مكسيكو سيتي –لقد حقق الرئيس المكسيكي اخيرا مبتغاه وهو استقالة سفير الولايات المتحدة الامريكية كارلوس باسكوال . ان ما قام به كالديرون بشبه اطلاق النار على الرسول لأنه أتى باخبار سيئة ولقد كانت هذه الاخبار السيئة هي البرقيات السرية التي افرجت عنها ويكيليكس والمتعلقة بتقييم باسكوال القاسي فيما يتعلق " بالحرب على المخدرات " والتي شنها الرئيس كالديرون قبل اربع سنوات علما ان ذلك التقييم قد أغضب الرئيس .
ان التسريبات اغضبت ايضا الجيش المكسيكي ، حيث كشفت تلك التسريبات ان القوات المكسيكية لا تتصرف عادة على ضوء المعلومات الاستخبارية التي توفرها الولايات المتحدة الامريكية كما ان تلك القوات تكره بشده ان تأخذ أية مخاطرة. لقد وصف باسكوال في تقييمه الموقف الذي يعكس فشل الاجهزة الأمنية المكسيكية والتي تقاتل بعضها البعض اكثر من قتالها ضد الجريمة المنظمة.
لقد تم اجبار باسكوال على المغادرة لأنه قام بوصف الواقع الذي لا يريد كالديرون ان يواجهه والذي تفضل حكومته ان تتجاهله أي بعبارة أخرى ، فلقد فقد باسكوال وظيفته لأنه قام باداء مهام وظيفته على أكمل وجه.
لكن الحقيقة المرة التي كشفها الدبلوماسيالامريكي تظهر كل يوم بغض النظر عن تأثير اعتقال زعماء عصابات المخدرات أو كميات الاسلحة التي يتم اكتشافها أو كمية الكوكايين التي تتم مصادرتها. ان المكسيك لا تكسب " الحرب " ضد تهديد المخدرات والجريمة المنظمة : ان اجبار باسكوال على الاستقالة لن يخفي مصرع 34 الف شخص والاعداد المتزايدة من المكسيكيين المدمنين على المخدرات وارتفاع معدلات الخطف والاعدامات بالاضافة الى انتشار الافلات من العقوبة على نطاق واسع.
ان الخط الرسمي يتمثل في ان العنف هو نتيجة حتمية للمواجهة مع كارتيلات المخدرات . لكن هناك بلدان أخرى نجحت في منع عصابات المخدرات من استهداف المدنيين الابرياء وبينما يقال للمكسيكيين ان العنف هو بين العصابات المتنافسة فقط ، فإن الاعدامات تتجاوز مجال تهريب المخدرات . تقوم الحكومة المكسيكية بحث مواطنيها على شجب المجرمين بالرغم من ان 98،5% من قضايا الجرائم لا يتم حلها. طبقا لاستطلاع للرأي نشر مؤخرا فإن 59% من المكسيكيين يعتقدون بإن الحكومة تخسر تلك الحرب التي اعلنتها مقابل 23% فقط يدعمون المسار الحالي للحكومة.
لقد كتب سان تزو في كتابه فن الحرب ، ان جميع الحروب تتضمن عنصر الخداع والمكسيك اصبحت اخر ضحاياها. لم تكن الحكومة المكسيكية صريحة بشكل كافي فيما يتعلق بحجم التحديات التي تواجهها والاجراءات التي اتخدتها ومستوى الدعم والمشاركة والتعاون التي سعت للحصول عليها من الولايات المتحدة الامريكية .
هنا تكمن التناقضات والتهرب ونقص الشفافية فيما يتعلق بالبنود التي على اساسها انطلقت حرب كالديرون . ان كل شخص في فريقه يطالب بإن تعطي الولايات المتحدة الامريكية المزيد من الاهتمام وتخصص المزيد من الموارد للجهود التي يبذلها كالديرون ، ولكن يتم انكار ذلك بالعلن عندما تتكشف أدلة عن تواجد امريكي مكثف في المكسيك .
لقد وجدت ادارة كالديرون في الاسابيع الاخيرة صعوبة بالغة في تفسير كيف ولماذا تم السماح للطائرات الامريكية بدون طيار بالتحليق فوق الأراضي المكسيكية لغايات جمع معلومات استخبارية. لكن بينما يصر كالديرون ان تتولى الولايات المتحدة الامريكية مسؤولياتها الثنائية ، يصر ايضا على المطالبة برأس السفير الامريكي بسبب قيام الاخير بكشف اخطاءه التكتيكية والاستراتيجية في الحرب التي يصر على ان يستمر بشنها.
ان الموقف المتناقض لكالديرون نجد جذوره في اساليب الطبقة السياسية المكسيكية والتي تعتمد على ردة الفعل كما ان هذه الطبقة معتادة على كسب النقاط عن طريق مهاجمة الولايات المتحدة الامريكية . لقد قام كالديرون ايضا بمحاولة الاحتماء وراء العلم المكسيكي والانخراط في مشاحنات تتعلق بالسيادة تحت الحصار .
ان كالديرون بعبارة اخرى يوجه اتهامات للولايات المتحدة الامريكية بالتدخل بالرغم من انه يسعى باجتهاد للحصول على مثل هذا التدخل وهو ينتقد الولايات المتحدة الامريكية على تدخلها في الشؤون الداخلية بعد ان تكون حكومته قد طلبت مثل هذا التدخل. لقد تم اتهام باسكوال بالتصرف مثل الحاكم بعد ان قامت السلطات المكسيكية- بسبب عدم الكفاءة او عدم المسؤولية – بتكليفه بهذا الدور. لقد هاجم كالديرون في مقابلة اجراها مؤخرا باسكوال بضراوة بسبب " جهله" ، وذلك بعد ان قام السفير بارسال برقيات لا جدال فيها تصف الموقف الحقيقي على الارض . ان من المؤلم قراءة تلك البرقيات ولكن في الوقت نفسه من الصعب دحضها.
لقد كان يتوجب على كالدريون بدلا من ان يقتل الرسول ، ان يفكر مليا بالرسالة نفسها وان يعيد التفكير ليس فقط في الحرب ولكن ايضا في البنود التي على اساسا قرر شن تلك الحرب. يجب ان تؤدي البرقيات الى قيام كالديرون بتصحيح استراتيجة قد زادت لغاية الان مستوى العنف بدون التقليل من تهريب المخدرات.
ان " نجاح" الحرب يجب ان يقاس بمقدار انخفاض مستويات العنف كما ان الاستتاجات التي توصل اليها باسكوال يجب ان تجبر كالديرون على اعادة تحديد علاقة المكسيك مع الولايات المتحدة الامريكية بأسلوب مبني على أساس الصراحة والصدق. لو لم يحصل ذلك فإن قدرة كالديرون على التخلص من السفير الامريكي وأية مكاسب سياسية قصيرة المدى له بسبب ذلك سوف لن يكون لها أية اهمية.
ان من الواضح انه حتى بعد قيام " الامريكي البشع " بحزم امتعته ، فإن سيوداد خواريس سبتقى اخطر مدينة في العالم . سوف يستمر معدل جرائم القتل في البلاد بالارتفاع كما ستبقى الاجهزة الأمنية عاجزة عن منع واكتشاف الاغلبية الساحقة من الاحداث العنيفة والذي وضعت البلاد على حافة الهواية ومعاقبة من يقف خلف تلك الاحداث. سوف تستمر الحكومة المكسيكية في طلب مساعدة الولايات المتحدة الامريكية بالسر وانكار قيامها بذلك بالعلن.


Comments (0)
You need to login in order to leave a comment. If you do not yet have an account, please register.
The two commenting options explained
Watch a 1 minute video
to discover how you can comment on the entire article or a specific paragraph. The two images below also explain the two ways of commenting.
1) Entire article comment
Once logged in, simply click inside the comment box where it says "Enter text here." Enter and post your comment.
2) Paragraph comment
Please log in first. Then click to the left of the desired paragraph. Your cursor will automatically move to the comments box. Enter and post your comment.