Wednesday, August 20, 2014
0

إعادة تشغيل العلاقات بين حلف الناتو وروسيا

موسكو ـ كانت الأزمة التي اندلعت في جورجيا في شهر أغسطس/آب الماضي بمثابة اختبار لنظام الأمن الأوروبي، ولقد فشل النظام في الاضطلاع بمهمته الأساسية المتمثلة في ضمان الأمن المشترك للقارة ككل. ونتيجة لهذا فقد بات لزاماً على أوروبا أن تعيد النظر في ترتيباتها الأمنية الحالية، وأن تحلل ما حدث، وأن تضع هذا التحليل في اعتبارها حين تعمل على إصلاح هذه الترتيبات.

حتى قبل أزمة جورجيا كانت روسيا قد أدركت بالفعل الحاجة إلى إعادة النظر في آليات الأمن الأوروبي، بما في ذلك مؤسساته الدولية والإقليمية والوظائف التي تقوم بها. ولقد اقترحنا إبرام معاهدة جديدة ملزِمة قانوناً وتقوم على الضمانات الأمنية المتبادلة على النحو الذي يكفل الأمن المتكافئ في مختلف أنحاء أوروبا.

ويعتقد الاتحاد الأوروبي أن المبادرة الروسية قائمة على أسس جيدة، كما أبدى اهتمامه بتنفيذ مثل هذا المشروع. وهناك قادة في منظمة الأمن والتعاون في أوروبا ( OSCE ) يرغبون أيضاً في المشاركة. إلا أن حلف شمال الأطلنطي لم يـبدِ أي اهتمام بالمبادرة. وكان من المفترض أن أعرض المقترحات الروسية بشأن المفهوم الأمني الجديد على مجلس حلف شمال الأطلنطي وروسيا في سبتمبر/أيلول الماضي. ولكن الحلف رفض عقد الاجتماع المقرر بعد اندلاع أزمة جورجيا.

حين تأسس مجلس حلف شمال الأطلنطي وروسيا في عام 2002، كان مصمماً للعمل كآلية للحوار، والتعاون، وصنع القرار المشترك فيما يتصل بالقضايا ذات الاهتمام المشترك، بما في ذلك منع انتشار الأسلحة النووية، والحد من التسلح، ومكافحة الإرهاب، والتخطيط للطوارئ المدنية، والتعاون العسكري. كما كان من المفترض أن يعمل مجلس حلف شمال الأطلنطي وروسيا كمنتدى "لإجراء المشاورات العاجلة" في حال وقوع الأزمات، ولمنع مثل هذه الأزمات من خلال "التعرف المبكر على المشاكل الناشئة".

من المؤسف أن أزمة جورجيا أظهرت أن الحوار الروسي مع حلف شمال الأطلنطي كان أقل من المستوى المطلوب. إلا أن التعاون بين حلف شمال الأطلنطي وروسيا يشكل أهمية قصوى بالنسبة للأمن العالمي. فنحن في حاجة إلى حلف شمال الأطلنطي، وحلف شمال الأطلنطي في حاجة إلينا، حتى نتمكن من التصدي للتهديدات والتحديات المشتركة. ومن ناحية أخرى فإن روسيا لن تذهب إلى حلف شمال الأطلنطي خاضعة متذللة. ونحن لسنا مهتمين بوهم الشراكة. والواقع أن الهدف الرئيسي للسياسة الخارجية الروسية يتلخص في تأسيس شراكة استراتيجية حقيقية مع الغرب، شراكة من نوع يمكننا من العمل معاً من أجل حل ذلك الكم الهائل من المشاكل الأمنية الحديثة.

لا أدعي أنني أمتلك كرة سحرية، ولكنني على يقين من أننا بعد عِدة سنوات من الآن لابد وأن نكون قادرين على النظر إلى أزمة جورجيا باعتبارها نقطة تحول. حتى أننا الآن نستطيع أن نضع أيدينا على ثلاثة من "عوامل النمو" التي من شأنها أن تساعدنا في الوصول بالنظام الأمني الجديد إلى مرحلة النضج ـ وهو ما يعني تطوير خطة الأمن والدفاع الأوروبية، وتحويل منظمة حلف شمال الأطلنطي، وعودة روسيا إلى مكانتها التي تستحقها على الساحة العالمية.

إن روسيا لا تتبنى نهجاً عدائياً إمبراطورياً كما يزعم العديد من المراقبين. كل ما في الأمر أننا نطالب بما نعتبره حقاً مشروعاً ـ مكان في الصف الأول للعلاقات الدولية. ولابد أن يتعود العالم على حقيقة أن روسيا لم تعد دولة واهنة مستضعفة. هل من غير المفهوم إلى هذا الحد أن تكون لنا مصالح استراتيجية ومخاوف تتعلق بأمننا الوطني؟

لقد حاولت روسيا لأعوام عديدة أن تبتعد عن فِـكر الحرب الباردة وأن تقنع شركائها بالتخلي عن القوالب النمطية في النظر إليها والتعامل معها. وبعد الهجمات الإرهابية التي وقعت في الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001، سارعت روسيا إلى مد يد المساعدة إلى الأميركيين. ولكن الغرب لم يُـقَدِّر هذه اللفتة. بل لقد أنشئت القواعد العسكرية بشكل متهور على طول المحيط الخارجي لروسيا. والآن تخطط الولايات المتحدة لإقامة جزء من نظامها الدفاعي الصاروخي العالمي في جمهورية التشيك وبولندا. ورغم أن حلف وارسو زال من الوجود منذ عشرين عاماً إلا أن حلف شمال الأطلنطي ما زال مستمراً في تقدمه نحو الشرق، مضيفاً إلى عضويته دولاً جديدة لأسباب أخرى غير تعزيز الأمن والديمقراطية.

إن روسيا ليست راغبة في المواجهة؛ بل إننا نريد التركيز على تنمية بلادنا وازدهارها واستقرارها. بيد أن التنمية الناجحة لن تتحقق إلا في سياق من العلاقات الدولية الشفافة المتكافئة، إلى جانب الاستقرار والأمن في البلدان المجاورة لنا. وعلى هذا فنحن مهتمون بوجود أوروبا قوية ومستقلة. ولا شك أن تطوير القدرات العسكرية والسياسة الأمنية للاتحاد الأوروبي يشكل عاملاً مهماً في تعزيز الأمن الأوروبي والعالمي.

لقد حان الوقت لكي تتوقف أوروبا عن التصرف وكأنها قارة محتلة وتبدأ بإظهار إرادة سياسية خاصة بها. لقد أثبتت التحركات التي قام بها الاتحاد الأوروبي في سياق أزمة جورجيا أن أوروبا تملك مثل هذا الطموح وأنها على استعداد للاضطلاع بدورها كاملاً باعتبارها لاعباً عالمياً، وهو ما سيتجلى على نحو أكثر وضوحاً في السنوات المقبلة.

أما عن حلف شمال الأطلنطي فنحن في روسيا نعتقد أنه لابد وأن يتكيف وأن يبدل من حاله على النحو الذي يجعله متناسباً مع البيئة الجديدة. وأثناء هذا ا��تحول، يتعين على حلف شمال الأطلنطي أن يتذكر دوماً أن المسؤولية الأولية عن السلم والأمن الدوليين تقع على عاتق الأمم المتحدة. ولكن حلف شمال الأطلنطي وقادته لا يملكون في الوقت الحالي إجابة واضحة على هذا السؤال: إلى أين نذهب من هنا؟ لقد بات المفهوم الاستراتيجي للحلف عتيقاً بالياً، ولكنه رغم ذلك ما زال عاجزاً حتى عن الاتفاق على البدء في الإعداد لمفهوم جديد. إن قوات الحلف منتشرة على امتداد يفوق طاقتها في أفغانستان، والبلدان الأعضاء في الحلف تستغله لتحقيق أهدافها الخاصة.

إن العلاقات الحقيقية الناجحة بين حلف شمال الأطلنطي وروسيا قادرة على تزويد الحلف بالحلول لمشاكل لا يستطيع أن يتعامل معها بمفرده. وهذه العلاقات من شأنها أيضاً أن تعطي دفعة جديدة للنظام الأمني الأوروبي. وهذا هو ما نريد أن نراه في المستقبل ـ وهو مستقبل لا يمكن تصوره بدون روسيا. ولكي نفهم السبب وراء هذا فما علينا إلا أن نقارن ببساطة بين أهمية مكافحة الإرهاب الدولي وبين القيمة المتمثلة في رعاية للطموحات الشخصية للرئيس الجورجي ميخائيل ساكاشفيلي والإذعان لها؛ وآنذاك سوف ندرك الصورة الكاملة بوضوح.

إن أوروبا تحتاج إلى نظام متكامل ومتين وغير قابل للتجزئة لإدارة أمنها الشامل. ونحن لا ندعو إلى إلغاء كل شيء والبدء من الصفر، بل يتعين علينا أن نبني على المؤسسات القائمة. نستطيع أن نقول باختصار أننا لابد وأن نحافظ على التجهيزات والمعدات القائمة ولكن بشرط تطوير وتجديد البرمجيات التي تشغلها. ولابد وأن تعمل المبادرة الروسية بشأن تأسيس معاهدة أمنية أوروبية شاملة بمثابة نظام التشغيل الجديد.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured