Friday, October 31, 2014
2

فوكوشيما، اختبار أوروبا النووي

مدريد ــ من المنظور الأوروبي، شهدت اللاعقلانية التي انطوى عليها الخطاب السياسي والإعلامي فيما يتصل بقضية الطاقة النووية، زيادة كبيرة منذ انصهار المفاعل النووي في محطة دياتشي اليابانية في فوكوشيما في العام الماضي. ورغم هذا فإن التقييم النزيه لوضع الطاقة النووية في العالم يظل ضرورياً وصعباً بنفس القدر.

لا ينبغي للأوروبيين أن ينتهجوا أسلوباً أبوياً في التعامل مع سياسة الطاقة النووية وكأن رأينا يشكل أهمية بالغة في مختلف أنحاء العالم. ولكننا نفعل هذا. ومن ناحية أخرى تتحمل أوروبا مسؤولية مقيدة فيما يتصل بالأمن، حيث لا يزال بوسعنا تأسيس إطار دولي تنظيمي ومؤسسي كفيل بحمل الدول على الانضباط وجلب قدر أعظم من الشفافية عندما يتعلق الأمر بمخاطر عالمية مثل الطاقة النووية.

وبنفس القدر، تتحمل أوروبا المسؤولية عن تعزيز البحوث في مجال التكنولوجيات الأكثر أمانا، وخاصة التأسيس لجيل رابع من تكنولوجيا المفاعلات النووية. فنحن الأوروبيون لا نملك ترف تفكيك قطاع صناعي ذي قيمة مضافة عالية ولا نزال نتمتع فيه بميزة نسبية حقيقية.

في أوروبا، أثار حادث فوكوشيما حملة إعلامية توعدت بالدمار والهلاك بسبب الطاقة النووية. فبشرت مجلة دير شبيجل الألمانية بكارثة أشبه بهجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول الإرهابية لحقت بصناعة الطاقة النووية، و"نهاية العصر النووي"، في حين أكدت مجلة إل بايس الأسبانية الرائدة أن "هذه الطاقة غير عقلانية"، وأن "الصين كبحت طموحاتها النووية". ولكن الواقع أثبت أن مثل هذه التقديرات منحازة وخاطئة تماما.

صحيح أن عدد قليل من البلدان ــ بلجيكا وإيطاليا وألمانيا وسويسرا، إلى جانب بيرو الدولة غير الأوروبية الوحيدة التي انضمت إلى هذا الاتجاه ــ أعلنت رسمياً عن اعتزامها التخلص التدريجي من الطاقة النووية أو تجنبها تماما. ولكن هذه القرارات تؤثر على 26 مفاعلاً في الإجمال، في حين يظل العمل جارياً في إنشاء 61 مفاعلاً في مختلف أنحاء العالم، فضلاً عن 156 مفاعل متوقع، ونحو 343 مفاعل قيد الدراسة الرسمية. وإذا تحققت هذه الخطط فإن عدد المفاعلات العاملة، الذي يبلغ حالياً 437 مفاعلاً سوف يتضاعف.

ولكن الأمر الأكثر إثارة للاهتمام أنا هذه الطفرة النووية ليست عالمية: فالبرازيل تتصدر دول أميركا اللاتينية، في حين كان التطور الأكثر سرعة جارياً في آسيا، وأغلبه في الصين والهند. وإذا قارنا هذا التوزيع الجغرافي بصورة للمواقع النووية قبل الانصهار النووي الذي حدث على جزيرة ثري مايلز في الولايات المتحدة في عام 1978، فسوف يتبين لنا وجود علاقة قوية بين السياسة التي تتخذها الدولة في التعامل مع الطاقة النووية ومكانتها الجيوسياسية وقوتها الاقتصادية.

ففي حين عكست الشهية لإنشاء المفاعلات النووية في سبعينيات القرن العشرين الثِقَل الدولي للاتحاد السوفييتي، ومن حيث المبدأ ثِقَل الغرب الجيوسياسي ــ اليابان والولايات المتحدة وأوروبا ــ فإن مركز الثِقَل اليوم تحول على نحو لا رجعة فيه باتجاه الشرق، حيث أصبحت الطاقة النووية "بوابة إلى مستقبل مزدهر". والواقع أن الرئيس الأميركي باراك أوباما، الذي يوافق بوضوح على وجهة النظر هذه، راهن بجرأة على أن ضمانات القروض والبحوث في مجال إنشاء مفاعلات صغيرة من شأنها أن تعزز من مكانة أميركا العالمية في طليعة التكنولوجيا النووية وأهميتها في النظام العالمي الجديد.

لا شك أن الطاقة تشكل شريان الحياة لأي مجتمع، وهو ما ينعكس في العلاقة المتبادلة بين الطلب على الطاقة والدخل. وفي هذا الصدد تبرز مزايا الطاقة النووية، وخاصة القدرة على الاعتماد عليها وتكاليفها التي يمكن التنبؤ بها. وتشير توقعات الطاقة العالمية لهيئة الطاقة الدولية لعام 2010 إلى ارتفاع في الطلب على الطاقة العالمية بنسبة 40% بحلول عام 2030 ــ وهو واقع مؤكد ملموس في الدول النامية، وخاصة في آسيا.

لذا فإن توسع الطاقة النووية يظل يشكل حقيقة ثابتة. ولكي نتصرف بما تمليه علينا المسؤولية فيتعين علينا في أوروبا أن نعمل على تعزيز معايير الآمان الدولية في التعامل مع الطاقة النووية، لا أن نختار الخروج من اللعبة بالكامل. والدرس الحقيقي المستفاد من فوكوشيما يتلخص في أن الضوابط التي تحددها الدولة ضرورية ولكنها لا تكفي لضمان السلامة النووية.

ومن المؤسف أن الاقتراح الذي تقدمت به الهيئة الدولية للطاقة الذرية، والذي يرمي إلى تبني نظام ضوابط دولي فعال فيما يتصل بسلامة وأمان الطاقة النووية في مختلف أنحاء العالم، فشل بشكل صارخ مع رضوخ الاتحاد الأوروبي. والأسوأ من هذا أن موازنة الهيئة الدولية للطاقة الذرية، التي لا تتجاوز بالفعل 300 مليون يورو، تم تخفيضها بنسبة 10% تقريبا.

وفي هذا السياق، فإن المبادرة الرامية إلى تفويض الهيئة الدولية للطاقة الذرية بالقيام بعمليات تفتيش عشوائية لنحو 10% من المفاعلات العاملة على مستوى العالم في غضون ثلاثة أعوام أضعفت إلى حد كبير، ومرة أخرى بدعم فعّال من جانب الاتحاد الأوروبي، على أساس أن المسؤولية عن الأمن والتفتيش لابد وأن تقع في المقام الأول على كاهل الدول الأعضاء. فلم يصل إلى الاتفاق النهائي سوى بند هزيل يجعل عمليات التفتيش المشتركة مع الهيئة الدولية للطاقة الذرية اختياراً طوعيا. أما عن الاتحاد الأوروبي ذاته، فقد كشفت المناقشة والصياغة النهائية لاختبارات الإجهاد "الطوعية" في مارس/آذار 2011، والتي أطلق عليها رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك وصف "العاصفة"، عن مجموعة مذهلة من أوجه القصور ونقاط الضعف.

ولعل التناقض الأكثر لفتاً للنظر في الخطاب الأوروبي فيما يتعلق بالمسألة النووية يكمن في التضارب بين الجهود الظاهرية لدعم النمو الاقتصادي وتشغيل العمالة، وبين صفاقة الدول الأعضاء في التخلي عن الصناعة النووية، والذي يعتمد على أمور مثل التصميم والهندسة ومهارات القيادة والسيطرة التي تؤسس للميزة النسبية التي تتمتع بها أوروبا في هذه الصناعة.

ولكن هناك استثناء واحد يثلج الصدر ويتلخص في الاتفاق الذي تم مؤخراً بين المملكة المتحدة وفرنسا لتشكيل تحالف تصنيعي بين شركة رولز رويس وشركة أريفا في مجال التكنولوجيا النووية. ولكن لا ينبغي لهاتين الدولتين أن تكونا بمفردهما في هذا الجهد. فهل من المعقول أن تتخلى دول أوروبا عن كنز من الازدهار على أساس إيديولوجي لا صلة له بالموضوع برمته من منظور عالمي؟

إن صعود القوة النووية في أوروبا كان متوازياً مع قدرتها الاقتصادية في مرحلة ما بعد الحرب. فقد تزامن مع ذروة إيمان الغرب بقوته الاقتصادية التي ارتفعت إلى عنان السماء وصعوده العالمي الدائم. ولكن اليوم، وفي ظل نظرة متزايدة التوسع إلى أوروبا باعتبارها الرجل المريض في الاقتصاد العالمي، فإن حتى تخلي القارة عن الطاقة النووية لن يخلف تأثيراً يُذكَر على الساحة العالمية. ومن الواضح أن إملاء توجه الخطاب السياسي لم يعد دوراً تلعبه أوروبا. بل إن الدور المطلوب من أوروبا اليوم هو أن تتصرف من منطلق إدراكها لمسؤولياتها.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (2)

Please login or register to post a comment

  1. CommentedPatrice Ayme

    To be against nuclear energy is to be against man. As simple as that. The present technologies are not good, but other nuclear technologies can be developed, perfectly safe, very clean, and much more efficient.

    Moreover, thorium nuclear energy, for example, can be disconnected from nuclear weapons completely, as it does not use materials which can be manufactured to make bombs.

    Overall, civil nuclear energy has killed very few people, even including the criminally misconceived military reactor at Chernobyl. Coal burning kills hundreds of thousands through pollution, worldwide, and that does not include all the mercury vapor it creates.
    http://patriceayme.wordpress.com/

  2. CommentedAndrés Arellano Báez

    If nuclear power seems to be so important in the future, it is not a big mistake related this kind of energy with nuclear weapons, like is happening today in Iran? I think the increase of nuclear plants should be coordinated with the cancelation of nuclear weapons all over the world, starting with U.S.A.

Featured