أصبح لدى الاتحاد الأوروبي الآن عملة موحدة، ولكن ماذا عن لغة موحدة؟ منذ نشأ الاتحاد الأوروبي جعل لغة كل دولة من الدول الأعضاء واحدة من لغاته الرسمية. وحتى اللغة الأيرلندية التي لا ينطق بها سوى أقلية محلية ضئيلة، فقد منحها الاتحاد وضعاً رسمياً كاملاً.
ويأتي التعامل مع كافة لغات الاتحاد الأوروبي على قدم المساواة كنتيجة مباشرة للمساواة الرسمية بين كافة الدول الأعضاء وفقاً للمعاهدات التأسيسية. كما يرجع هذا الأمر أيضاً إلى مبدأ ديمقراطي يستند إلى أن القوانين في كل دولة مكتوبة باللغة التي تنطق بها تلك الدولة.
لكن موقف الاتحاد الأوروبي كحامٍ للتنوع اللغوي لا يمكنه أن يحجب ما نشهده الآن من اندفاع جماعي مفاجئ نحو اللغة الإنجليزية. وعلى ما يبدو أنه كلما كثرت اللغات كلما ازدادت أعداد الناطقين باللغة الإنجليزية. ومع ذلك فما زالت المفوضية الأوروبية تشجع شباب أوروبا على تعلم أكبر عدد ممكن من اللغات المختلفة. وإنه لمن قبيل الانتحار السياسي أن نُـقِر بما آلت إليه الأمور في الحقيقة، حتى ولو كانت السياسة الرسمية تؤدي فقط إلى زيادة احتمالات عجز الأوربيين عن التفاهم بين بعضهم البعض، على الرغم من كل ما يبذلونه من جهود.
قد تكون مثل هذه النتيجة بعيدة الاحتمال، لكن ذلك فقط لأن مشكلة اللغة في أوروبا أصبحت تتجه نحو حل نفسها بنفسها. ففي كل مكان من الاتحاد الأوروبي، كما هي الحال في كثير من أجزاء العالم، من شبه القارة الهندية إلى أجزاء ضخمة من قارة أفريقيا، أصبحت اللغة الإنجليزية تعمل على نحو متزايد باعتبارها اللغة الدولية للاتصال بين شعوب العالم.
والحقيقة أن مؤسسات الاتحاد الأوروبي تحرص دوماً في اجتماعاتها العامة والرسمية على إتاحة الترجمة لكل اللغات، من حيث المبدأ على الأقل، من كل لغة إلـى كل لغة أخرى. وفي كل يوم يتولى مئات المترجمين القيام بهذه المهمة، ويتم ترجمة ملايين الصفحات سنوياً حتى يتسنى للمواطنين مراجعة قانون الاتحاد الأوروبي بلغاتهم الأصلية.
في مستهل الأمر استثمر الاتحاد الأوروبي بكثافة في تطوير الترجمة الآلية، لكنه تخلى عن المشروع فيما بعد. ونتيجة لهذا فإن الترجمة بنوعيها التحريرية والفورية أصبحت تتقدم في خطوتين، من لغة أقل استخداماً إلى ست لغات "انتقالية"، ثم من تلك اللغات إلى لغات أخرى أقل انتشاراً. وهذا من شأنه أن يوفر الموارد، لكنه أيضاً يدل ضمناً على فقدان قدر كبير من المعنى الأصلي للغة المترجمة.
فضلاً عن ذلك فإن عدداً أقل من اللغات يستخدم في "الغرف الخلفية الهادئة " للاتحاد الأوروبي حيث تكون الاجتماعات أقل رسمية ويكون المشاركون فيها أقل مقاماً. أما حين يجتمع مسئولو الاتحاد الأوروبي أو يقومون بوضع مسودة تمهيدية لوثائق داخلية، فإنهم يستخدمون "اللغات العاملة" فقط: الفرنسية، وفي أحيان أكثر الإنجليزية. أما اللغة الألمانية، وهي اللغة الوطنية الأوسع انتشاراً، فهي لا تحرز تقدماً إلا بالكاد. وقد يطالب المندوبون بالترجمة الفورية إلى لغتهم الأصلية، ولكن هناك اقتراح بتقليص الميزانية المخصصة لكل دولة لأغراض الترجمة، ومن المرجح أن يتم قبول هذا الاقتراح قريباً.
نستطيع أن نلاحظ هيمنة اللغة الإنجليزية على نحو أكثر وضوحاً فيما يتم من اتصالات بين مواطني الاتحاد الأوروبي، حيث أنها اللغة الأجنبية الأولـى فـي كل دول أوروبا "القديمة". أما بين الدول الأعضاء الجديدة في الاتحاد الأوروبي، فلسوف نجد أن اللغة الإنجليزية تحل بسرعة محل اللغة الروسية باعتبارها اللغة الأجنبية الأكثر استخداماً.
والحقيقة أن تسعة من بين كل عشرة من أطفال المدارس في الاتحاد الأوروبي يتعلمون اللغة الإنجليزية الآن، ونصف هذه النسبة تقريباً يتعلمون اللغة الفرنسية، وربعها يتعلمون اللغة الألمانية، وثمنها يتعلمون اللغة الأسبانية. وهذه الأرقام في انخفاض على الرغم الجهود التي تبذلها المفوضية، وذلك لأن الناس يميلون إلى اختيار اللغة الأجنبية التي يعتقدون أنها الأكثر استخداماً ودراسة بين الآخرين.
وهذه العملية تشبه اختيار كل ما هو قياسي، في مجال السلع الإلكترونية الاستهلاكية على سبيل المثال. فالناس يميلون إلى اختيار الأسماء القياسية المعروفة مثل (VHS, Windows, DVD)، والتي يعتقدون أنها تحتل القمة في مجالها. وعلى ما يبدو أن اللغة الإنجليزية قد بلغت الآن نقطة اللا عودة في توسعها العالمي المتسارع، فتنافس اللغات الوطنية في بعض الميادين المتنوعة مثل الموسيقى الشعبية، ووسائل النقل، والإنترنت، والمعاملات المصرفية، والسينما والتلفاز، والعلوم، والرياضة.
ولكن على الرغم من التأثير المذهل لحضور اللغة الإنجليزية والضغوط التي يفرضها ذلك الحضور على مفردات اللغة الوطنية، إلا أنها تكاد لا تمس النحو والقواعد وطريقة اللفظ. وعلى النقيض من اللغات الوطنية التي اضمحلت بتأثير من لغات المستعمرين الأوروبيين، فإن اللغات الرسمية للاتحاد الأوروبي تتسم بالقوة والحيوية: فهي مدعومة بالقواعد، والقواميس، والسجلات المحفوظة، والمكتبات، وكليات اللغويات. وتمتلك هذه اللغات أدباً مطبوعاً يرجع تاريخه إلى قرون من الزمان، علاوة على ما تتمتع به من حماية وثيقة من قِـبَل دول قوية.
وعلى هذا، فلن يكون من اليسير على اللغة الإنجليزية أن تعمل على تهميش اللغات الأوروبية، حتى بعد أن تتعلمها أغلبية ضخمة من السكان. ولكن من الممكن أن تتعايش اللغة الإنجليزية مع اللغات الوطنية إذا ما حرصت الدولة على حماية اللغة الوطنية، وإذا لم يسمح المواطنون للغة الإنجليزية بالاستيلاء على كافة الميادين ذات الاعتبار.


Comments (0)
You need to login in order to leave a comment. If you do not yet have an account, please register.
The two commenting options explained
Watch a 1 minute video
to discover how you can comment on the entire article or a specific paragraph. The two images below also explain the two ways of commenting.
1) Entire article comment
Once logged in, simply click inside the comment box where it says "Enter text here." Enter and post your comment.
2) Paragraph comment
Please log in first. Then click to the left of the desired paragraph. Your cursor will automatically move to the comments box. Enter and post your comment.