Wednesday, September 17, 2014
0

حقوق الملكية الفكرية وانحرافاتها

في شهر أكتوبر الماضي قررت الجمعية العمومية للمنظمة العالمية للملكية الفكرية (WIPO) أن تضع تصوراً لنظام للملكية الفكرية يتكيف وفقاً للتنمية. ولم يحظ هذا التحرك بقدر كبير من الانتباه، لكنه من بعض الجوانب كان على قدر من الأهمية لا يقل عما كان لقرار منظمة التجارة العالمية بتخصيص دورتها الحالية من مفاوضات التجارة للتنمية في العالم. وكل من القرارين يحمل في طياته اعترافاً بأن القواعد الحالية للعبة الاقتصاد الدولي تعكس مصالح الدول الصناعية المتقدمة ـ وعلى نحو خاص مصالح شركاتها الضخمة ـ أكثر مما تعكس مصالح العالم النامي.

مما لا شك فيه أن الافتقار إلى الحماية الكافية للملكية الفكرية يعني إضعاف الحوافز اللازمة للانخراط في أنماط معينة من الجهود والأنشطة الإبداعية. لكن الملكية الفكرية ترتبط ببعض التكاليف الباهظة. فالأفكار تُـعَد أكثر المدخلات أهمية في المجالات البحثية المختلفة، وإذا ما تسببت الملكية الفكرية في تعطيل القدرة على استخدام أفكار الآخرين، فهذا لا يعني سوى المعاناة والعواقب السيئة بالنسبة للتقدم التكنولوجي.

والحقيقة أن العديد من أكثر الأفكار أهمية ـ على سبيل المثال، العلوم الرياضية التي تشكل الأساس الذي قامت عليه علوم الحاسب الآلي الحديثة، أو النظريات التي استندت إليها علوم الطاقة النووية أو الليزر ـ غير خاضعة لحماية قوانين الملكية الفكرية. وينفق العاملون في الحقل الأكاديمي قدراً كبيراً مـن طاقاتهم فـي نشر نتائجهم البحثية علـى أوسع نطاق ممكن. وأنا شخصياً يسعدني أن يطبق شخص ما أفكاري على معلومات غير متماثلة ـ ولو إنني أقدر لذلك الشخص أن ينسب بعض الفضل لي. ويؤكد لنا نمو حركة "المصادر المفتوحة" على شبكة الإنترنت إن الإنتاج بدون الحاجة إلى حماية الملكية الفكرية من الممكن ألا يقتصر على الأفكار الأساسية فحسب، بل إنه قد يتجاوزها إلى المنتجات ذات القيمة التجارية المباشرة الضخمة.

وعلى النقيض من هذا فإن نظام الملكية الفكرية يكافئ المبدعين من خلال خلق قوة احتكارية مؤقتة تسمح لهم بتقاضي أثمان تفوق كثيراً ما كانوا قد يحصلون عليه لو كانت هناك منافسة حقيقية. وفي غمار هذه العملية تنتشر الأفكار وتستخدم بصورة أقل كثيراً مما لو كان ذلك قد تم على نحو آخر.

يقتضي الأساس الاقتصادي المنطقي للملكية الفكرية أن يؤدي تسارع الإبداع إلى موازنة التكاليف الهائلة لأسباب العجز والقصور هذه. ولكن بات من الواضح على نحو متزايد أن المبالغة في قوة حقوق الملحية الفكرية أو صياغتها على نحو رديء من شأنه أن يؤدي في واقع الأمر إلى تعويق الإبداع واعتراض سبيله ـ وليس فقط من خلال زيادة تكاليف البحوث.

وقد تكون الحوافز التي تدفع المحتكرين إلى الإبداع أقل كثيراً مما لو اضطروا إلى التنافس. ولقد أثبتت البحوث الحديثة أن الخبير الاقتصادي العظيم جوزيف سكومبيتر كان مخطئاً حين تصور أن المنافسة في عالم الإبداع تؤدي إلى توريث الشركات لا أكثر. والحقيقة أن الاحتكاري، بمجرد أن يرسخ أقدامه، يصبح من العسير إزاحته، كما برهنت لنا شركة مايكروسوفت على نحو جلي.

وبمجرد أن يتوطد الاحتكار فإنه يستطيع أن يستخدم قوته في السوق لسحق المنافسين، كما أثبتت لنا شركة مايكروسوفت من خلال قضية "متصفح نيتسكيب على شبكة الإنترنت" (Netscape Web browser). وإن إساءة استغلال قوى السوق على هذا النحو من شأنها أن تثبط الإبداع وتعوقه.

فضلاً عن ذلك فإن ما يطلق عليه "غابة براءات الاختراع" ـ والذي يعكس الخوف من أن تطأ التطورات الحديثة براءات اختراع موجودة مسبقاً، والتي قد لا يدرك المبدع الأصلي وجودها ـ قـد يؤدي أيضاً إلى تثبيط الإبداع. فبعد الأعمال الرائدة للأخوين رايت والأخوة كيرتز في عالم الطيران على سبيل المثال، أدت المطالبات العديدة بتسجيل براءات الاختراع المتشابكة إلى إحباط نمو صناعة الطائرات، إلى أن لجأت حكومة الولايات المتحدة أخيراً، وقد أصبحت الحرب العالمية الأولى تلوح في الأفق، إلى فرض اتفاقية خاصة ببراءات الاختراع. والآن يخشى الكثيرون من العاملين في صناعة الحاسب الآلي أن تؤدي "غابة براءات الاختراع" هذه إلى إعاقة نمو برامج الحاسب الآلي.

إن ابتكار أي منتج يتطلب العديد من الأفكار، ومن هنا فأن تصنيف المساهمة النسبية لكل من هذه الأفكار في التوصل إلى المنتج النهائي ـ بصرف النظر عن الأسبقية الزمنية لكل منها ـ قد يكون أقرب إلى المستحيل.

فإذا ضربنا مثلاً بعقار طبي يعتمد على معرفة دولية لعشب طبي مشهور بخصائصه العلاجية، فمـا مـدى أهمية إسهام الشركة الأميركية التي قامت بعزل واستخلاص المادة الفعالة؟ تؤكد شركات إنتاج المستحضرات الصيدلانية أنها لابد وأن تحصل على براءة الاختراع كاملة، وأنها ليس من الواجب عليها أن تدفع أي شيء للدولة النامية التي استقت منها المعرفة التقليدية، على الرغم من أن تلك الدولة تبذل الجهد من أجل الحفاظ على التنوع الأحيائي الذي من دونه ما كان العقار ليصل إلى الأسواق قط. ولا ينبغي لنا أن نندهش إذا ما علمنا أن الدول النامية تنظر إلى الأمور على نحو مختلف.

كان المجتمع يدرك دوماً أن قيماً أخرى قد تَـبُـز الملكية الفكرية. ولقد كانت الحاجة إلى منع القوى الاحتكارية المفرطة سبباً في دفع سلطات منع الاحتكار إلى إلزام الشركات بالحصول على ترخيص إلزامي (كمـا فعلت حكومة الولايات المتحدة مـع شركة الهاتف "ايه تي & تي" AT&T). وحين واجهت أميركا تهديد الأنثراكس في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 الإرهابية، أصدر المسئولون ترخيصاً إلزامية للعقار "كيبريو"، وهو أفضل ترياق معروف للأنثراكس.

ولكن مما يدعو للأسف أن المفاوضين التجاريين الذين تولوا صياغة اتفاقية الملكية الفكرية أثناء جولة أوروجواي التجارية في أوائل تسعينيات القرن العشرين كانوا غير مدركين لكل هذه الحقائق، أو على الأرجح لم يكترثوا بها. في ذلك الوقت كنت أخدم في مجلس المستشارين الاقتصاديين للإدارة الأميركية أثناء ولاية الرئيس كلينتون، وكان من الواضح أن الاهتمام بإرضاء شركات المستحضرات الصيدلانية والشركات العاملة في صناعة الترفيه أكبر من الاهتمام بكفالة نظام للملكية الفكرية يصب في مصلحة العلم، ولن نقول في مصلحة الدول النامية.

وأنا أظن أن أغلب الذين وقعوا على الاتفاقية لم يدركوا على نحو كامل ماذا كانوا يفعلون. فهل لو كانوا قد تفكروا ملياً قبل أن يفعلوا ما فعلوا، أكانوا يحكمون على الآلاف من مرضى الإيدز بالموت لأنهم قد لا يصبح بوسعهم الحصول على عقاقير علاجية متاحة بأسعار معقولة؟ لو كان هذا السؤال قد طُـرِح على برلمانات العالم بهذه الطريقة، فأنا على يقين من أن اتفاقية الملكية الفكرية كانت ستقابل بالرفض على نطاق واسع.

لا أحد ينكر أهمية الملكية الفكرية، لكن نظام الملكية الفكرية الملائم لدولة نامية يختلف عن النظام الذي قد يصلح لدولة صناعية متقدمة. لقد أخفق مخطط اتفاقية الملكية الفكرية في إدراك هذه الحقيقة. والواقع أن الملكية الفكرية ما كان ينبغي لها أن تأتي أبداً ضمن اتفاقية تجارية، وذلك على أقل تقدير لأن تنظيم الملكية الفكرية يتجاوز على نحو واضح اختصاصات المفاوضين التجاريين.

إضافة إلى ذلك، فهناك منظمة دولية موجودة بالفعل وتتولى حماية الملكية الفكرية. ولنأمل أن تتمكن المنظمة العالمية للملكية الفكرية مـن خلال إعادة النظر في أنظمة الملكية الفكرية، من إسماع العالم أصوات الدول النامية على نحو أوضح مما كان في مفاوضات منظمة التجارة العالمية؛ ولنأمل أيضاً أن تنجح المنظمة العالمية للملكية الفكرية في وضع الخطوط العريضة لنظام ملكية فكرية يحرص على تحقيق مصالح التنمية في العالم؛ ويحدونا الأمل في النهاية أن تنصت منظمة التجارة العالمية: فالهدف من تحرير التجارة هو تعزيز جهود التنمية وليس إحباطها.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured