Exit from comment view mode. Click to hide this space
Email | Print

نزع فتيل سلاح الطاقة الروسي

كوبنهاجن ـ مع اقتراب الشتاء، يتذكر العديد من الناس في أوروبا الوسطى والشرقية قرصة  برد الشتاء الماضي التي شعروا بها حين تعمدت روسيا قطع إمدادات الغاز. كان ذلك التوقف المفاجئ بمثابة رسالة تذكير قاسية مفادها أن الغاز أصبح الآن الأداة السياسية الرئيسية التي يستعين بها الكرملين في سعيه إلى إعادة تأسيس مجال مصالحه المتميز في المنطقة التي يعتبرها "الخارج القريب" من روسيا. وإذا سُمِح لروسيا بالاستمرار في فرض القواعد التي تحددها موسكو على إمدادات أوروبا من الطاقة، فإن النتيجة سوف تكون باهظة التكاليف ـ ليس فقط بالنسبة لأوروبا، بل وبالنسبة لروسيا أيضاً.

لذا فقد حان الوقت الذي يتعين فيه على الاتحاد الأوروبي أن يكف عن التعامل مع الطاقة باعتبارها قضية ثنائية حيث تحاول البلدان الأعضاء الأكبر حجماً حماية مصالحها الضيقة الخاصة على حساب الصالح الأوروبي المشترك. إن الاتحاد الأوروبي في حاجة ماسة إلى بناء سياسة مشتركة في التعامل مع الطاقة وسوق موحدة للغاز الطبيعي. وإلى أن يحدث هذا فسوف يظل الخطر قائماً في أن تخترع روسيا أساليب حصار جديدة بهدف إدامة سياسة "فَرِّق تَسُد" التي شهدها العالم منذ تولى بوتن مقاليد السلطة.

ويشكل خط أنابيب نورد ستريم للغاز الذي يجري التخطيط لمده على قاع بحر البلطيق مثالاً جيداً للمشاكل التي يواجهها الجميع في أوروبا. لقد تأسس خط الأنابيب هذا باعتباره مشروعاً مشتركاً بين روسيا وألمانيا وهولندا، ولكن شركة الطاقة الروسية العملاقة جازبروم هي التي تتولى الزمام لأنها تمتلك 51% من الأسهم. وسوف تتمكن روسيا بفضل خط أنابيب نورد ستريم من تسليم الغاز الطبيعي مباشرة إلى ألمانيا من دون استخدام الشبكات الأرضية القائمة.

للوهلة الأولى قد لا يبدو في الأمر أي مشكلة. ولكن السبب الحقيقي وراء رغبة روسيا في مد خط أنابيب نورد ستريم ـ وهو الخط الأكثر تكلفة من شبكة خطوط أنابيب الغاز القائمة حالياً ـ هو أنه سوف يمكن روسيا من قطع إمدادات الغاز عن بلدان أعضاء في الاتحاد الأوروبي، مثل بولندا ودول البلطيق، أو بلدان مجاورة مثل أوكرانيا، في حين يظل عملاؤها في ألمانيا وغيرها من بلدان أوروبا الغربية متمتعين بالراحة والدفء.

ولقد أعلنت البلدان التي لديها أسباب وجيهة للخوف من أزمة روسية مفتعلة بوضوح أن الدافع وراء مد خط أنابيب نورد ستريم سياسي وليس اقتصاديا. إذ أنه من الأرخص كثيراً توسيع شبكة خطوط الأنابيب الأرضية القائمة بدلاً من مد خط أنابيب جديد تحت البحر. فضلاً عن ذلك فإن قدرة روسيا في المستقبل على تلبية الطلب على الغاز من احتياطياتها التجارية على نحو قابل للاستمرار يشير إلى أن خط أنابيب نورد ستريم قد يستخدم لقطع مبيعات الغاز عن العملاء غير المفضلين.

إلا أن هذه المخاوف قد أزيحت جانباً بفعل اللوبي القوي المؤيد لخط أنابيب نورد ستريم، والذي يتزعمه المستشار الألماني السابق جيرهارد شرودر ، الذي سارعت شركة جازبروم إلى تعيينه بعد أن وافق على مد هذا الخط أثناء توليه لمنصبه. والواقع أن مثل هذه الخطوة كانت لتستلزم الملاحقة القضائية في أغلب البلدان الديمقراطية، ولكن لم يُجر أي تحقيق جاد في مدى ملاءمة تعاملات شرودر في هذا السياق. وربما كان ذلك راجعاً إلى حجم وأهمية العلاقات الاقتصادية الألمانية الروسية.

وفي شهر نوفمبر/تشرين الثاني فوجئنا بموافقة ثلاثة بلدان اسكندنافية على مرور خط أنابيب نورد ستريم على قاع البحر في مياهها الإقليمية، وهذه البلدان هي الدنمرك والسويد وفنلندا. ومن الواضح أن هذه البلدان تنظر إلى هذه القضية باعتبارها "مسألة فنية"، وهي تشعر بالارتياح الآن بعد الضمانات البيئية التي حصلت عليها.

بيد أن نورد ستريم ليست بالمسألة الفنية. ولابد من معالجة مخاوف البلدان التي تخشى أن تنبذ بالعراء، وهذا هو السبب الذي يجعل من إنشاء سوق موحدة للغاز الطبيعي في الاتحاد الأوروبي أمراً ضرورياً. وبهذا فلن يُترَك أي بلد مكشوفاً في مواجهة الضغوط الروسية.

لا شك أن أوروبا تحتاج إلى الغاز الروسي، ولكن المخاوف من أن تتمكن روسيا بهذا من إحكام قبضتها الاحتكارية على أوروبا مبالغ فيها. ذلك أن حصة روسيا في إجمالي واردات الاتحاد الأوروبي من الغاز تزيد اليوم قليلاً على 40% مقارنة بحوالي 80% في عام 1980. فضلاً عن ذلك فإن الغاز الروسي يشكل 6-7% فقط من إجمالي إمدادات الاتحاد الأوروبي الرئيسية من الطاقة.

وهذا يعني عموماً أن الاعتماد على الغاز الروسي لا ينبغي أن يشكل سبباً للخوف. ولكن المشكلة أن بعض البلدان في القسم الشرقي من الاتحاد الأوروبي أكثر اعتماداً على الغاز الروسي مما يوحي به متوسط الأرقام. وعلى هذا فلابد من منح هذه البلدان ذلك النوع من التضامن الذي يشكل أساساً جوهرياً لعضوية الاتحاد الأوروبي.

كانت تجربة انقطاع إمدادات الغاز في العام الماضي ذات فائدة واحدة: فقد سمحت بإحياء الخطط الرامية إلى إيجاد مسارات بديلة، مثل خط أنابيب نابوكو الذي من المفترض أن ينقل الغاز من أذربيجان إلى أوروبا عبر تركيا. هذا فضلاً عن الاتفاق بين روسيا والاتحاد الأوروبي على إنشاء نظام إنذار مبكر للتحذير من أي انقطاع محتمل للإمدادات. ويبدو أن رئيسة وزراء أوكرانيا يوليا تيموشينكو نجحت في إقناع رئيس الوزراء بوتن بإبرام صفقة غاز جديدة. ورغم كل ذلك فإن المخاوف تظل مرتفعة في البلدان الأكثر عُرضة لانقطاع جديد في الإمدادات.

الواقع أنه لمن مصلحة روسيا ذاتها أن يتعامل معها الاتحاد الأوروبي بوصفه كياناً موحداً. ذلك أن استمرار المخاوف والشكوك بشأن إمدادات الغاز الروسية من شأنه أن يقود بلدان الاتحاد الأوروبي الأكثر عُرضة للخطر إلى محاولة حماية نفسها بعرقلة المفاوضات الجارية بين الاتحاد الأوروبي وروسيا بشأن إبرام اتفاقيات شراكة وتعاون جديدة.

في خطابه عن حالة الأمة في نوفمبر/تشرين الثاني، أكَّد الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف على ضرورة تحديث الاقتصاد الروسي. ولا شك أن التعاون الأوثق مع الاتحاد الأوروبي يشكل السبيل الأكثر وضوحاً إلى تحقيق هذه الغاية. ولكن ما دام هناك من يرى أن روسيا تستخدم مسألة الطاقة كورقة ابتزاز فإن مثل هذا التعاون سوف يكون في حكم المستحيل.

Reprinting material from this Web site without written consent from Project Syndicate is a violation of international copyright law. To secure permission, please contact us.

Exit from comment view mode. Click to hide this space

Comments (0)

You need to login in order to leave a comment. If you do not yet have an account, please register.

Show comments of
close

The two commenting options explained

Watch a 1 minute video
to discover how you can comment on the entire article or a specific paragraph. The two images below also explain the two ways of commenting.

1) Entire article comment
Once logged in, simply click inside the comment box where it says "Enter text here." Enter and post your comment.

2) Paragraph comment
Please log in first. Then click to the left of the desired paragraph. Your cursor will automatically move to the comments box. Enter and post your comment.

Top Project Syndicate commentaries

Email this article

Your name is required.

Your email is required.


Your friend's name is required.

Your friend's email is required.


A message is required.