Exit from comment view mode. Click to hide this space
Email | Print

إعادة فرز الأصوات في كينيا

اشتعلت كينيا في أعقاب الانتخابات الرئاسية التي شهدتها البلاد في السابع والعشرين من ديسمبر/كانون الأول 2007، والتي يُـعـتَقَد على نطاق واسع أن الحكومة زيفتها وتلاعبت بها بهدف تأمين إعادة انتخاب مواي كيباكي . خرج معارضو كيباكي إلى الشوارع، وأصدرت الحكومة أوامرها بإطلاق النار والتصويب للقتل، فمات المئات على أيدي قوات الشرطة، فضلاً عن غيرهم من الموتى الذين قتلوا نتيجة لشغب العصابات الإجرامية وأعمال العنف بين الطوائف العرقية. كانت الولايات المتحدة قد تولت قيادة ردود الأفعال الدولية، إلا أن الاستجابة الدولية جاءت مختلة ومنقوصة إلى حد خطير.

كان أفراد الشعب الكيني قد أقبلوا على صناديق الاقتراع بأعداد كبيرة، وانتظروا تحت الشمس اللافحة لساعات عديدة عند أكشاك الاقتراع المكتظة في كل أرجاء البلاد. كانت أول النتائج التي تم إحصائها للبرلمان الكيني، حيث مُـنيَّ وزراء حكومة كيباكي بخسارة ثقيلة في دوائرهم الانتخابية المحلية. وفاز تحالف المعارضة الرئيسي، تحت زعامة رايلا أودينغا بحوالي مائة مقعد في البرلمان، مقارنة بحوالي ثلاثين مقعداً لصالح كيباكي . وكان من المرجح تمام الترجيح أن يسفر إحصاء أصوات الاقتراع الرئاسي عن فوز ساحق لصالح أودينغا على كيباكي .

وهذا هو ما أظهرته عمليات الإحصاء المبكرة في واقع الأمر. وحين وصلت الأرقام من مراكز الاقتراع في كل أرجاء البلاد إلى العاصمة نيروبي، كان أودينغا قد أحرز تقدماً بلغ مئات الآلاف من الأصوات. ثم بدأت المتاعب. فقد تأخر وصول الأرقام من مسقط رأس كيباكي في وسط كينيا. وبدأ المراقبون المستقلون من الاتحاد الأوروبي وأماكن أخرى في تسجيل مخالفات وانتهاكات خطيرة في معقل كيباكي ، حيث مُـنِع ممثلو حزب المعارضة من الوصول إلى مراكز الاقتراع.

ثم أصبحت الأمور أكثر إثارة للارتياب حين تم جمع وتسجيل الأرقام في اللجنة الانتخابية الكينية ( ECK ). وطبقاً للأدلة التفصيلية التي تقدمت بها المعارضة، فإن الأرقام القادمة من الريف، والتي كانت قد رُتـِبَت بالفعل لصالح كيباكي ، قد أخضعت للتلاعب مرة أخرى بإضافة بعض الأصوات لصالحه أيضاً. ونتيجة لهذا فإن الأصوات التي سُـجِّلَت بواسطة اللجنة الانتخابية الكينية للسباق الرئاسي كانت أكثر كثيراً من الأصوات التي سجلتها للسباق البرلماني، وذلك على الرغم من التعليمات الواضحة الصادرة للناخبين بضرورة الإدلاء بأصواتهم في كل من السباقين.

وحين حاولت المعارضة تحدي هذه التضاربات، أعلنت اللجنة الانتخابية الكينية بصورة مفاجئة فوز كيباكي . وبعد أيام اعترف رئيس اللجنة الانتخابية الكينية علناً أن أنصار كيباكي ضغطوا عليه لإرغامه على إعلان "النتائج" على الفور، على الرغم من الأدلة الواضحة على التلاعب بالأصوات. ومن المذهل أنه أعلن أنه لم يكن يعلم من الفائز حقاً. كما أعلن المراقبون من الاتحاد الأوروبي أن فرز الأصوات الانتخابية لم يكن متفقاً مع المعايير الدولية الأساسية.

كانت الانتخابات كارثة بالنسبة لكينيا، إلا أن ردود أفعال المجتمع الدولي تحت زعامة الولايات المتحدة لم تكن أقل إيلاماً من تلك الكارثة. تتولى جيندايي فريزر مساعدة وزيرة خارجية الولايات المتحدة إدارة شئون السياسة الخارجية في أفريقيا. ومن المعروف أنها تلميذة قديمة من تلامذة كونداليزا رايس . ومنذ بداية الأزمة التي أعقبت الانتخابات كانت فريزر قد اتخذت ثلاثة مواقف غير سليمة.

ففي مستهل الأمر أعلنت عدم إمكانية إعادة تقييم الأصوات في عملية فرز مستقلة. والحقيقة أن أغلب المراقبين في موقع الأحداث كانوا يعتقدون أن ذيلاً طويلاً من مراكز الاقتراع على طول الطريق حتى نيروبي يمكن إعادة تقييمه بالتفصيل.

ثم زعمت أن التلاعب بالأصوات تم "من الجانبين"، واقترحت أن النتائج الانتخابية الحقيقية كانت متقاربة للغاية وأن كيباكي ربما يكون قد فاز بالفعل. ونظراً للكم الهائل من الأدلة المباشرة والظرفية التي تؤكد أن التلاعب تم لمصلحة كيباكي ، فقد استقبلت المعارضة الاتهام الذي وجهته فريزر للطرفين بالتلاعب بالأصوات على قدم المساواة بالدهشة والصدمة. كما تجاهلت فريزر استطلاع الآراء الذي أجرته إحدى المؤسسات الأميركية مع الناخبين أثناء خروجهم من مراكز الاقتراع، والذي أظهر فوزاً واضحاً لأودينغا .

وفي النهاية زعمت فريزر أن الجانبين في حاجة إلى التوصل إلى التسوية وتقاسم السلطة. إلا أن كيباكي سارع بكل ازدراء إلى تعيين 18 من أعضاء مجلس الوزراء الأساسيين، حتى مع أن عمليات "الوساطة" من الخارج كانت على وشك أن تبدأ. وبالطبع أصيبت المعارضة بالحيرة الشديدة إزاء الدعوة التي أطلقتها الولايات المتحدة للتسوية دون أي تفكير جاد في مراجعة عملية التصويت ذاتها.

إن كينيا فقط هي القادرة على تقرير مصيرها في النهاية. ولن تنقذ الولايات المتحدة أو أي قوى خارجية أخرى الديمقراطية في كينيا. ولن تؤدي التهديدات، أو العقوبات، أو قطع المعونات إلا إلى المزيد من الضرر والأذى للاقتصاد المنهار بالفعل، ومعاقبة الفقراء في كينيا، وإثارة المزيد من أعمال العنف.

حتى الآن، ما زال بوسع المجتمع الدولي أن يلعب دوراً أكثر إيجابية بالضغط على الجانبين لقبول إعادة فرز الأصوات بواسطة جهة مستقلة. وبنصرة المبادئ الديمقراطية يكون العالم في الحقيقة قد نصر الشعب الكيني.

في محاولة لاستبعاد احتمال إعادة فرز الأصوات، أبلغت فريزر الكينيين أنهم لا ينبغي أن يتوقعوا فرز أصواتهم بدقة، وأنه من الممكن الاستيلاء على السلطة أو حتى التفاوض عليها سراً في الغرف الخلفية. كما أرسلت إشارة واضحة إلى الذين اختلسوا الأصوات، بأنهم ربما يضطرون على أسوأ الفروض إلى التنازل عن القليل من المناصب الوزارية للمعارضة.

ربما تظهر عملية إعادة فرز الأصوات أن نتائج الانتخابات كانت متقاربة للغاية. وربما تظهر نصراً واضحاً لأودينغا ، كما تصر المعارضة. ولكن في أي من الحالين، سوف يكون في عملية إعادة فرز الأصوات إشارة إلى التعامل بجدية مع الناخبين الكينيين وأصواتهم، وقد يؤدي ذلك إلى تراجع الغضب. أما إذا قبل الطرفان أن النتائج لم تظهر فائزاً واضحاً، فمن المعقول في هذه الحالة فقط أن يتم تقاسم السلطة (أو عقد انتخابات جديدة).

ما زال الوقت متاحاً لوضع الأمور في نصابها الصحيح. ويتعين على المجتمع الدولي أن يكف عن الدفع في اتجاه "تسوية" الغرف الخلفية على نحو يتجاهل الإرادة الشعبية. ولا ينبغي للعالم أن يقف في صف كيباكي أو في صف المعارضة أو في صف التسوية الاعتباطية، بل في صف ناخبي كينيا.

وإذا ما رفض كيباكي إعادة فرز الأصوات بواسطة جهة مستقلة، فلسوف يتردد صدى رفضه في كل أنحاء كينيا والعالم. وأولئك الذين يتجاهلون الناخبين لابد وأن يدركوا بسرعة أنهم لن يجدوا أي مخبأ يلوذون به.

Reprinting material from this Web site without written consent from Project Syndicate is a violation of international copyright law. To secure permission, please contact us.

Exit from comment view mode. Click to hide this space

Comments (0)

You need to login in order to leave a comment. If you do not yet have an account, please register.

Show comments of
close

The two commenting options explained

Watch a 1 minute video
to discover how you can comment on the entire article or a specific paragraph. The two images below also explain the two ways of commenting.

1) Entire article comment
Once logged in, simply click inside the comment box where it says "Enter text here." Enter and post your comment.

2) Paragraph comment
Please log in first. Then click to the left of the desired paragraph. Your cursor will automatically move to the comments box. Enter and post your comment.

Top Project Syndicate commentaries

Email this article

Your name is required.

Your email is required.


Your friend's name is required.

Your friend's email is required.


A message is required.