Saturday, August 23, 2014
0

الرأسمالية بخيرها وشرها

باريس ـ بدأت المقايضة الحقيقية في الأسواق ـ المعاملات المباشرة بين التجار والزبائن ـ في الظهور التدريجي قبل ثلاثة إلى أربعة آلاف عام. وفي هذه العلاقة الاجتماعية الجديدة، كان العميل حراً في شراء كل ما يريد أياً كان، ومن أي مكان، ومن الشخص الذي يختاره، وكثيراً ما كان المجال متاحاً أمامه لمساومة البائع حول السعر.

وبسبب هذه السمات فإن السوق الحرة تشكل جزءاً من الحريات الأساسية المتأصلة في الحياة اليومية. وهي لا تزال مهيمنة إلى اليوم، مع فشل كل الجهود الرامية إلى تأسيس أي بديل، حتى الحكم الشمولي المستبد. وقبل عشرين عاماً فقط انضمت البلدان الشيوعية السابقة في أوروبا الشرقية إلى عالم التبادل السوقي، وهي الخطوة التي سبقتها إليها الأنظمة الديمقراطية الاجتماعية في مختلف أنحاء العالم منذ عام 1946.

كانت السوق الحرة لعدة آلاف من السنين تتألف من أفراد: الحرفيين والتجار والمستهلكين. وحين نشأت الرأسمالية قبل ثلاثة قرون من الزمان فإنها كانت ببساطة تمثل نفس النشاط ولكن على نطاق أوسع. وبسبب انتشار المحركات البخارية والكهرباء، تمكن عدد ضخم من الناس من العمل في جماعات، وبات بوسع الشركات أن تجتذب عدداً ضخماً من صغار المدخرين، الذين تحولوا إلى أصحاب رأسمال.

والواقع أنه كان نظاماً رائعاً. فبحلول الثورة الفرنسية كان مستوى المعيشة قد تضاعف بالكاد منذ أيام الإمبراطورية الرومانية. واليوم أصبح مستوى المعيشة أعلى بما يعادل مائة وخمسين ضعفاً.

ولكن الرأسمالية تتسم بالقسوة أيضاً. ففي بداياتها كان الناس مرغمون على العمل سبع عشرة ساعة يومياً بدون يوم عطلة أو تقاعد. أي أنها كانت تشكل نوعاً من العبودية. وبفضل الديمقراطية، والصراع الاجتماعي، والنقابات العمالية، إلى جانب الجهود السياسية التي بذلتها الديمقراطية الاجتماعية، أصبحت قسوة النظام وعدم إنسانيته أخف وطأة جزئياً.

ورغم ذلك فإن النظام غير مستقر لو تُرِك لنفسه. فهو يمر بأزمة كل عقد من الزمان تقريباً. وكانت أسوأ أزمات القرن العشرين بين عامي 1929 و1932 سبباً في خسارة سبعين مليون عامل وظائفهم في بريطانيا العظمى، والولايات المتحدة، وألمانيا (وبدون إعانات بطالة) في أقل من ستة أشهر. وكانت نفس الأزمة سبباً في صعود أدولف هتلر إلى السلطة، الأمر الذي أدى إلى الحرب التي خلَّفت خمسين مليون قتيلاً.

وبعد الحرب انتشر على نطاق واسع اعتقاد مفاده أن النظام يحتاج إلى الاستقرار. وفي النهاية نشأ نظام أكثر توازناً ارتكز على ثلاث مؤسسات رئيسية: التأمين الصحي، والسياسة النقدية والمالية الكينزية لتخفيف أثر الدورة التجارية، وفي المقام الأول من الأهمية سياسة الرواتب المرتفعة والحد من التفاوت الاقتصادي من أجل دعم الاستهلاك الأسري.

وكانت الإنجازات مذهلة: ثلاثين عاماً من النمو الاقتصادي المطرد السريع، والتشغيل الكامل الدائم للعمالة في كل الدول المتقدمة، وغياب الأزمات المالية أو الاقتصادية. فضلاً عن ارتفاع مستويات المعيشة إلى ما يقرب من عشرة أمثالها أثناء هذه الفترة. وأصبح الازدهار السلاح الرئيسي لضمان انتصار الغرب على الشيوعية السوفييتية. وكانت شعوب أوروبا الشرقية متلهفة إلى احتضان هذا النوع من الرأسمالية.

غير أن النجاح السياسي الذي حققته الرأسمالية جاء في وقت حيث بدأ النظام في التدهور. فقد نجحت الرواتب العالية في دفع النمو ولكنها تسببت في انخفاض المكاسب. ونظم حملة الأسهم أنفسهم في هيئة صناديق تقاعد، وصناديق استثمار، وصناديق وقاء. وبسبب الضغوط التي فرضها حملة الأسهم فقد هبطت مستويات تشغيل العمالة، وانخفضت حصة الأجور في الدخل الوطني الإجمالي بنسبة 10% على مدى الأعوام الثلاثين الماضية.

وفي الدول المتقدمة بلغ عدد الفقراء العاملين 10-15% من قوة العمل، بالإضافة إلى 5-10% من العاملين العاطلين عن العمل، و5-10% آخرين انقطعوا عن سوق العمل تماماً. فضلاً عن ذلك فعلى مدى ربع القرن الماضي كانت أزمة مالية حادة ـ إقليمية أو عالمية ـ تنشأ كل أربعة إلى خمسة أعوام. وهبط معدل النمو السنوي إلى أدنى من 3% في المتوسط. واندلعت أزمة اليوم بسبب اتساع نطاق إخفاء القروض السيئة في هيئة مجموعات مركبة من الأوراق المالية المباعة في مختلف أنحاء العالم.

وكان انتشار حالات الإفلاس سبباً في اندلاع أزمة ائتمان حادة، والتي أدت بدورها إلى ركود عميق وارتفاع حاد لمستويات البطالة. وفقدت أدوات التثبيت الثلاث التي كانت الرأسمالية تعتمد عليها فيما مضى كفاءتها. وفي حين جاءت استجابة البلدان الغنية أسرع وأكثر حكمة في تحفيز اقتصادها مقارنة بالحال في أزمة عام 1929، ورغم نجاحها في وقف نزيف البنوك، إلا أن كل ذلك لم يكن كافياً لدعم النمو.

والآن نمر بفترة غريبة حيث يبشر المسؤولون الحكوميون والمصرفيون والصحافيون بنهاية الأزمة، فقط لأننا لم نعد نسمع عن إفلاس بنك ضخم جديد في كل أسبوع. ولكن المشاكل لم تُـحَل، ومستويات البطالة ما زالت مستمرة في الارتفاع.

بل والأسوأ من كل ذلك أن القطاع المصرفي يحاول انتهاز فرصة حزم الإنقاذ الممولة بأموال عامة لحماية امتيازاته، بما في ذلك المكافآت التي بلغت ضخامتها حدوداً تتنافى مع الأخلاق والحريات الشاذة في خلق الأصول المالية القائمة على المضاربة والتي لا يربطها أي شيء بالاقتصاد الحقيقي. والواقع أن النهاية المزعومة للأزمة تبدو أقرب إلى عملية إعادة هيكلة للآليات التي أحدثتها في المقام الأول.

لقد استقرت مستويات النشاط الاقتصادي في كل مكان وعلى نحو مؤلم عند 5% إلى 10% أدنى من مستويات عام 2007. وتظل جذور الأزمة راجعة إلى هبوط القوة الشرائية من جانب الطبقات المتوسطة ودون المتوسطة، وانهيار فقاعات المضاربة التي خلقها جشع الطبقات الثرية. ولكن إن كان لنا أن ننجح في التوصل إلى نظام حيث يستطيع الجميع تقريباً أن يحسنوا من أحوالهم، فليس من الجائز أن يستمر الأثرياء في اكتساب المزيد من الثراء في الوقت نفسه. وإلا فلابد وأن ننتظر فترة طويلة من الكساد تتخللها أزمات مالية دورية.

في ظل هذه الظروف، أظهر أغلب الناخبين الأوروبيين، مرة أخرى، أنهم يفضلون اليمين وميله إلى دعم الساعين إلى جمع الثروات. ويا له من مستقبل مظلم ينتظرنا جميعاً.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured