Friday, October 24, 2014
0

في التوسع وحدة وتضامن

غالباً ما تطلق هذه الأيام ادعاءات تقول بأن التوسع الذي قام به الاتحاد الأوربي والذي شمل بلدان أوربا الوسطى والشرقية، هدد التكافل الأوربي، لا بل مزقه أشلاءً. وبينما تقترب بلغاريا ورومانيا أكثر فأكثر من الدخول في الاتحاد، ومع تزايد المباحثات مع تركيا حول انضمامها له، والإعداد للمباحثات الخاصة بكرواتيا، تتزايد أهمية ضحد هذه الادعاءات.

تتطابق مصالح وقيم الدول التي دخلت حديثاً في الاتحاد الأوربي مع قيم ومصالح الدول الخمسة عشرة التي سبقتها. من الحق أن نقول بأن التوسع الجديد الذي طرأ على الاتحاد، غير الاتحاد جذرياً وطرح مشاكل وهموم سياسية جديدة. ولكن انغماس دول أوربا الوسطى والشرقية التي انضمت إلى الاتحاد حديثاً في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لقارتنا هو أمر مفروغ منه. ورغم البلاء الذي تعرضت له الروابط الأوربية نتيجة لأربعين سنة من الحكم السوفيتي إلا أن هذه الدول حافظت على شخصيتها الأوربية.

لطالما كان لبلدي، بولندا، روابط ثقافية وثيقة مع غيرها من الدول الأوربية، وخاصة مع فرنسا. فقد شاركنا في كل التطورات الرئيسية الكبرى في الموسيقا والأدب والسينما الأوربية ـ تذكروا أفلام آندريه وايدا من عصر التكافل مثل فيلم "دانتون"، الذي كان انتاجاً فرنسياً، بولندياً مشتركاًً.

حتى في الرياضة، لطالما تكاملت أوربا الشرقية مع بقية أوربا. وبالفعل، فقد تألف الفريق الألماني الوطني لكرة القدم قبل الحرب العالمية الأولى بمعظمه من أسماء بولندية. ويمكننا أن نقول علاوة على ذلك، بعمق إحساس انتماء البولنديين والهنغاريين والتشيك وغيرهم لأوربا.

الأمر المطابق لتعريف معجم أوكسفورد الإنكليزي لكلمة "التكافل" ـ "هوالاتحاد الناتج عن المشاعر والانسجام الوجداني".

التكافل بمعناه الاتحادي الناتج عن المصالح المشتركة ظاهرٌ بوضوح لدى الدول الخمسة عشرة الأولى التي شكلت الاتحاد ولدى دول التوسع التي انضمت مؤخراً إليه. لقد أثبتت الاستثناءات القاعدة. لا يجب أن يوحي الاختلاف الأوربي حول المسألة العراقية الأخيرة باختلاف مواقفها حول القضايا الدولية الأخرى، وأن لا يسمح لاختلاف أوربا حول مسألة اقتصادية واحدة، ليس إلا، بأن يتطور ليغمس حقيقة اتفاق أوربا، بقديمها وجديدها، حول أهمية سوقها الداخلية.

تعتبر عملية التوسع بحد ذاتها رمزاً للوحدة الأوربية في المناحي الاجتماعية والمدنية والثقافية. إذ لا تنفي الاعتراضات والنقاشات التي أثارتها الوحدة الأوربية اقتناع دول الاتحاد العميق جميعها بمسؤوليتها تجاه إعادة بناء القارة بعد أربعين سنة من الانقسام.

هناك الكثير من الأمور التي وإن لم تكن انفصالية بجوهرها، إلا أنها مثيرة للقلق. هل علينا أن نخشى حقيقة أوربا التي لم تعد قارة محضة لليهود والمسيحيين البيض؟ وهل سيستطيع مواطني أوربا المتحدرين من أصول غير أوربية والذين يعتنقون الهندوسية أو الإسلام أو البوذية أو السيخية الاعتراف بالقيم والثقافة الأوربية؟ هل سيستطيعون الإحساس بأنهم أوربيون كما أحس البولنديون والتشيك دائماً؟

غالباً ما تظهر مثل هذه الأسئلة على السطح، وبالفعل، تبدو الإجابة عنها ملحة، خصوصاً مع احتمال انضمام تركيا للاتحاد. هل يتمثل التكامل الأوربي في احترام قيم الآخر؟ هل هي مسألة المشاركة فيها أو الإضافة إليها وتنميتها.

تعتبر هذه الأسئلة مفصلية. وتبدو الإجابة عنها صعبة فعلاً فيما إذا نظرنا إلى الثقافة على أنها العروة التي ستجمع المستقبل الأوربي. لطالما اعتقدت معظم الدول الأوربية بقدرة القادمين الجدد على الاندماج مع أوروبا بنفس الطريقة التي اندمج فيها المهاجرون البولنديون مع مقاطعة روهر الألمانية في القرن التاسع عشر.

لا يدعو عدم تحقق ذلك على نطاق واسع إلى الاعتقاد باستحالة تحققه على الإطلاق. فلننظر إلى الأعداد المتنامية من الألمان الذين ينتمون إلى أصول تركية. وللنظر إلى الجيل الثاني من الهنود والباكستانيين البريطانيين الذين يلبسون البزات الرسمية ويحملون الكومبيوترات المنقولة ويطيرون حول العالم.

ولكن على الأوربيين أن يعترفوا بأن هؤلاء الأفراد إنما يشكلون أقلية صغرى؛ إذ تجد معظم الجماعات المهاجرة في أوربا نفسها مجبرة على الارتداد إلى مجتمعاتها نتيجة لاستحالة الاندماج الاجتماعي والاقتصادي. وقد أدى تهديد الإرهاب المستمر إلى تعميق هذه العزلة بالنسبة لسكان أوربا المسلمين.

لا يحق لأوربا ادعاء التكافل كقيمة جوهرية دون أن ترعى هذا التكافل ضمن سكانها المهمشين. من حق هؤلاء أيضاً أن يشعروا بهذه الروابط "الاتحاد الناتج عن المشاعر والانسجام الوجداني". لن يقوى التكافل الأوربي على البقاء، ولن يبقى في حال استمراره في تجاهلهم.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured