Friday, April 18, 2014
Exit from comment view mode. Click to hide this space
0

نصيحة روزفلت في التعامل مع بنوك أميركا العملاقة؟

واشنطن العاصمة ـ قبل ما يزيد قليلاً على المائة عام، قادت الولايات المتحدة العالم نحو إعادة النظر في كيفية عمل الشركات التجارية الكبرى ـ ومتى ينبغي تقييد قوة مثل هذه الشركات. وحين نسترجع الماضي الآن فسوف يتبين لنا أن التشريع الفاصل ـ ليس فقط في الولايات المتحدة، بل وعلى المستوى الدولي أيضاً ـ كان قانون شيرمان لمكافحة الاحتكار لعام 1890.

والواقع أن مشروع قانون دود-فرانك للإصلاح المالي، والذي يوشك مجلس الشيوخ الأميركي على إقراره، يفعل بالعمل المصرفي أمراً مماثلاً ـ طال انتظاره.

قبل عام 1890 كانت الشركات الضخمة تعتبر على نطاق واسع كيانات أكثر كفاءة وأكثر حداثة عموماً من الشركات الصغيرة. ولقد رأي أغلب الناس في دمج الشركات الأصغر حجماً في عدد أقل من الشركات الضخمة تطوراً يعزز الاستقرار ويكافئ النجاح ويسمح بالمزيد من الاستثمار المنتج. بيد أن ظهور أميركا باعتبارها قوة اقتصادية عظمى لم يصبح ممكناً إلا بفضل مصانع الصلب العملاقة، وشبكات السكك الحديدية المتكاملة، وحشد احتياطيات هائلة من الطاقة من خلال مشاريع مثل "ستاندرد أويل".

بيد أن الشركات المتزايدة الضخامة كان لها أيضاً تأثيرات اجتماعية عميقة، ولكن لم تكن كل هذه التأثيرات إيجابية. ذلك أن الأشخاص الذين أداروا الشركات الضخمة كانوا في كثير من الأحيان مجردين من المبادئ أو الضمير، وفي بعض الحالات كانوا يستغلون موقفهم المهيمن على السوق لإخراج خصومهم من المنافسة ـ الأمر الذي سمح للشركات الناجية بتقييد العرض ورفع الأسعار.

صحيح أن الهيمنة على السوق كانت واردة في الأسواق المحلية والإقليمية في أميركا في منتصف القرن التاسع عشر، ولكنها لم تكن شيئاً يذكر بالمقارنة بما شهده نصف القرن اللاحق. فقد عملت الشركات الضخمة على إدخال تحسينات كبرى على الإنتاجية، ولكن هذه التحسينات زادت أيضاً من قوة الشركات الخاصة ومكنتها من العمل على النحو الذي ألحق الضرر بالسوق الأوسع نطاقا ـ والمجتمع.

ولم يتمكن قانون شيرمان ذاته من تغيير هذا الوضع بين عشية وضحاها، ولكن بمجرد تولي الرئيس تيودور روزفلت لهذه القضية، تحول ذلك القانون إلى أداة قوية يمكن استخدامها لكسر الاحتكارات في مجال الصناعة والنقل. وبهذا، نجح روزفلت ومن ساروا على خطاه في تحويل إجماع الآراء إلى الاتجاه المعاكس.

كانت أولى قضايا روزفلت ضد شركة نورثن للأوراق المالية في عام 1902 مثاراً للجدال العميق. ولكن قرار تفكيك شركة ستاندرد أويل بعد عشرة أعوام ـ ولعلها كانت الشركة الأعظم قوة في تاريخ العالم حتى ذلك الوقت ـ كان في نظر الرأي العام قراراً معقولاً تماما. ولقد تمت عملية تفكيك شركة ستاندرد أويل على غرار الأسلوب الأميركي العظيم: حيث تم تفكيك الشركة إلى أكثر من ثلاثين قطعة، وكان أداء حاملي الأسهم جيداً للغاية، والتفتت عائلة روكفلر إلى إعادة تأهيل نفسها في أعين الرأي العام الأميركي.

ولكن لماذا لا تستخدم أدوات مكافحة الاحتكار هذه ضد بنوك اليوم العملاقة، والتي أصبحت تمتلك ما يكفي من القوة للتأثير على التشريعات والتنظيمات لصالحها، في حين تتلقى عمليات الإنقاذ السخية الممولة بأموال دافعي الضرائب؟

الإجابة هي أن هذا النوع من القوة التي تمتلكها البنوك الضخمة اليوم يختلف تماماً عما تخيله واضعو قانون شيرمان ـ أو هؤلاء الناس الذين عملوا على صياغة تطبيقاته في السنوات الأولى من القرن العشرين. ذلك أن البنوك لا تملك قوة تسعير الاحتكارات بالمعنى التقليدي، فضلاً عن ذلك فإن حصصها في السوق ـ على المستوى الوطني ـ أصغر من أن تؤدي إلى إطلاق تحقيق خاص بمكافحة الاحتكار في القطاعات غير المالية.

وفي إطار الإصلاحات المصرفية في الثلاثينيات من القرن العشرين تم فرض أسقف لأحجام البنوك، كما بُذِلَت بعض الجهود للحفاظ على مثل هذه القيود في قانون رايجل-نيل في عام 1994. ولكن كل هذه القيود نحيت جانباً أثناء عملية إزالة القيود التنظيمية طيلة السنوات الخمس عشرة الماضية.

ولكن الآن نشأ نوع جديد من مكافحة الاحتكار ـ في هيئة تعديل كانيورسكي، الذي كانت لغته بمثابة جزء لا يتجزأ من مشروع قانون دود-فرانك. وبمجرد تحول مشروع القانون إلى قانون فعلي، فإن الأجهزة التنظيمية الفيدرالية سوف تمتع بالحق وتتحمل المسؤولية عن الحد من أحجام البنوك الضخمة، كلما لزم الأمر، وتفكيكها إذا فرضت "خطراً داهماً" على الاستقرار المالي.

وهذا ليس احتمالاً نظريا ـ تجلت هذه المخاطر بوضوح في أواخر عام 2008 وأوائل عام 2009. ويظل من غير المؤكد بطبيعة الحال ما إذا كان القائمون على التنظيم سوف يتخذون مثل هذه الخطوات. ولكن طبقاً لتعبير النائب بول كانيورسكي، القوة الدافعة الرئيسية وراء هذا التعديل، فإن "الدرس الأساسي المستفاد من العقد الماضي هو أن القائمين على التنظيم المالي لابد وأن يستخدموا سلطتهم بدلاً من تدليل أصحاب المصالح في الصناعة".

وربما كان كانيورسكي محقاً في اعتقاده بأن الأمر لا يحتاج الكثير من الجهد. فهو يقول: "إذا أقدم شخص واحد فقط من القائمين على التنظيم على استخدام هذه الصلاحيات غير العادية (تفكيك البنوك الأضخم من أن يُسمَح لها بالإفلاس) ولو لمرة واحدة، فإن هذا من شأنه أن يبث رسالة قوية، رسالة قادرة على إرغام شركات الخدمات المالية على إصلاح الكيفية التي تتصرف بها إلى الأبد".

إن الجهات التنظيمية قادرة على القيام بالكثير، ولكنها تحتاج إلى التوجيه السياسي من أعلى المستويات من أجل إحراز تقدم حقيقي. وإذا كان شعار تيدي روزفلت المفضل هو "تحدث بلطف واحمل عصا غليظة"، فإن تعديل كانيورسكي يُعَد بمثابة عصا غليظة للغاية. ولكن تُرى من قد يُقدِم على التقاطها واستخدامها؟

Exit from comment view mode. Click to hide this space
Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured