Friday, April 25, 2014
Exit from comment view mode. Click to hide this space
0

ساركوزي ورهانه الثلاثي على حلف شمال الأطنطلي

باريس ـ كانت عودة فرنسا إلى البنية العسكرية المتكاملة لحلف شمال الأطلنطي في العام الماضي بعد غياب 43 عاماً بمثابة الإعلان عن نهاية " الاستثناء الفرنسي " ، كما ساعدت في وضع إطار للجدال المتنامي حول ما إذا كان من الواجب تطوير الدفاع الأوروبي على نحو أكثر فعالية أو إصلاح حلف شمال الأطلنطي جدياً.

للوهلة الأولى قد يبدو الأمر وكأن فرنسا اختارت حلف شمال الأطلنطي على حساب وثيقة الأمن والدفاع الأوروبية التي بلغت من العمر عشرة أعوام. ولكن هذا التفسير يتبنى نظرة بالغة التشاؤم لإنجازات وثيقة الأمن والدفاع الأوروبية على مدى العقد الماضي، وتستند هذه النظرة إلى فهم خاطئ للعلاقات بين حلف شمال الأطلنطي والاتحاد الأوروبي.

والواقع أننا لا نستطيع أن ننظر إلى عودة فرنسا إلى حلف شمال الأطلنطي باعتبارها منعطفاً حاداً يعكس خيبة أملها إزاء وثيقة الدفاع والأمن الأوروبية. فهي في حقيقة الأمر نتاج لعملية التقارب مع حلف شمال الأطلنطي والتي دامت خمسة عشر عاماً ـ وللتقدم الحقيقي الذي تم إحرازه في مجال الدفاع الأوروبي.

وتشكل عودة فرنسا إلى الاندماج في حلف شمال الأطلنطي المرحلة الأخيرة في العملية التي شهدت اضطلاع المؤسسة العسكرية الفرنسية بدور متعاظم الأهمية في عمليات الحلف. فقد عملت فرنسا على معايرة وضبط أنشطتها العسكرية على نحو يتفق مع بنية حلف شمال الأطلنطي الذي تخلى تدريجياً عن الممارسات التي شكلت السبب الجذري وراء القرار الذي اتخذه الجنرال شارل ديجول بهجر الحلف، وأبرزها وضع قوات حلف شمال الأطلنطي بالكامل تحت قيادة منفردة، حتى في أوقات السلم.

وعلى هذا فإن سياسة ساركوزي في التعامل مع حلف شمال الأطلنطي كانت أقرب إلى متابعة القرارات والتطورات التي شهدتها فترة التسعينيات منها إلى كونها تراجعاً عن السياسات التي تبناها أسلافه. غير أن ساركوزي يميز نفسه من خلال تبني موقف أكثر انفتاحاً وتأييداً للارتباط بين ضفتي الأطلنطي.

وإذا ذهبنا إلى ما هو أبعد من فن المجادلة الفرنسي، الحزبي في الأغلب، حول قرار ساركوزي بشأن حلف شمال الأطلنطي، فمن الممكن أن نستشف ما قد يكون وصف " الرهان الثلاثي" هو الوصف الفضل لما يقوم به الرئيس الفرنسي الآن . ويتعلق الرهان الأول ببناء الدفاع الأوروبي في تناغم مع حلف شمال الأطلنطي، وليس في تعارض معه. والواقع أن إنهاء الاستثناء الفرنسي في حلف شمال الأطلنطي نجح في إزالة الشكوك في أن يكون الهدف الحقيقي وراء الدعم الفرنسي لتنمية الدفاع الأوروبي هو التنافس مع الحلف أو إضعافه.

وسواء كان لهذه الشكوك أساس من الصحة أو لا فإن الرسالة التي تم توجيهها إلى الحلفاء كانت واضحة: ألا وهي أن التطورات التي يريدها الفرنسيون لوثيقة الدفاع والأمن الأوروبية تتوافق مع عضويتها الكاملة التامة في حلف شمال الأطلنطي. والواقع أن الدعم الأميركي للجهود التي يبذلها الاتحاد الأوروبي من أجل الاضطلاع بدور أعظم في الدفاع والأمن ـ وهو الموقف الذي اتضح منذ عام 2007 ثم تأكد بوصول إدارة أوباما إلى السلطة ـ يعزز من هذا التوجه.

ويتصل الجزء الثاني من رهان ساركوزي بإصلاح وتجديد الحلف. إن الالتزام الفرنسي الكامل من شأنه أن يعزز من وتيرة الإصلاح في حلف شمال الأطلنطي وأن يجعل من الحلف أداة أفضل تكيفاً مع أزمات القرن الحادي والعشرين من خلال تقليص حجم البيروقراطية المزعجة التي تعيب عمله. ومن غير الممكن أن تصبح فرنساً عضواً فاعلاً في هذه المناقشة من دون أن تكون جزءاً من الحلف. وبعد تعيين الضباط الفرنسيين في عدد من المناصب الرئيسية في الحزب، فسوف يكون بوسع فرنسا، إلى جانب المملكة المتحدة، وهولندا وغيرها من بلدان حلف شمال الأطلنطي، أن تبدأ في تنفيذ الإصلاحات المطلوبة بشِدة.

أما الجزء الأخير وربما الأصعب من الرهان فهو يتلخص في إضفاء الصبغة الأوروبية على الحلف. وتستطيع فرنسا أن تساعد في إعطاء الحلف قدراً أعظم من التوازن من خلال نشر أو توزيع المسؤوليات السياسية والعسكرية على نحو أكثر تساوياً بين الأوروبيين والأميركيين. والآن بعد أن أصبحت الظروف السياسية المناسبة متاحة في الولايات المتحدة، فإن الأمر يرجع إلى الأوروبيين في اتخاذ القرارات السياسية بشأن الميزانيات والموارد التي سوف تمكنهم من تعزيز دورهم في حلف شمال الأطلنطي.

بطبيعة الحال، ليس هناك ما يضمن نجاح الرهانات الثلاثة. ذلك أن أنصار الجمود أقوياء دوماً، وحين يتصل الأمر بالموارد فإن الأزمة الاقتصادية الحالية لن تيسر أو تدعم الإصلاحات الطموحة التي يعتزم الحلفاء تنفيذها ولا التعزيز الجاد لوثيقة الأمن والدفاع الأوروبية. ويبدو أن الأمر سوف يستغرق بضع سنوات قبل أن يكون بوسعنا أن نقرر ما إذا كانت هذه الطموحات قد أثمرت.

تتلخص الانتقادات الأكثر خطورة لعودة فرنسا إلى الحلف في تعريضها لمشروع الدفاع الأوروبي للخطر، أو على الأقل المجازفة بهدم الرؤية الطموحة للاتحاد الأوروبي باعتباره لاعباً استراتيجياً رائداً. وإن كانت هذه هي الحال، فإن القرار الذي اتخذه ساركوزي ، بصرف النظر عن المزايا التي قد تعود على حلف شمال الأطلنطي أو فرنسا، سوف يكون موضعاً للتساؤل.

ولو كانت فرنسا قد عادت بشكل كامل إلى البنية العسكرية لحلف شمال الأطلنطي منذ عشرة أعوام أو خمسة عشر عاماً، وقبل ظهور وثيقة الأمن والدفاع الأوروبية إلى الوجود، فإن ذلك كان ليشكل اعتراضاً خطيراً وله ما يبرره. ولكن حقيقة أن الاتحاد الأوروبي قد تحول إلى لاعب سياسي عسكري منذ عام 1998 أسهمت بشكل جذري في تغيير الرهانات. ففي غضون بضعة أعوام نجح الاتحاد في بناء إطار واضح لإدارة الأزمات المدنية والعسكرية، وإن كانت هذه الأدوات منقوصة أو غير مكتملة.

كما بدأ الاتحاد الأوروبي منذ عام 2003 في تأكيد ذاته على مستوى العمليات أيضاً، حيث نفذ 23 من مهام وثيقة الأمن والدفاع الأوروبية، وست منها كانت عمليات عسكرية كبيرة. كما اشترك الاتحاد الأوروبي في عمليات في منقطة البلقان، وأفريقيا، والشرق الأوسط، وأفغانستان، فضلاً عن المشاركة في جنوب شرق آسيا في إطار بعثته لحفظ السلام هناك، ومؤخراً في منطقة القوقاز والمحيط الهندي.

وكان حجم هذه العمليات متنوعاً إلى حد كبير، فتراوحت ما بين بضع عشرات من المراقبين، وضباط الشرطة أو المستشارين المدنيين إلى عدة آلاف من الجنود. ورغم أن أغلب هذه العمليات كان على الأرض، فقد شهدت مهمة "أطلنطا" قبالة سواحل الصومال أول عملية بحرية يقوم بها الاتحاد الأوروبي. ولقد أطلقت كل هذه العمليات بصورة مستقلة، استناداً إما إلى ترتيبات تتولاها القيادات الوطنية أو إلى تحقيق أقصى استفادة ممكنة من ترتيبات القيادة مع حلف شمال الأطلنطي، والتي عُرِفَت باسم Berlin-plus .

وفي ظل هذه الظروف فإن المشاركة الفرنسية الكاملة في حلف شمال الأطلنطي، بعيداً عن دفن المشروع الأوروبي، تبدو وكأنها أداة بالغة الأهمية لتعزيز ذلك المشروع. والحقيقة أن القرار الذي اتخذه ساركوزي ساهم في وضع فرنسا في موقع يسمح لها باكتساب النفوذ في الحلف والتعجيل بالإصلاح في حلف شمال الأطلنطي، وتعزيز وثيقة   الأمن والدفاع الأوروبية في نفس الوقت.

Exit from comment view mode. Click to hide this space
Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured