بروكسل ـ يُقال إن ثمن الحرية هو اليقظة الدائمة. ولكن هذا الثمن قد يتخذ هيئة قرارات جديرة بالازدراء أخلاقياً حيث يتحمل الأبرياء وطأة التكاليف المترتبة على الدفاع عن الحرية.
وتحت غطاء الحرب الباردة، كانت الحكومات الغربية تضطر على نحو منتظم إلى اتخاذ العديد من القرارات الواقعية على المستوى الاستراتيجي ولكنها ذميمة ومثيرة للاشمئزاز على المستوى الأخلاقي. وكان الناس يتقبلون طغاة مثل موبوتو في زائير أو سوهارتو في إندونيسيا استناداً إلى مبدأ: "قد يكون هذا الطاغية غير شرعي، ولكنه على الأقل طاغية غير شرعي من بيننا". فضلاً عن ذلك فإن كافة الأشكال المثيرة للريبة والشكوك من "المناضلين باسم الحرية"، من الكونترا في نيكاراجوا إلى حسين حبري في تشاد إلى جوناس سافيمبي في أنجولا، كانت تتلقى الأسلحة والدعم السياسي من الغرب. وحتى الخمير الحمر الذين مارسوا الإبادة الجماعية كانت الولايات المتحدة لفترة وجيزة تدافع عنهم جزئياً في معاقلهم في الغابات بعد طردهم من بنوم بنه.
وبعد مرور عشرين عاماً منذ انتهت الحرب الباردة، كان الغرب في بعض الأحيان يقر بواجبه في التكفير عن الأخطاء التي ارتكبها في حق هؤلاء الذين كانوا يمثلون، بالمعني الواقعي الحرفي للمصطلح، "أضراراً جانبية" لذلك الصراع الإيديولوجي. على سبيل المثال، أصبحت الآن أغلب البلدان التي وضعها روزفلت وتشرشل تحت رحمة ستالين جزءاً من الاتحاد الأوروبي. ولكن هناك قصص أخرى لا تُحصى ولا تُعَد لشعوب تكبدت ثمناً باهظاً في سبيل حصول الغرب على حرياته، ولكنها رغم ذلك لم تسترع قدراً يُذكَر من الانتباه.
وكان مصير أهل شاجوس، السكان السابقين لجزر شاجوس في المحيط الهندي، مؤلماً بشكل خاص. والواقع أن الطريقة المنهجية التي تم بها انتزاع أملاك سكان هذا الأرخبيل وطردهم من أراضيهم باسم المصالح الاستراتيجية الغربية تشكل في واقع الأمر مأساة إنسانية يتعين على الغرب أن يسارع إلى إصلاح آثارها.
وأثناء الفترة بين عامي 1968 و1973، قامت حكومات حزب العمال والمحافظين بتنظيم إجلاء كل من كانوا يعيشون على الجزر الخمس والخمسين التي تشكل الآن منطقة المحيط الهندي البريطانية، والتي تم فصلها عن موريشيوس في وقت استقلالها. ولقد تم هذا بناء على طلب من الولايات المتحدة، التي كانت في ذلك الوقت متورطة في حرب فيتنام، وكانت لأسباب أمنية مفهومة في احتياج لاستخدام جزيرة دييجو جارسيا لتحويلها إلى قاعدة جوية وبحرية. ولقد ادعى وزير الخارجية البريطانية في ذلك الوقت أن جزر شاجوس لا يقيم عليها سكان مستقرون.
وعلى هذا فقد تم شحن أهل شاجوس إلى جزر سيشل وموريشيوس، حيث تركوا ليتدبروا أمورهم بأنفسهم، فنبِذوا وعزِلوا، واستسلم العديد منهم للأمراض النفسية، وإدمان المخدرات وتعاطي الكحول.
وعلى الرغم من التأثير المأساوي لهذا الإجلاء الإجباري، فإن أهل الجزر لم يتخلوا قط عن المطالبة بحق العودة إلى ديارهم. وفي النهاية انتقل العديد من أهل شاجوس بعيداً عن سيشل وموريشيوس، فاستقر بعضهم في لندن. وكانوا يشكلون شوكة دائمة في خاصرة الحكومات البريطانية المتعاقبة، ولكن أخيراً وبعد طول انتظار يبدو أن حكومة رئيس الوزراء ديفيد كاميرون الائتلافية تسعى إلى معالجة هذه القضية بطريقة عادلة وإنسانية.
ويريد أهل شاجوس العودة إلى الجزر الخارجية لأرخبيل شاجوس، وهم لم يسعوا قط إلى إعادة استيطان جزيرة دييجو جارسيا، التي تظل خارج الحدود، حيث أنها مؤجرة لحكومة الولايات المتحدة حتى عام 2016 ـ ولا تزال تلعب دوراً بالغ الأهمية في الحفاظ على أمن الغرب ودفاعه. وفي ضوء إصرار كاميرون على تصحيح العلاقة بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة ووضعها على مسار متكافئ مقارنة بوضع العلاقة في ظل حكومة حزب العمال، فإن الأمل يحدوني في أن يطرح كاميرون هذه المسألة على إدارة أوباما؛ والواقع أن وزير خارجية المملكة المتحدة السابق روبين كوك ووزيرة خارجية الولايات المتحدة السابقة مادلين أولبرايت كانا قد اقتربا من إتمام اتفاق في هذا السياق قبل بضعة أعوام. وعلى الرغم من المزاعم التي تدعي العكس فلا يوجد تهديد محتمل لمصالح الولايات المتحدة من عودة أهل الجزر إلى الجزر الخارجية، التي تبعد مئات الكيلومترات عن جزيرة دييجو جارسيا.
وقبل عشرة أعوام أحرز أهل شاجوس نصراً هائلاً في المحكمة البريطانية العليا، التي حكمت بأن طرد أهل الجزر كان غير قانوني، وبأنهم لابد وأن يسمح لهم بالعودة. وفي مستهل الأمر تقبلت الحكومة ذلك الحكم، ولكن الحكم نُقِض بواسطة مرسوم ملكي (أمر تنفيذي صادر عن الملكة وليس بموجب قانون أقره البرلمان) في عام 2004.
قد لا يكون المجال الآن مناسباً لمناقش مدى ملاءمة المراسيم الملكية كأداة تشريعية يستعان بها في دولة ديمقراطية في القرن الحادي والعشرين، ولكن هذا القرار أظهر قدراً عظيماً من عدم احترام حقوق الإنسان الأساسية لأهل شاجوس. وفي وقت سابق من هذا العام شهدنا تصرفاً هازئاً مماثلاً عندما أعلن ديفيد ميليباند، وزير الخارجية البريطاني المنتهية ولايته، أن جزر شاجوس منطقة بحرية محمية، وهو ما من شأنه أن يمنع أهل الجزر ـ إذا عادوا إليها في النهاية ـ من كسب معايشهم بصيد الأسماك.
وكثيراً ما استخدمت وزارة الخارجية البريطانية حجة واهية مفادها أن إعادة توطين أهل شاجوس سوف تكون باهظة التكاليف. ولكن حين تقدمت باستجواب برلماني إلى المفوضية الأوروبية مؤخرا، أشار المفوض المسؤول عن سياسات التنمية، أندرياس بيبالجس، إلى أن المفوضية سوف تدرس أي طلب مقدم من المملكة المتحدة للتمويل المشترك لعملية إعادة توطين أهل شاجوس، وهو الأمر الذي يعتبره الاتحاد الأوروبي مسألة سيادية خاصة بالمملكة المتحدة.
وبعد مرور عشرة أعوام منذ الانتصار القانوني الذي حققه أهل شاجوس بشق الأنفس ـ وهو الانتصار الذي بدا وكأنه لم يعمل إلا على تعزيز إصرار وزارة الخارجية على منعهم من العودة إلى الجزر ـ قرروا حمل قضيتهم إلى محكمة حقوق الإنسان الأوروبية، التي اقترحت سحب القضية لصالح "التسوية الودية". إن العديد من أهل شاجوس الذين استقروا في المملكة المتحدة يفضلون العودة إلى ديارهم الأصلية على الفور ـ لو سمحت لهم الحكومة بذلك.


Comments (0)
You need to login in order to leave a comment. If you do not yet have an account, please register.
The two commenting options explained
Watch a 1 minute video
to discover how you can comment on the entire article or a specific paragraph. The two images below also explain the two ways of commenting.
1) Entire article comment
Once logged in, simply click inside the comment box where it says "Enter text here." Enter and post your comment.
2) Paragraph comment
Please log in first. Then click to the left of the desired paragraph. Your cursor will automatically move to the comments box. Enter and post your comment.