Friday, October 24, 2014
0

السلام الآن من أجل فلسطين

مدريد/واشنطن العاصمة ـ مع اجتياح التغيير الثوري لمختلف أرجاء العالم العربي، فمن السهل أن نتصور أن الوقت الآن ليس بالوقت المناسب لدفع عملية السلام بين إسرائيل وفلسطين. وإلى أن ينقشع الغبار في الشرق الأوسط، فإن خارطة الطريق القديمة تبدو عتيقة، وقد تشير الحكمة التقليدية السائدة إلى أن التقدم باتجاه إبرام اتفاق سلام في ظل الاضطرابات الإقليمية الحالية ليس مجرد فكر قائم على التمني.

بيد أن العكس هو الصحيح. فعلى الرغم من الجهود العديدة التي منيت بالفشل في الماضي، فإن الفرصة متاحة الآن أمام الولايات المتحدة وإسرائيل للمسارعة إلى دفع الجهود نحو التوصل إلى تسوية دائمة.

ويتعين على كل طرف أن يبدأ في التفكير في الشرق الأوسط بشكل مختلف. كان النهج القديم الذي تبناه المجتمع الدولي يتلخص في تقديم الاستقرار في الأولوية على الديمقراطية ومتابعة عملية السلام الإسرائيلي العربي على مسار منفصل تماما. بيد أن هذه السياسة أثبتت فشلها ـ إذ لم يسفر تقديم الاستقرار في الأولوية على الديمقراطية عن تحقيق أي من الغايتين، ولم تنته جهود السلام المنعزلة إلى أية نتائج ملموسة.

وإذا كانت رغبة الولايات المتحدة وبقية القوى العالمية صادقة في إحراز تقدم فيما يتصل بأي من الأهداف الثلاثة ـ الاستقرار، والإصلاح السياسي، والسلام ـ فيتعين على كافة الأطراف أن تفهم الكيفية التي ترتبط بها هذه الأهداف وأن تسعى إلى تحقيق الثلاثة في نفس الوقت وبصورة شاملة. والواقع أن انتقاء واختيار أي التحديات ينبغي أن تكون محل اهتمام أولاً لن يؤدي إلا إلى زيادة خطر تحولها إلى مشاكل مستعصية.

كانت الولايات المتحدة متخلفة عن المسار منذ اللحظة التي اندلعت فيها الاضطرابات، في محاولة للحاق بالأحداث مع الإطاحة باثنتين من الحكومات الاستبدادية بفعل احتجاجات شعبية، وفي الوقت نفسه تحاول أنظمة حاكمة أخرى التشبث بالسلطة قدر الإمكان. ويتعين على الولايات المتحدة الآن أن تحتل مركز الطليعة. وبينما تحاول الولايات المتحدة والمجتمع الدولي معالجة الأحداث المتلاحقة، فسوف يكون من الخطأ أن نترك عملية السلام خارج الأجندة.

ففي حين تتعلق مطالب المتظاهرين العرب بالحكم في الداخل، فإن الاضطرابات الحالية يمكن استخدامها كوسيلة للمساعدة في إنهاء الصراع الذي أربك العالم طيلة عقود من الزمان. إن تأخير عملية السلام الإسرائيلية الفلسطينية يشكل خطأً باهظ التكاليف. وكما تعلمنا من الخبرات المريرة فإن الانتظار لن يؤدي إلا إلى تعقيد فرص التوصل إلى تسوية سلمية.

وبالنسبة للولايات المتحدة، فإن التعاطف مع توق الجماهير العربية إلى الحرية من غير الممكن أن يستبعد التعاطف مع حلم الفلسطينيين بالحياة الكريمة، وهو ما يتضمن في نظر هذه الجماهير إنهاء الاحتلال بطبيعة الحال. ويتعين على الولايات المتحدة ألا تكون انتقائية في دعمها للحرية والديمقراطية. ولم يكن هذا أكثر صدقاً مما هو عليه اليوم، وإذا لم ير الناس أميركا باعتبارها نصيراً حريصاً على حل الدولتين، فإنها سوف تظل متخلفة كثيراً عن المسار وسوف تضر بمصالحها في الشرق الأوسط.

ويتعين على إسرائيل أيضاً أن تعيد النظر في سياساتها. ففي ظل النتائج المترتبة على الإصلاح السياسي، لن يصبح بوسع إسرائيل أن تزعم أنها واحة الديمقراطية الوحيدة في صحراء الشرق الأوسط؛ ومع تغير الظروف على الأرض فسوف يكون من الصعب على نحو متزايد أن نتجاهل مطالبة الفلسطينيين بالاستقلال. وسوف تتحول مخاوف إسرائيل بتزايد العداء لها في المنطقة إلى حقيقة واقعة إذا رأت الأنظمة الديمقراطية الجديدة أن الحكومة الإسرائيلية تعرقل الخطوات نحو التوصل إلى حل ناجع وعادل. وفي الوقت نفسه فإن عملية السلام المدعومة من قِبَل حكومات عربية منتخبة وأكثر شرعية سوف تساعد في واقع الأمر على ترسيخ السلام والاستقرار على المدى البعيد.

ومع تضاؤل الفرصة السانحة لحل الدولتين بسرعة، فإن التسوية السريعة تصب في مصلحة الجميع. أما الانتظار والتعلل بالأمل في ظروف أكثر ملاءمة فقد يأتي بنتائج عكسية بسهولة. وإذا لم يبدأ التحرك نحو السلام مع تبلور الأنظمة الديمقراطية العربية الجديدة، فإن وجهات النظر السلبية إزاء إسرائيل والولايات المتحدة سوف تصبح أكثر تصلبا.

وكما شهدنا جميعاً في الأشهر الأخيرة، فإن الرأي العام العربي يشكل أهمية واضحة. والتصورات السيئة لن تسفر إلا عن تعقيد جهود السلام في المستقبل، وجعل التوصل إلى إنجاز حقيقي أقل ترجيحا. ولا شك أن دور الولايات المتحدة سوف يصبح أقل تأثيراً في الشرق الأوسط الجديد في ظل حكومات جديدة أقل تسامحاً من الحكومات التي سبقتها مع استمرار الاحتلال.

وإذا زعمنا أن صنع السلام من غير الممكن أن ينجح في ظل حكومات وأنظمة تمر بفترة من التغيير، ��إننا نتجاهل بهذا حقيقة مفادها أن الجهات الخارجية في مثل هذه الظروف على وجه التحديد تصبح قادرة على مد يد المساعدة في صياغة العملية. وبدلاً من العمل في بيئة تتسم بقدر أقل من النفوذ أو حيز أصغر للمناورة، فإن دفع عملية السلام الآن من شأنه أن يساعد في تقريب الجماهير العربية من الغرب ومنح الولايات المتحدة المزيد من النفوذ في الشرق الأوسط الجديد. والواقع أننا لم نعد قادرين على تقبل مفاوضات ثنائية لا تنتهي بين إسرائيل وفلسطين؛ إذ لابد وأن يكون الحل إقليميا.

إن الشرق الأوسط في الغد لم يعد كما كان قبل شهرين فقط، ولكن الهيئة التي سوف تتخذها المنطقة في نهاية المطاف ليست معلومة على وجه اليقين. والولايات المتحدة لديها الفرصة الآن للانحياز إلى الجانب الصحيح من التاريخ والمساعدة في تشكيل اتجاهه من خلال دعم الإصلاح الحقيقي ودفع عملية السلام المتوقفة. وفي النهاية، يتعين علينا أن ندرك أن الثورة على الحكم الرديء يمثل فرصة لتحقيق الاستقرار والسلام، وليس الديمقراطية فحسب. إن هذه الأزمة، شأنها في ذلك شأن العديد من الأزمات التي سبقتها، تمثل فرصة يُعَد إهدارها خطيئة لا تغتفر.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured