Monday, October 20, 2014
4

أزمات الصيف

برينستون ــ إن الأزمة الأوروبية توشك على الدخول في اللحظة الفارقة بين التعافي والتجديد وبين الانحدار والموت. ففي حين زعم المعلقون والمحللون الماليون قبل بضعة أسابيع أن بضعة أشهر فقط هي المتبقية لإنقاذ أوروبا، يتنقل كبار الساسة الآن مترنحين من قمة إلى قمة وقد زعموا مؤخراً أن المهلة المتبقية أصبحت مجرد أيام.

إن أزمات الصيف سمة مألوفة في التاريخ الأوروبي ــ والتاريخ المالي. والواقع أن القرن العشرين تَشَكَّل بفعل ثلاث أزمات صيفية، والتي تفاقمت خطورتها في كل حالة بسبب غياب كبار صناع القرار السياسي الذين كانوا في عطلة.

بعد عامين من الآن، سوف يحيي الأوروبيون الذكرى المئوية لاغتيال الأرشيدوق فرانز فرديناند في الثامن والعشرين من يونيو/حزيران من عام 1914، ثم "أزمة يوليو/تموز" التي أعقبت ذلك والتي أشعلت الحرب العالمية الأولى في شهر أغسطس/آب من نفس العام. وفي الثالث عشر من يوليو/تموز من عام 1931، انهار النظام المصرفي الألماني، لتتحول دورة الانحدار الاقتصادي في أميركا إلى أزمة الكساد الأعظم على مستوى العالم. وفي الخامس عشر من أغسطس/آب من عام 1971، أنهى الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون التزام الولايات المتحدة بسعر الذهب الثابت، الأمر الذي أدى إلى عشرة أعوام من عدم استقرار العملة على مستوى العالم.

كانت كل من هذه الأزمات تشتمل على قضية فنية بحتة، ولكنها اشتملت أيضاً على مجموعة أكثر اتساعاً من المشاكل السياسية. وفي كل من هذه الحالات كان اقتران الفني بالسياسي سبباً في إنتاج الكارثة.

ففي يوليو/تموز 1914، كان الدبلوماسيون يحاولون ابتكار حل من شأنه أن يسمح لإمبراطورية هابسبورج بالتعامل مع التحقيق الشرطي عبر الحدود، والذي كان حتمياً بعد الهجمة الإرهابية. وكان الزعماء السياسيون يفكرون في النهضة الوطنية وتوكيد الذات.

وفي عام 1931 كان الخبراء مشغولين بالتعقيدات التي فرضتها مجموعة من التعويضات وديون الحرب الناشئة عن الحرب العالمية الأولى مع مديونيات ضخمة مستحقة على القطاع الخاص. وكانت الحركات السياسية الشعبوية في العديد من البلدان لا تزال تفكر في الإحياء الوطني وتوكيد الذات.

وفي عام 1971، كانت المسألة الفنية تتعلق بالدور الذي يلعبه الدولار في النظام النقدي الدولي. ولكن الساسة في دول أخرى أيضاً شعروا بعد ارتياح إزاء المركزية المستمرة التي اكتسبتها الولايات المتحدة في نظام ما بعد الحرب.

وفي كل من هذه الأزمات الصيفية، لم يكن التصدي للمسألة الفنية كافياً لحل المشكلة. ويصدق هذا على الحال اليوم أيضا.

الواقع أن أزمة أوروبا الحالية تعكس بالضبط نفس الخليط من العناصر، التي يتطلب كل منها نمطاً مختلفاً من الحلول. فمن ناحية، هناك مجموعة معقدة من الأزمات المالية الوطنية، فضلاً عن مشاكل مصرفية على نطاق أوروبا بالكامل، تدعو إلى عملية إنقاذ شاملة وتفصيلية. ومن ناحية أخرى، هناك مشكلة أساسية تتعلق بالحكم في أوروبا ــ على كل من المستوى الوطني ومستوى مؤسسات الاتحاد الأوروبي فوق الوطنية ــ كانت حدتها في اشتداد منذ أوائل تسعينيات القرن العشرين.

والمطلوب الآن لحل المسألة الفنية يتلخص في وجود آلية ما لتولي المسؤولية عن الديون القائمة ومنع الاقتراض المفرط في المستقبل. في الولايات المتحدة، تفاوض ألكسندر هاملتون فيما يتصل بتولي السلطة الفيدرالية المسؤولية عن ديون الولايات في عام 1970، ولكن العديد من الولايات تصرفت بقدر كبير من السوء في أوائل القرن التاسع عشر، مع حالات إفلاس متعددة، إلى أن تبنت القوانين أو أدخلت التعديلات اللازمة على دساتيرها والتي ألزمت الولايات بموازنات منضبطة.

ويحتاج الاتحاد الأوروبي إلى سلطة مالية ما خاصة به إذا كان له أن يعمل على إنجاح الاتحاد الاقتصادي والنقدي في أوروبا. وإنها بالفعل لميزة عميقة أن الرسوم الجمركية في إطار الاتحاد الجمركي لا تزال تدار على المستوى الوطني.

لقد جعل هاملتون من الجمارك الفيدرالية عنصراً رئيسياً في اقتراحه. وإضفاء صبغة أوروبية على جزء ما من ضريبة القيمة المضافة من شأنه أن يشكل تقدماً هائلاً في مكافحة الاحتيال الواسع النطاق الذي يعمل النظام الحالي على تغذيته. ولا تكتمل قدرة العمالة على الانتقال أيضاً في غياب أنظمة مشتركة لمعاشات التقاعد والإعانات: في ظل الترتيبات الحالية، لا يحصل العامل الذي يقضي خمسة أعوام في فرنسا، وخمسة أعوام في اليونان، وخمسة أعوام في ألمانيا، إلا على مجموعة مجزأة من الاستحقاقات الضئيلة. ولقد عملت الأزمة بالفعل على اتساع مدى مثل هذه الهجرات داخل أوروبا.

ولكن أي حل لن يكون مقبولاً ما لم يجد قبولاً واسعاً في مختلف أنحاء أوروبا، في الدول المدينة والدائنة على السواء. ولا يوجد من الأسباب ما قد يمنع استقبال أي حل دستوري يشتمل على تقييد الديون بقدر كبير من القبول الشعبي، وبخاصة في الدول المدينة، التي شهدت الضرر السياسي والاقتصادي الناجم عن إسراف الحكومات السابقة.

إن السبب وراء ردة الفعل الشعبوية هذه يكمن في مشهد السلطات السياسية وهي تعمل على ابتكار حلول معقدة فنياً وتفتقر إلى المصداقية. ويتعين على الخبراء ببساطة أن يكفوا عن التعامل مع المواطنين الأوروبيين وكأنهم أغبياء.

ولهذا السبب، تحتاج أوروبا إلى تجديد دستوري أطول أمدا، من خلال إبرام معاهدات جديدة، بقدر ما تحتاج بشدة إلى إصلاحات قصيرة الأمد. والالتفاف حول المعاهدات القائمة لا يختلف كثيراً عن بعض الوصفات القديمة ــ إنكار المشاكل الضخمة التي يراها الجميع. والواقع أن الجماهير لها كل العذر في النفور من مثل هذه الألاعيب.

ولنتأمل هنا إحدى الأزمات الأوروبية التي انتهت إلى نتائج طيبة. في السادس عشر من يونيو/حزيران من عام 1940، اقترح ونستون تشرشل إنشاء اتحاد سياسي فرنسي بريطاني في أعقاب الغزو الألماني لفرنسا. وبعد عشرة أعوام، اقترح مستشار ألمانيا الغربية كونراد أديناور إنشاء اتحاد سياسي فرنسي ألماني. وهذا هو القدر من الجرأة الذي نحتاج إليه الآن.

في الماضي كنت الحروب والمعاناة كفيلة بتوحيد الشعوب. ولكن هل الأزمة الأوروبية الحالية شديدة وموجعة بالقدر الكافي لتوليد تأثير مماثل؟ كلما اشتد عناء أوروبا، كلما كانت نظرة شعوبها صحيحة للأجندة الإصلاحية التدريجية بوصفها لا شيء أكثر من مجرد ضرب من ضروب العبث.

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali

Hide Comments Hide Comments Read Comments (4)

Please login or register to post a comment

  1. CommentedProcyon Mukherjee

    This is in response to Gary’s repeated reference to public debt and taxation and its equivalence and costs. Let me try to bring in a dynamic that goes beyond the simplistic paradigm that Gary has constructed. The first part of the dynamic is that the tax revenues are cyclical with a slight phase lag with the business cycles and there is therefore the attempt made towards ‘tax smoothening’. The second part of the dynamic is the attempt towards inflation targeting and making a one-on-one increase in the nominal interest rate versus a larger increase and how the market participants respond to it; too much of restraint by the market participants renders the passive fiscal policies infeasible therefore. The third is the threshold level of public debt and beyond which monetary policy independence is doubtful. There is beyond this the issue of general price level, private wage and general employment level dynamics.

    Procyon Mukherjee

      CommentedGary Marshall

      Hello Procyon,

      I have already addressed your points in a previous post.

      The short proof only shows that Taxation has no financial benefit for a nation.

      If a nation were to borrow instead of Tax, the assets created will equate to the sired liabilities.

      The proof may be simple, but its intended to be simple so that one may easily understand it.

      As Taxation has no financial benefit, then why does any nation Tax to fund its public expenditures?

      I know that tax revenues are cyclical. The government expends most when the economy is at its peak. It then expends less when the economy recedes. The very opposite of what prudent policy should be. This time around, governments expended greatly at the height of the business cycle, and then far more during the recession, greatly enlarging government participation in the economy and ensuring enduring high levels of participation.

      I don't know what you mean, Procyon, by some attempt at tax smoothing. What exactly is the practice and how does it apply to current public finance practices?

      By abolishing Taxation and solely borrowing, a nation's public expenditures will reach a maximum when the interest rate reaches a minimum, and a minimum when the interest rates a maximum. This should greatly temper ruinous fiscal tendencies inherent in Taxation and save the nation a hell of a lot of pain.

      With borrowing, government will be forced by its petulant and perpetual banker to justify every public expenditure. As funds will now come with a capital charge, the government will be compelled to ensure returns greater than all costs. This measure should get rid of all that public squander and destructive inflation now infesting every public expenditure undertaken with borrowed money. As there shall be no inflation, there will not be no further need for inflation targeting by any monetary authority. As there shall be little squander, the nation shall produce at rates far greater than previously, ensuring a wealthier nation for all.

      Employment will soar when the deterrent effect of Taxation is removed from the economy. Individuals and firms will no longer have to factor in the harmful effects of Taxation in calculating economic outcomes on their household or commercial activities.

      General price levels will fall with the great constraints now placed upon ruinous fiscal policies or squander in troubled times and in good times. And productive employment shall rise to a maximum with constraints upon the unproductive employment highly encouraged by government fiscal squander and perverted tax policies.

      The only monetary policy I have seen is either inherently destructive or impeding of market forces of supply and demand, or its innocuous. The nation will be far better off without it.

      What a better world it shall be.

      And the meek shall inherit the earth!

      GM

  2. CommentedGary Marshall

    Hello Mr. James,


    The individual European countries have the means to remedy their current problems with ease. There is not need of some collective fiscal measure or coordinated prescription.

    The means to that end is contained in the little proof below for the abolition of Taxation, which novelty may be absurd on its face, but not so when examined.

    If you or anyone can find the flaw in this proof, I shall be more than happy to give the reward of $50,000. None have yet been successful. Perhaps because so few have tried.

    Its not the end of Europe or the world, but a new beginning.

    Enjoy!

    ####

    The costs of borrowing for a nation to fund public expenditures, if it borrows solely from its resident citizens and in the nation's currency, is nil.

    Why? Because if, in adding a financial debt to a community, one adds an equivalent financial asset, the aggregate finances of the community will not in any way be altered. This is simple reasoning confirmed by simple arithmetic.

    The community is the source of the government's funds. The government taxes the community to pay for public services provided by the government.

    Cost of public services is $10 million.

    Scenario 1: The government taxes $10 million.

    Community finances: minus $10 million from community bank accounts for government expenditures.
    No community government debt, no community
    government IOU.

    Scenario 2: The government borrows $10 million from solely community lenders at a certain interest rate.

    Community finances: minus $10 million from community bank accounts for government expenditures.
    Community government debt: $10 million;
    Community government bond: $10 million.

    At x years in the future: the asset held by the community (lenders) will be $10 million + y interest. The deferred liability claimed against the community (taxpayers) will be $10 million + y interest.

    The value of all community government debts when combined with all community government IOUs or bonds is zero for the community. It is the same $0 combined worth whether the community pays its taxes immediately or never pays them at all.

    So if a community borrows from its own citizens to fund worthy public expenditures rather than taxes those citizens, it will not alter the aggregate finances of the community or the wealth of the community any more than taxation would have. Adding a financial debt and an equivalent financial asset to a community will cause the elimination of both when summed.

    Whatever financial benefit taxation possesses is nullified by the fact that borrowing instead of taxation places no greater financial burden on the community.

    However, the costs of Taxation are immense. By ridding the nation of Taxation and instituting borrowing to fund public expenditures, the nation will shed all those costs of Taxation for the negligible fee of borrowing in the financial markets and the administration of public
    debt.

    Regards,
    Gary Marshall

  3. Portrait of Michael Heller

    CommentedMichael Heller

    Harold James:

    I recall you wrote in The Roman Predicament - “Kindelberger defended his view that crisis solution depended on the ability of brilliant men to devise innovative and novel solutions, and that pedantic following of rules was unwise and counterproductive”. A little later in the same book, you concluded “Rules may be a way of ensuring that the genius of Terminus does not in practice terminate experiments in the extension of the principles of legal certainty and order”.

    I guess Europe needs -- as implied by your article today -- both a brilliant strong leader, perhaps a woman, and a well designed innovative set of constitutional rules. It is classically the make-or-break crisis window-of-opportunity when leadership and ideas can trump incremental evolution. Thanks for the provoking and positive analysis.

Featured