Thursday, April 24, 2014
Exit from comment view mode. Click to hide this space
0

فلتفشل جولة الدوحة

ماذا لو تخيلنا وزراء التجارة من كل أنحاء العالم وقد خرجوا ببساطة من اجتماع منظمة التجارة العالمية (WTO) القادم في هونج كونج وهم يحملون إلينا هذا الإعلان البسيط: "لقد فشلنا في التوصل إلى اتفاق؛ سنحاول في المرة القادمة أن نحقق نتيجة أفضل من هذا"؟ إن مثل هذا الإعلان من شأنه أن يقود جولة "تنمية" الدوحة المزعومة إلى خاتمة غير ناجحة، لكن هذا الفشل لن يشكل كارثة.

إذا ما تحدثنا إلى المسئولين في البنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية فلسوف نجد أنفسنا أمام سيل من المزاعم المبالغ فيها بشأن الفوائد التي قد نجنيها من نجاح جولة الدوحة. إن هؤلاء المسئولون يجعلون الأمر يبدو في كثير من الأحوال وكأن حياة وأرزاق مئات الملايين من الفقراء في الدول النامية معلقة في الميزان. وإذا ما دققنا في هذه المزاعم فلسوف نكتشف أنها مبنية على أوهام.

يؤكد البنك الدولي في أحدث تقدير صادر عنه أن تحرير التجارة بالكامل (بما في ذلك مجال التصنيع، وبواسطة الدول النامية ذاتها) سوف يعود علـى العالم النامي بربح صاف لا يتجاوز نصف في المائة من دخله. لكن هذا لم يمنع البنك من بذل أقصى الجهد لإخفاء حقيقة هذا التأثير الهزيل وراء ستار من المزاعم ذات التأثير المبهر.

الحقيقة أن اقتصاد العالم أصبح اليوم أكثر انفتاحاً من أي وقت مضى، ولسوف يظل على حاله هذه حتى ولو انهارت محادثات الدوحة. فلقد انفتحت أغلب الدول النامية على نحو ملموس أمام التجارة الأجنبية ولم تعد تتبنى السياسات بالغة الأذى التي كانت تتبناها فيما قبل (مثل فرض القيود الكمية على الواردات).

لقد انقلب الميزان السياسي في هذه الدول وبصورة حاسمة لصالح المجموعات المؤيدة لتحرير التجارة والتي تتسم بتوجهات تميل إلى الخارج. وفي الدول المتقدمة أصبحت الحواجز التجارية أمام السلع المصنعة والعديد من الخدمات الأخرى عند أدنى مستوى يسجله التاريخ. ولسوف يكون من الصعب أن نحدد بالاسم أي دولة فقيرة تعرضت توقعاتها التنموية لمعوقات خطيرة بسبب القيود المفروضة على تعاملاتها مع الأسواق الخارجية. ذلك أن أي دولة تتبنى استراتيجية حكيمة في مجال التنمية تتوفر لديها الفرصة لتنمية اقتصادها بالاستعانة بالتجارة.

ولكن ماذا عن الزراعة؟ ألا تؤدي الإعانات الزراعية وأشكال الدعم الأخرى في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى تهديد أرزاق الملايين من المزارعين في الدول الفقيرة؟ ألن يؤدي إلغاء هذه الإعانات على مراحل إلى إحداث أثر ضخم على الفقر في العالم؟

الحقيقة أن التأثير العالمي الذي سيخلفه تحرير الزراعة على الدول الغنية سوف يكون ضئيلاً نسبياً ومتفاوتاً إلى حد بعيد. وقد تؤدي هذه السياسات إلى الإضرار بالمنتجين الزراعيين في أماكن أخرى، لكنها في ذات الوقت ستعود بالفائدة على المستهلكين الفقراء في المناطق الحضرية من المدن. وإن تحقيق التوازن يعتمد على هيئة الفقر التي تميز كل دولة على حدة، وإذا ما كانت تلك الدولة تصدر الغذاء أم تستورده.

هناك بطبيعة الحال عدد من كبار المستفيدين من الإصلاح الزراعي، لكن هؤلاء المستفيدين هم في الأساس مستهلكون ودافعو ضرائب في الدول الغنية. لكن بعض الدول ذات الدخل المتوسط التي تعد من كبار الدول المصدرة للغذاء (مثل البرازيل والأرجنتين) سوف تحصد الأرباح أيضاً. إن مثل هذه النتائج ليست ضئيلة الأهمية، لكنها تبتعد بمسافات شاسعة عن الصورة التي يرسمها المتعصبين للتجارة الحرة.

إن الخطر الوحيد الذي قد يترتب على "فشل" جولة الدوحة يتلخص في أن الدول الغنية قد تأخذ الخطب العصماء التي تلقيها واللغة الخطابية الطنانة التي تستخدمها على محمل الجد فتتصرف بأساليب هدامة تثبت بها رضاها عن ذاتها ورجاحة تفكيرها. فتستطيع الولايات المتحدة على نحو خاص أن تركز جهودها على عقد الاتفاقيات الثنائية، والتي تتمكن بواسطتها من فرض المزيد من الأولويات السياسية غير الملائمة على الدول الأصغر حجماً.

إن ما يدعو إلى الارتياح في الانهيار السلمي لمحادثات التجارة هو أن هذا الانهيار قد يمنح المفاوضين الفرصة للتركيز على قضايا على قدر أعظم من الأهمية بالنسبة للدول النامية. فمن الضروري أن تحرص جولة المحادثات التجارية التالية على التركيز على غايتين تعاملنا معهما بإهمال لم يسبق له مثيل:

· الجهود الشاملة الرامية إلى تشجيع انتقال العمالة المؤقتة من الدول الفقيرة إلى الدول الغنية. ذلك أننا بتحقيق هذه الغاية نكون قد جنينا أعظم المكاسب من تحرير التجارة، وذلك لأن هذا هو المجال الذي يشتمل على أضخم العوائق وأعلى الحواجز.

· خلق "حيز سياسي" للدول النامية في اتفاقيات منظمة التجارة العالمية. وذلك لأن سعي الدول النامية وراء الأنماط التجارية التي من شأنها أن تعزز النمو، وانتهاج السياسات الصناعية، بات يتعارض على نحو مستمر مع القيود التي تفرضها القواعد التي أرستها منظمة التجارة العالمية. والحقيقة أن النجوم اللامعة في سماء النمو مثل كوريا الجنوبية، وتايوان، والصين، والعديد من الدول الأخرى لم تكن لتتمكن من تبني إستراتيجيات النمو التي تبنتها لو لم تنطبق عليها القيود التي تفرضها منظمة التجارة العالمية اليوم. ويتعين على المسئولين التجاريين أن يستوعبوا الدرس الذي تقدمه لهم خبرات هذه الدول والتجارب التي خاضتها وأن يحرصوا على إصلاح قواعد تحرير التجارة وفقاً لتلك التجارب والخبرات.

ولكن يظل هناك احتمال أن تتوصل مفاوضات التجارة إلى اتفاق ملفق في آخر لحظة في هونج كونج، فنستمع إلى مزاعم حول النصر. وإذا ما حدث هذا فلسوف ينتهي بنا الأمر إلى اتفاق غير ذي قيمة، ولسوف يقودنا مثل هذا الاتفاق بلا أدنى شك إلى الإحباط في المستقبل ـ وبصورة خاصة في الدول النامية. وسنكون بهذا أيضاً قد أهدرنا الفرصة للتوصل إلى تطور حقيقي في الجولة القادمة.

في بعض الأحيان قد يكون الفشل هو الطريق إلى أعظم النجاحات. وقد تشكل جولة الدوحة أفضل تعبير عن هذه الحقيقة.

Exit from comment view mode. Click to hide this space
Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured