Wednesday, October 22, 2014
0

إمبراطورية حقوق الإنسان

نيويورك ـ لماذا نرى السفن الحربية الفرنسية والبريطانية والأميركية، وليس السفن الصينية أو الماليزية، راسية بالقرب من ساحل بورما، محملة بالأغذية وغيرها من الاحتياجات الضرورية اللازمة لمساعدة ضحايا إعصار نارجيس؟ وما السبب وراء تباطؤ رابطة بلدان جنوب شرق آسيا ( ASEAN ) واستجابتها الضعيفة في التعامل مع هذه الكارثة الطبيعية التي دمرت بلداً من المنتمين إلى عضويتها؟

كان وزير حقوق الإنسان الفرنسي الشاب راما يادي قد أعلن أن المبدأ الذي تبنته الأمم المتحدة في "المسؤولية عن الحماية" لابد وأن يطبق على بورما، وبالقوة إذا لزم الأمر. كما قال زعيم المعارضة الماليزي ليم كيت سيانغ إن تقاعس الدول الآسيوية عن التعامل مع هذه الكارثة "ينعكس بصورة كئيبة على كافة زعماء رابطة دول جنوب شرق آسيا وحكوماتها. إذ أنهم قادرون بلا أدنى شك على تقديم المزيد".

هل نستطيع إذاً أن نقول ببساطة إن الأوروبيين والأميركيين أكثر رحمة من الآسيويين؟

نظراً لسجل الغرب الحافل بالحروب المروعة والاستعمارية الوحشية، فليس من المرجح أن تكون هذه هي الحال. فضلاً عن ذلك فإن الطريقة التي احتشد بها المواطنون الصينيون العاديون لمساعدة ضحايا زلزال سيشوان كانت حقاً مثيرة للإعجاب، تماماً كما كانت الجهود العفوية التي بذلها الناس في بورما لمساعدة أخوانهم المواطنين، حتى مع أن المؤسسة العسكرية الحاكمة هناك لم تبذل إلا أقل القليل من الجهد في هذا السياق. إن الديانة البوذية تؤكد على الشفقة والرحمة، مثلها في ذلك كمثل الديانة المسيحية. ولا تدعو أي من الثقافات الآسيوية إلى تجاهل معاناة الناس.

لم يُـبْد أي من البلدان الأعضاء من آسيا أي اعتراض حين تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في العام 1948. وينص الإعلان على "الاعتراف بكرامة الإنسان وكفالة الحقوق المتساوية لكل فرد من أفراد الأسرة الإنسانية كأساس للحرية والعدالة والسلام في العالم"؟

ولكن قد تظل هناك بعض الفوارق الثقافية في فهم كيفية توظيف هذا النوع من الرحمة. إذ أن فكرة المساواة العالمية في الحقوق تدين على نحو ما لتاريخ الحضارة الغربية، بداية من "العدالة الطبيعية" في فلسفة سقراط إلى المسيحية وإعلان حقوق الإنسان في فرنسا. بيد أن الشعوب الغربية لم تكن دوماً على مستوى مُـثُلها العالمية، إلا أنها عملت أثناء العصور الحديثة على بناء المؤسسات المصممة لتطبيق تلك الـمُثُل، في أوروبا وغيرها من مناطق العالم. وحتى يومنا هذا لا توجد مؤسسات تشمل كامل آسيا لحماية حقوق الإنسان الآسيوية، ناهيك عن حقوق الإنسان على المطلق.

في واقع الأمر، كثيراً ما تنتقد الصين وغيرها من دول آسيا الغرب فتتهمه باستغلال حقوق الإنسان كحجة لفرض "القيم الغربية" على مستعمراته السابقة. ومن المؤكد أن مثل هذه الاتهامات شائعة بصورة خاصة في الأنظمة الاستبدادية، التي ينظر حكامها والمصفقون لهم إلى فكرة حقوق الإنسان العالمية باعتبارها تهديداً لاحتكارهم للسلطة والنفوذ. بيد أن انعدم الثقة في العالمية في آسيا ليس مقتصراً على الأنظمة المستبدة.

في العديد من بلدان آسيا تؤدي المحسوبية إلى خلق نوع ثابت من الالتزام، الذي ربما تكون مسؤولاً عن امتناع الناس في بعض الأحيان عن التدخل في مشاكل الآخرين. فأنت ملزم هناك برعاية أسرتك وأصدقائك، بل وحتى أخوانك في الوطن. إلا أن فكرة العمل الخيري العالمي ما زالت هناك تفسر بقدر كبير من التجريد، وما زالت تستحضر في أذهان الناس التدخلات المرفوضة التي مارسها الاستعماريون الغربيون ـ والمبشرون المسيحيون الذين جاءوا في أعقابهم ـ في الشرق لقرون طويلة.

إن فكرة "القيم الآسيوية" التي روجت لها الصحف الرسمية في سنغافورة في الأغلب، كانت في جزء منها عبارة عن انتقاد للمزاعم الغربية القائمة على فكرة العالمية. فالآسيويون طبقاً لهذه النظرية لديهم قيمهم الخاصة، التي تتضمن الحرص، واحترام السلطة، والتضحية بالفرد لتحقيق مصلحة الجماعة، والاعتقاد في أهمية امتناع الدول عن حشر أنوفها في شؤون الآخرين. ومن هنا كانت الاستجابة الضعيفة من جانب حكومات جنوب شرق آسيا ـ والرأي العام هناك ـ في التعامل مع الكارثة التي ألمت ببورما.

في انتقادنا لهذا الخط من التفكير قد نزعم ببساطة تفوق القيم الغربية. بيد أن الرد بطريقة أخرى أكثر تعاطفاً من شأنه أن يبين أن حقوق الفرد ومفاهيم الحرية ليست غريبة على الحضارات غير الغربية.

أشار أمارتيا سِن ، العالِم الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد، إلى أن حكام الهند العظماء، مثل آشوكا (القرن الثالث قبل الميلاد) و أكبر (القرن السادس عشر)، كانوا يدافعون عن التعددية والتسامح والحوار المقنع، قبل مدة طويلة من عصر التنوير في أوروبا. كما لاحظ أيضاً أن المجاعات لا تحدث في ظل الأنظمة الديمقراطية، لأن حرية المعلومات تساعد في منعها.

ليس من المدهش أن نعرف أن سِـن من أشد منتقدي مدرسة "القيم الآسيوية" حِدة. ولكن مع هذا فقد شاع رأي يزعم أن الديمقراطية، مثلها كمثل حقوق الإنسان العالمية، هي في الحقيقة فكرة غربية، وأن نظام الحكم المطلق في آسيا، كما يمارس في الصين على سبيل المثال، ليس أكثر توافقاً مع الآسيويين فحسب، بل إنه أكثر كفاءة وفعالية أيضاً. إذ أن جماعات الضغط، والمصالح الخاصة، والرأي العام، والسياسات الحزبية، وما إلى ذلك، تفرض قيوداً على الحكومات الديمقراطية، بينما تستطيع أنظمة الحكم المطلق في آسيا اتخاذ القرارات الضرورية رغم أنها قد لا تتمتع بالشعبية.

خضعت هذه الفكرة لاختبار قاسٍ في ظل الكارثتين الطبيعيتين اللتين ضربتا بورما والصين مؤخراً. فلم يكن أداء الصين سيئاً للغاية في التعامل مع الكارثة الأخيرة، لأن حكومتها أرغمت على التحرك السريع وتوفير قدر أعظم من حرية المعلومات على غير العادة، في ضوء تجربة بورما الفاشلة في التعامل مع كارثتها، فضلاً عن الدعاية السيئة التي أحاطت بقضية المظاهرات في التيبت، والألعاب الأوليمبية الوشيكة. ولا نملك إلا أن نتمنى أن تتسع هذه الفرجة من الحرية مع الوقت.

أما بورما فقد أخفقت على نحو مشين في التعامل مع كارثتها، رغم الجهود المتأخرة التي بذلتها لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، تماماً كما فعلت رابطة دول جنوب شرق آسيا. بطبيعة الحال، ليس من المهم كثيراً في نهاية المطاف أن نعزو فشل أنظمة الحكم المطلق وامتناعها عن التدخل إلى قيم آسيوية خاصة أو غير ذلك. إذ أن العواقب التي شاهدناها جميعاً كانت باعثة على الأسى، أياً كانت الأسباب التي أدت إليها.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured