Wednesday, July 30, 2014
Exit from comment view mode. Click to hide this space
0

الديون والديمقراطية

برينستون ـ إن أزمة الديون السيادية في الاتحاد الأوروبي تشكل تهديداً أساسياً ليس فقط لليورو، بل وأيضاً للديمقراطية والمساءلة العامة. في الوقت الراهن تقتصر النكبات والمعضلات التي تعاني منها أوروبا على بلدان صغيرة نسبياً مثل اليونان وأيرلندا والمجر. ولكن في كل من هذه البلدان يبدو وكأن الحكومات لجأت إلى الغش فأخلت ببنود أساسية في العقد الديمقراطي.

وتوشك الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي على تسليط الضوء على واحد من هذه البلدان. إن دور المجر لتولي رئاسة الاتحاد الأوروبي يأتي في وقت يشهد جدالاً حاداً حول التغيير الذي أدخله رئيس الوزراء فيكتور أوربان على القانون الدستوري وقمع حرية الصحافة، فضلاً عن جولة جديدة من المخاوف بشأن الاستدامة المالية للدولة.

والواقع أن المجر لديها العديد من الأسباب للتعامل بحساسية مع مسألة العواقب السياسية التي قد تترتب على الديون. فالمجر لا تزال تحمل الرقم القياسي العالمي للتضخم المفرط، حيث هبطت قيمة عملتها إلى مستويات لا يمكن تخيلها في أربعينيات القرن العشرين، الأمر الذي مهد الطريق أمام فرض الدكتاتورية الشيوعية.

إن حسابات الديون في الاتحاد الأوروبي غير مؤكدة وغير ثابتة. وقد يؤدي ضبط الأوضاع المالية في البلدان الواقعة على البحر الأبيض المتوسط الغرض منه فيسمح ـ بتكاليف باهظة ـ بالعودة إلى الترتيبات المالية العادية. ولكن إذا استمر توتر السوق وظلت أسعار الفائدة مرتفعة مقارنة بأسعار الديون الألمانية الآمنة، فإن أعباء الديون سوف تصبح غير محتملة وغير مستدامة في مدة وجيزة. لذا فلعلها فكرة جيدة أن يسارع الاتحاد الأوروبي إلى إعداد آلية توضح كيفية تقليم الديون.

ولقد ساق العديد من خبراء الاقتصاد هذه الحجة على أساس حسابي. ولكن البنك المركزي الأوروبي، وبخاصة عضو مجلس البنك المركزي الأوروبي لورنزو بيني سماجي، يسوق الحجة صد خفض الديون ـ وهي حجة ذات مغزى سياسي وأخلاقي عميق. والواقع أن مبدأ عدم النكوص عن الالتزام بالديون العامة متشابك مع تطور الضمان القانوني، والحكومة التمثيلية، والديمقراطية الحديثة.

وفي أعقاب ثورة 1688، عندما ثارت بريطانيا على إسراف أسرة ستيوارت، تبنت الحكومة البريطانية نهجاً جديداً في التعامل مع الديون. وكان التصويت على الميزانية في البرلمان ـ وهو مؤسسة نيابية تمثيلية ـ بمثابة الضمان لتحمل الشعب بالكامل المسؤولية عن الالتزامات التي تتحملها حكومته. ولقد عمل هذا النهج الدستوري على الحد من نطاق الإنفاق المسرف على الحياة المترفة في البلاط (وعلى المغامرات العسكرية)، التي كانت السمة المميزة للاستبدادية الملكية الحديثة المبكرة.

ثم تعزز درس 1688 بفضل الموجة الثورية الأوروبية التالية. ففي أعقاب الثورة الفرنسية وبعد عهد نابليون كانت فرنسا مثقلة بالديون، ولقد فقدت الأنظمة الثورية مصداقيتها بسبب تضخم العملة الورقية. وبعد أن أعاد مؤتمر فيينا الملك لويس الثامن عشر إلى عرش فرنسا، دارت المناقشات بين مستشاريه حول ما إذا كان لزاماً على فرنسا أن تعترف بالديون التي جلبها نابليون على فرنسا. والواقع أن القرار الذي اتخذته فرنسا بعدم التخلف عن سداد تلك الديون ساهم في توفير الأمن القانوني اللازم لتمكين الاقتصاد الفرنسي من اللحاق بالثورة الصناعية في بريطانيا.

لقد تحولت فكرة المسؤولية المالية إلى جزء بالغ الأهمية من الإجماع الأوروبي الجديد بفضل خبرة التضخم في وقت الحرب والعجز عن سداد الديون في القرن العشرين. ومن بين الأسس التي قامت عليها عملية التكامل الأوروبي كان الاعتراف بأهمية العملة المستقرة في توفير الشرعية السياسية.

والواقع أن المحور الفرنسي الألماني البالغ الأهمية لم يتأسس إلا بفضل اقتناع عميق باعتماد النظام السياسي في الحكم الديمقراطي على أمن الديون. وفي ألمانيا، اعتبرت مصادرة أملاك جيلين من حاملي السندات المنتمين إلى الطبقة المتوسطة بمثابة نتيجة مباشرة لحروب القيصر، ثم حروب هتلر ـ أو بعبارة أخرى، نتيجة لفشل الديمقراطية.

وبعد التضخم والحكومة غير المستقرة، أعاد شارل ديجول بناء النظام السياسي الفرنسي، ولكنه عمل أيضاً على بناء فكرة الأمة الفرنسية، من خلال مناصرة استقرار العملة. ولقد عاد بصراحة إلى إرث نابليون، فزعم أن استقرار فرنسا لن يتحقق إلا بالاستعانة بعملة قوية.

ويبدو أن الثورة المالية التي اجتاحت العالم على مدى العقدين الماضيين قطعت الصلة بين الحكومة التمثيلية وتدبير الموارد المالية العامة. فقد بدت المشتقات المالية وغيرها من الأدوات المالية المعقدة وكأنها تعرض علينا الوسيلة للدوران حول مسؤولية المواطنين عن الإنفاق الذي وافقوا عليه.

وبعبارة أخرى، أصبح التمويل الحكومي الحديث أشبه بقروض الرهن العقاري الثانوي، التي خلقت وهم تملك كافة المواطنين لمساكنهم؛ ولم يعد تطبيق القواعد والحدود أمراً كبير الأهمية. فكان بوسع أي دولة أن تمارس قدراً كبيراً من السخاء من دون أن تضطر إلى تحمل عواقب هذا السخاء. والواقع أن القواعد الصارمة ظاهرياً والتي فرضتها معاهدة ماستريخت للاتحاد الأوروبي وميثاق النمو والاستقرار التابع لها، والذي فرض سقف الـ3% من الناتج المحلي الإجمالي على العجز في الميزانية وسقف الـ60% على الديون الحكومية، شجع الحيل المحاسبية البارعة على تحويل دفة الإنفاق نحو أغراض تجميلية بحتة.

وكانت وقائع الثورة المالية تحدث بالتوازي مع الحرمان الفعلي للمواطنين الأوروبيين من الحقوق والامتيازات. فعلى مدى السنوات العشرين الماضية، بدا الأمر وكأن السلطة تتحول في اتجاه النخبة التكنوقراطية. ومن وراء الكواليس كانت الحيل المحاسبية مصحوبة بحيل سياسية تجري أيضاً من وراء الكواليس. ومن غير المستغرب أن يشتكي المواطنون الآن من تراجع شرعية مؤسسات الاتحاد الأوروبي.

على نحو مماثل، وفيما يتصل بضمان ديون البنوك الأيرلندية في سبتمبر/أيلول 2008، ارتكبت الحكومة الأيرلندية فِعلة ما كان لأي حكومة مسؤولة أن تفكر فيها مجرد تفكير. فقد تحملت المسؤولية عن الالتزامات التي بلغت ضعف الدخل الوطني الأيرلندي، الأمر الذي دفع الديون الحكومية إلى الارتفاع إلى مستوى تجاوز 1300% من الناتج المحلي الإجمالي. ومن المرجح أن ينال رئيس الوزراء براين كوين، الذي ما زال يدافع عن هذا التصرف، عقاباً شديداً في الانتخابات المقبلة.

بيد أن تصرفات كوين لم تكن أكثر من عرض لفشل أوسع نطاقا: فقد انفصم الارتباط الجوهري بين مسؤولية المواطنين ودافعي الضرائب وبين مسؤوليات الحكومة.

وقد تكون فكرة تحويل جزء من ديون بلدان الاتحاد الأوروبي الحكومية الحالية إلى سندات أوروبية جذابة من الناحية الفنية، ولكنها لن تنجح إلا في حالة العودة إلى المبادئ البريطانية التي كانت سائدة في عام 1688 (أو مبادئ الثورة الأميركية). ولابد وأن يشعر دافعو الضرائب في مختلف أنحاء الاتحاد الأوروبي بقدرتهم على السيطرة على التزاماتهم المالية ـ وبأنهم لن يتحملوا المسؤولية عن الأخطاء وعمليات الاحتيال التي ارتكبها التحالف غير المقدس بين التمويل غير المسؤول والحكومة غير المسؤولة.

Exit from comment view mode. Click to hide this space
Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured