Wednesday, April 23, 2014
Exit from comment view mode. Click to hide this space
0

تحول كوتشنر

جاء قرار الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي بتعيين برنارد كوتشنر وزيراً لخارجية فرنسا بمثابة ضربة سياسية عبقرية. فبعد أن ألحق الهزيمة بمنافسته الاشتراكية سيغولين رويال ، قرر ساركوزي إن يزيد من تعقيد الأزمة التي يمر بها الاشتراكيون، وذلك بتعيين العديد من الساسة الذين ارتبطوا لمدة طويلة بيسار الوسط في حكومته. كما أقنع ساركوزي سيدتين من أصول مهاجرة، وهما راما يادي والناشطة النسائية المشهورة فيديلا أمارا ، بقبول منصبين أقل من وزاريين، بينما كان كوتشنر واحداً من أشهر الشخصيات السياسية في فرنسا طيلة الأعوام العديدة الماضية.

إن الشعبية التي يتمتع بها كوتشنر لافتة للنظر حقاً. فعلى الرغم من اشتغاله بالسياسة لعقود من الزمان، إلا أنه لم يشغل أي منصب حكومي منذ عمل نائباً لوزير الصحة في حكومة رئيس الوزراء الاشتراكي السابق ليونيل جوسبان ، إلا أن كوتشنر ، سواء بفضل قوة فطنته وموهبته، كما يزعم هو ومناصروه، أو بفضل براعته الفائقة في الدعاية لنفسه وتلميع صورته، كما يقول العديد من خصومه ومنتقديه، نجح في البقاء في وسط الساحة السياسية بصرف النظر عن هوية رئيس فرنسا أو رئيس وزرائها.

إلا أن الوقت كان قد بدأ يتأخر بالنسبة لكوتشنر، الذي شارك في تأسيس منظمة "أطباء بلا حدود" لأعمال الإغاثة الإنسانية، والذي انفصل عن المنظمة لاحقاً لكي يؤسس منظمة إنسانية ثانية تحت اسم "أطباء العالم"، والذي تولى إدارة كوسوفو تحت وصاية الأمم المتحدة في أعقاب حرب منظمة حلف شمال الأطلنطي ضد صربيا في العام 1999. فقد بلغ كوتشنر من العمر اليوم 67 عاماً. وفي الواقع العملي للأمر، ربما كانت دعوة ساركوزي له بمثابة الفرصة الأخيرة التي تتاح أمامه للاضطلاع بدور سياسي ودولي رئيسي.

ولكن ما نوع الدور الذي يستطيع أن يضطلع به؟ إن كوتشنر لم يخترع مبدأ "حق التدخل". فهذه التسمية ترجع إلى المنظر القانوني الإيطالي ماريو بيتاتي . إلا أن كوتشنر معروف بأنه واحد من أشد مناصري هذا المبدأ. فمنذ سبعينيات القرن العشرين يزعم كوتشنر أن الدول تتحمل واجب منع الحكومات الاستبدادية من ارتكاب أسوأ أشكال الانتهاكات ضد شعوبها. ورغم أنه لم ينكر أن سيادة الدولة تشكل الأساس الذي يقوم عليه النظام الدولي، إلا أنه أصر أن سيادة الدولة ليس من الجائز أن تشكل رخصة تبيح للحكومات القتل.

كانت كلماته فصيحة وبليغة ولاقت الاستحسان لدى أصحاب الضمائر في كافة أنحاء أوروبا. ويزعم بعض المراقبين أن "حق التدخل" خدم كإلهام للعديد مما أطلق عليه "تدخلات إنسانية" في البلقان وأفريقيا في التسعينيات. فضلاً عن ذلك فقد مهد موقف كوتشنر الطريق أمام الأمم المتحدة لتتبنى المبدأ الأكثر دعماً للتدخل تحت مسمى "مسئولية الحماية" ـ وهو بمثابة توجيه الدعوة إلى القوات العسكرية الخارجية لمنع التطهير العرقي أو انتهاكات حقوق الإنسان على نطاق واسع ـ أثناء تولي كوفي أنان منصب سكرتير عام الأمم المتحدة.

كان كوتشنر ثابتاً على المبدأ طيلة حياته المهنية. وطبقاً لرؤيته للعمل الإنساني فإن الإغاثة لم تكن تشكل في حد ذاتها هدفاً ـ ترى وجهة النظر التقليدية للصليب الأحمر الدولي أن العمل الإنساني لازم لتخفيف أسوأ الآثار المترتبة على الحروب والكوارث الطبيعية ـ بل إنها تشكل أيضاً وسيلة لتقويم الأخطاء ورفع الظلم. وإنه لفارق جوهري.

تصر وجهة نظر الصليب الأحمر الدولي، التي تبناها زملاء كوتشنر السابقين في منظمة أطباء بلا حدود، على أن العمل الإنساني عبارة عن نشاط على قدر عظيم من الأهمية إلا أنه في نفس الوقت نشاط محدود ولن يتحقق تأثيره إلا من خلال تفهم الحدود التي تقيده. أما وجهة نظر كوتشنر فهي ترى أن العمل الإنساني من الممكن أن يشكل أداة لتغيير العالم، والتفكير في أي هدف أقل من ذلك يشكل تقصيراً في أداء واجب أخلاقي.

بعبارة أخرى، نستطيع أن نقول إن الصليب الأحمر الدولي ومنظمة أطباء بلا حدود يؤمنان بالحيادية ويتشككان في دوافع الدول الخارجية التي قد تتدخل، بينما يرى كوتشنر أن العمل الإنساني لابد وأن يُـفهَم باعتباره جزءاً مما أسماه الكاتب السياسي الكندي مايكل إغناتيف "ثورة الاهتمام". وطبقاً لهذا فلن يصبح من الجائز التسامح مع الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان أو محاولات الإبادة أو التطهير العرقي. وحين تحدث مثل هذه الحالات فيتعين على الدول أن تكون على أتم استعداد للتدخل لإنهاء هذه الأوضاع، سلمياً إن أمكن، وبالقوة العسكرية إذا لزم الأمر.

إن النتيجة الطبيعية لهذا المبدأ، والتي نادراً ما تُـذكر صراحة، تتلخص في تغيير الأنظمة الحاكمة. وهذا هو ما دعا إليه الناشطون من أمثال كوتشنر في رواندا وكوسوفو، سواء اعترفوا بهذا أو لم يعترفوا، حتى لأنفسهم،. وربما يفسر هذا لماذا كان كوتشنر واحداً من الشخصيات الفرنسية المهمة القليلة التي أيدت الإطاحة بنظام صدّام حسين على يد التحالف الأنجلوأميركي (وهو ما لم يفعله ساركوزي ). المدهش في الأمر أن يتولى الرجل الذي يؤمن بتغيير الأنظمة بهذا القدر من الإصرار مثل هذا المنصب المهم في الحكومة الفرنسية، حتى بعد الفشل الذريع في العراق.

ربما كانت الدروس التي خرج بها العالم من مأساة العراق أقل مما كنا نتمنى. ولكن إحقاقاً للحق، كانت دوافع ساركوزي إلى تعيين كوتشنر كانت مرتبطة بمحاولته إفقاد خصومه الاشتراكيين لتوازنهم، أكثر من ارتباطها بمبدأ "حق التدخل". حتى أن كوتشنر ذاته قد تراجع بصورة جذرية عن إصراره على التدخل الفوري لحماية اللاجئين والنازحين داخلياً في دارفور من التعرض للمزيد من المذابح على يد ميليشيا الجانجويد التي تدعمها الحكومة السودانية. كان ذلك وصفاً للناشط كوتشنر . أما وزير الخارجية كوتشنر ، فهو يدعو إلى عقد المؤتمرات الدولية، ويتحدث عن إنشاء مجموعات اتصال، وعن الحاجة إلى العمل المدروس.

لا ينبغي لنا أن نندهش من كل ما سبق. فعلى الرغم من كل التصريحات الأشد حرارة وحماساً، والتي أطلقها كوتشنر وغيره من الناشطين في مجال حقوق الإنسان، إلا أن الدول لا تبدي أي ميل إلى العمل على نحو خالٍ من الأنانية، ولا يرغب الناخبون في مشاهدة أبنائهم وبناتهم يقتلون في حروب إنسانية. الحقيقة أن تعيين كوتشنر من المرجح أن يثبت كم كان أمل التدخل الإنساني مجرد عبث على الدوام.

قد لا يكون الأمر بهذا القدر من السوء. فقد كان كوتشنر يرغب دوماً في الوصول إلى منصب الوزير. وربما تعود جماعات الإغاثة الإنسانية الآن إلى القيام بعملها الذي يتسم بقدر عظيم من الأهمية دون محاولة تغيير وجه العالم.

Exit from comment view mode. Click to hide this space
Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured