومن خلال تكريره لزعم "الاقتصاديات الواحدة"، عن الرقابة المخفية في الاقتصاديات الوضعية الحديثة. لا يكمن التحدي اليوم في الاعتراف بوجود وصفات متعددة ولكنه يكمن في خلق مساحة تتسع لوجهات نظر أخرى حول السياسات والتحليلات الاقتصادية.


Comments (0)
You need to login in order to leave a comment. If you do not yet have an account, please register.
The two commenting options explained
Watch a 1 minute video
to discover how you can comment on the entire article or a specific paragraph. The two images below also explain the two ways of commenting.
1) Entire article comment
Once logged in, simply click inside the comment box where it says "Enter text here." Enter and post your comment.
2) Paragraph comment
Please log in first. Then click to the left of the desired paragraph. Your cursor will automatically move to the comments box. Enter and post your comment.