Exit from comment view mode. Click to hide this space
Email | Print

الفكر المجسد والإمبراطورية

نيويورك ـ تُرى هل تخضع الدول لعمليات نفسية، بل وحتى عمليات فرويدية، مثل الأنا الجماعية التي قد تتأذى، ومشاعر الذنب المكبوتة التي قد تفيض من اللاوعي الجماعي ـ تماماً كما هي الحال مع الأفراد؟ أظن أن هذا ممكن.

وأعتقد أيضاً أنه كما تكشف أحلام الفرد وزلات لسانه عن معارفه المكبوتة، فإن "آلية الحلم " لدى أي ثقافة ـ أفلامها، وموسيقاها الشعبية، وفنونها المرئية، بل وحتى نكاتها ورسومها الكاريكاتورية وإعلاناتها ـ تكشف عن العلامات الدالة على هذا اللاوعي الجمعي. فضلاً عن ذلك فإن "الأحلام الطائشة" لأي أمة تعكس في الأغلب حالتها الفعلية على نحو أصدق من "الأنا" ـ تصريحاتها الرسمية، وبياناتها الدبلوماسية، ودعايتها.

لذا فعليك أن تصطحب معك هذه النظرية حين تذهب لمشاهدة فيلم "أفاتار" للمخرج جيمس كاميرون ، وأن تبحث عن موضوعين كاشفين: القالب الخام المذنب للاوعي الأميركي، في سياق "الحرب ضد الإرهاب" وفي ظل المرحلة الأخيرة من الإمبريالية الشركاتية؛ والصورة الانتقادية لأميركا ـ لأول مرة على الإطلاق في فيلم تجاري ساحق النجاح من إنتاج هوليود ـ من وجهة نظر بقية العالم.

ففي تقاليد هوليود بطبيعة الحال، يظهر البطل الأميركي الذي يحارب عدواً من السكان الأصليين بمظهر البريء المناصر للقيم الأخلاقية، والمحارب المضطر الذي يجلب الديمقراطية، أو على الأقل العدالة، إلى متوحشين همجيين. أما في فيلم "أفاتار" فإن المواضيع الأساسية تسلط الضوء على كل ما حدث من انحراف في نظرة الأميركيين إلى أنفسهم فيما يتصل بالسياسة الخارجية للبلاد.

فالبطل جيك سولي في الفيلم كان قد أصيب بالعجز في صراع أميركي سابق، ولكن بلده قَصَّر في رعايته ولم يعتن به؛ وإذا قام بوظيفته في الإبادة الجماعية على النحو اللائق، فإن "المؤسسة" سوف تكافئه بالعلاج الطبي المناسب. في البداية يقبل سولي العمل باعتباره مقاولاً متعاقداً ـ وفي هذا إسقاط على مذبحة المدنيين التي نفذتها شركة بلاكواتر الأمنية الخاصة في ساحة النسور بمدينة بغداد.

  والمغامرة هنا عبارة عن "مهمة" لا يقاتل الجنود تحت لوائها "في سبيل الحرية" بل "من أجل المال". ويتلقى هؤلاء الجنود التوجيهات من البيروقراطيين في شن الحرب ضد السكان الأصليين، الذين تقع أرضهم المقدسة فوق احتياطيات هائلة من خام الأنبتانيوم (مادة وهمية نفيسة) الذي ترغب المؤسسة في تأمينه بأي ثمن.

ويصور الفيلم كيف يتلاعب القادة بجنودهم ـ من خلال العنصرية الشرسة والاستهزاء بالدين ـ ويدفعونهم إلى القيام بعمليات وحشية ضد "قوات معادية" غير عدوانية. وحين يخطط الشرير في الفيلم، وهو القائد العسكري الأميركي، لتفجير الشجرة التي يقدسها السكان الأصليون، فهو يتباهي بأنه سوف يحدث حفرة عميقة في "ذاكرتهم العنصرية"، حتى أنهم لن يقتربوا من ذلك المكان مرة أخرى.

وحتى الآلة العسكرية الأميركية لا يمنحها الفيلم صورة بطولية. ففي محل الصور الكلاسيكية لفرسان الولايات المتحدة الشجعان وهم يشقون طريقهم عبر صفوف المتوحشين مكتسحين إياهم، أو لجنود المشاة الأميركيين المهذبين وهم يطهرون بشجاعة أوكار النازيين، سوف نرى في الفيلم تكنوقراطيين ضجرين، تغطيهم طبقات هائلة من التكنولوجيا، وهم يحرقون الوديان الخضراء ويذبحون المحاربين الأعداء والنساء والأطفال العزل، في حين يرتشفون القهوة ويتعاملون مع شاشات تعمل باللمس من حين إلى آخر.

أما الحوار الذي تتبادله شخصيات الفيلم (كل الاقتباسات تقريبية) فإنه من ذلك النوع الذي لا يخرق فقاعة احترام الذات الأميركية فيما يتصل بالعراق وأفغانستان. حيث تقول نايتيري البطلة من أهل البلاد الأصليين، والمحبوبة في النهاية، وكأنها تتحدث عن كل المغامرات الأميركية في الخارج: "لا ينبغي لك أن تكون هنا! إنك تبدو كالطفل". وفي إشارة إلى الفوضى التي أحدثها البطل المدمر، الذي يشعر باحترامه لذاته رغم ذلك، قبل أن يتحول إلى ساكن أصلي، تقول: "هذا خطأ ارتكبته أنت، ما كان ينبغي لهم أبداً أن يموتوا".

في وقت لاحق، وبعد أن بدأ سولي في إظهار التعاطف تجاه أولئك الذين أرسِل لخيانتهم، يقول للبيروقراطيين: "إذا كان الناس يعيشون على أرضٍ تريدونها فأنتم تسمونهم العدو". وبعد أن يؤمن بقضيتهم فإنه ينضم إلى حركة تمرد مضاد في الأساس، بل وحتى ما نستطيع أن نسميه " الجهاد ": "دعونا نثبت لشعب السماء (الولايات المتحدة) لمن هذه الأرض!". حتى أنه هو وفرقته الصغيرة يحتجزون في زنزانة ضيقة أشبه بزنازين جوانتانامو ويُطلَق عليهم وصف "خونة ".

إن السكان الأصليين عبارة عن خليط من الأصداء من كل الحروب الكبرى التي خاضتها الإمبراطورية، والتي عكرت صفو الضمير الأميركي المعاصر. ورغم أنهم من الناحية الجسدية عبارة عن خليط وهمي من الخيال العلمي ببشرتهم الزرقاء وحركاتهم الأشبه بتحركات القطط، فإنهم من الناحية الثقافية يشكلون مزيجاً بين الأميركيين الأصليين (الهنود الحُمر) والفيتناميين، بالإضافة إلى لكنتهم العربية .

وهم يتسمون بصفات يجدر بالأميركيين أن يتحلوا بها. فهم يحترمون بيئتهم، في حين يرون أن الأميركيين لابد وأن يعودوا إلى كوكبهم المحتضر، وذلك لأنهم على حد تعبير السكان الأصليين "قتلوا أمهم".

إن رحلة سولي لم تكن غزواً بل كانت بمثابة الصحوة بالنسبة له شخصياً والعلاقات الصادقة بالآخرين. فهو في مستهل الأمر يضحك وكأنه أمر مستحيل فيقول: "ومن أكون إذاً، هل أنا الشخص الشرير؟". ولكنه في النهاية يحاول تحذير فريقه الاستعماري من عقم نهجهم الوحشي: "ماذا لدينا من أجلهم؟ الجعة الخفيفة؟ الجينز الأزرق؟ إنهم لن يفرطوا في أرضهم المقدسة أبداً. وليس بين أيدينا ما قد يرغبون في اقتنائه".

من عجيب المفارقات هنا أن فيلم "أفاتار" قد يكون أقوى من أي قدر من المقالات الافتتاحية، أو الدورات التعليمية، أو حتى أصوات الاحتجاج من خارج الحدود الأميركية، في نفض الغبار عن معرفة الأميركيين المكبوتة بمدى ضحالة مجموع أساطيرهم الوطنية في مقابل تواجدهم القسري في بقية أنحاء العالم. ولكنني لا أشكو من هذا، فهوليود تتمتع بهذا القدر من القوة حقاً. ولكننا في حالة "أفاتار" سوف نجد أن القوة التي تتمتع بها صناعة السينما الأميركية كانت موجهة نحو معرفة الذات الأميركية وليس نحو الهروب من الواقع الأميركي.

Reprinting material from this Web site without written consent from Project Syndicate is a violation of international copyright law. To secure permission, please contact us.

Exit from comment view mode. Click to hide this space

Comments (0)

You need to login in order to leave a comment. If you do not yet have an account, please register.

Show comments of
close

The two commenting options explained

Watch a 1 minute video
to discover how you can comment on the entire article or a specific paragraph. The two images below also explain the two ways of commenting.

1) Entire article comment
Once logged in, simply click inside the comment box where it says "Enter text here." Enter and post your comment.

2) Paragraph comment
Please log in first. Then click to the left of the desired paragraph. Your cursor will automatically move to the comments box. Enter and post your comment.

Top Project Syndicate commentaries

Email this article

Your name is required.

Your email is required.


Your friend's name is required.

Your friend's email is required.


A message is required.