Thursday, November 27, 2014
0

كولومبيا والمعاناة الأبدية

إن كولومبيا اليوم في حال أفضل مما كانت عليه منذ أعوام، ويرجع الفضل في ذلك إلى حد كبير إلى زعامة الرئيس ألفارو أوريبي ، إلا أنها تظل دولة تتسم بالغرابة وتواجه تحديات عجيبة وعسيرة. فما تزال منظمة القوات المسلحة الثورية الكولومبية ( FARC ) تحتجز بعض الأفراد الذين اختطفتهم منذ أعوام طويلة. وما زال الأطفال المسلحون يتسكعون في جماعات شبه عسكرية، وهناك تسجيلات فيديو تجمع بين كبار الساسة في كولومبيا وزعماء تجارة المخدرات. وربما كان الأمر الأكثر غرابة تلك المحاولات الحثيثة التي تبذلها الحكومة من أجل تحرير رجال العصابات المأسورين رغماً عن إرادتهم.

منذ عام واحد تقريباً أعيد انتخاب أوريبي بأغلبية ساحقة، تعبيراً عن شعبية وفعالية سياسة "الأمن الديمقراطي" التي تبناها في مكافحة العصابات والعنف الذي ساد البلاد. وبهذه الانتخابات تهدم أقدم نظام مزدوج الحزبية في أميركا اللاتينية، بعد حصول المرشح الرئاسي من حزب بولو الديمقراطي على عدد من الأصوات يتجاوز ما حصل عليه منافسه من الحزب الليبرالي، الأمر الذي أضفى مظهراً انتخابياً على قوى جناح اليسار التي لم تنظر قط إلى صناديق الاقتراع باعتبارها وسيلة للتغيير أفضل من القتال في الجبال.

مؤخراً تم الانتهاء من المفاوضات الخاصة باتفاقية التجارة الحرة بين كولومبيا والولايات المتحدة ( FTA ). وحتى الصفقة المثيرة للشكوك بين أوريبي والجماعات اليمينية شبه العسكرية، والتي تم بمقتضاها العفو عن ثلاثين ألف من أفرادها الذين ارتكبوا جرائم بشعة، وذلك في مقابل نزع أسلحة هذه الجماعات، كانت ناجحة. ولقد بدا الأمر وكأن كولومبيا تشهد نجاحاً كبيراً في ظل زعامة أوريبي .

إلا أن أغلب هذا النجاح قد تبدد منذ ذلك الوقت، وأصبحت كولومبيا، ومعها أوريبي ، في ورطة عميقة. فقد هزت فضائح ما أطلق عليه "البارابوليتيكا" حكومة أوريبي ، الأمر الذي أدى إلى استقالة عدد من الوزراء، وإحراج آخرين، بما فيهم الرئيس ذاته. وكانت الصور الفوتوغرافية، وتسجيلات الفيديو والتسجيلات الصوتية لشخصيات سياسية وأفراد من العصابات شبه العسكرية (ومنهم من تباهى بقيامه شخصياً بقتل أكثر من ثلاثمائة من أعدائه)، قد ألحقت ضرراً كبيراً بسمعة النخبة السياسية، التي لم تكن تتمتع بشعبية كبيرة، إلا أن بعض أسوأ الشكوك التي كانت تدور حولها قد تأكدت الآن.

ظل الخبراء والناشطون في مجال حماية حقوق الإنسان يعربون عن شكوكهم في أن ظهور جيش موازٍ يتمتع بحسن التسليح والتدريب والشراسة لمكافحة العصابات، لم يكن أمراً عفوياً تلقائياً. وكان العديد من المحللين يعتقدون أن الأمر ينطوي على سياسة متعمدة تخطط لها وتنفذها القوات المسلحة الرسمية والنخبة السياسية لشن حربهم "بعيداً عن السجلات". ويبدو أن فضائح "البارابوليتيكا" أو "باراجيت"، كما أطلق عليها البعض، قد أكدت نوعاً آخر من الشكوك أيضاً: ألا وهو أن التمييز بين الجماعات شبه العسكرية وعصابات المخدرات كان مجرد وهم لا أكثر.

من المؤسف أن هذه الفضائح تأتي في أسوأ توقيت ممكن. فقد أصبحت اتفاقية التجارة الحرة بين كولومبيا والولايات المتحدة مهددة يوم خسر الجمهوريون الأغلبية في كل من مجلسي النواب والشيوخ في الولايات المتحدة في شهر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي. ومع ذلك فما زالت فرص نجاح هذه الاتفاقية أفضل من الاتفاقيتين التجاريتين المعلقتين بين الولايات المتحدة وبين بنما وبيرو. والآن يبدو أن أكبر حلفاء الرئيس جورج دبليو بوش في أميركا اللاتينية لن يخسر اتفاقية التجارة الحرة فحسب، بسبب مخاوف المجلسين التشريعيين في الولايات المتحدة بشأن انتهاكات حقوق الإنسان، بل قد يخسر أيضاً "خطة كولومبيا"، برنامج المساعدات الأميركي الضخم والمثير للجدال، والذي حصلت كولومبيا بموجبه على عشرات المليارات من الدولارات منذ نهاية التسعينيات، لمكافحة عصابات المخدرات كهدف ظاهري، ولكن أيضاً لشن تمرد مضاد، كهدف غير معلن.

كان أوريبي قد أمضى عدة أسابيع في الضغط بشكل مباشر وشخصي على عدد من كبار المشرعين الأميركيين، وهو بلا شك أفضل من يدافع عن نفسه. ولكن كما رفض نائب رئيس الولايات المتحدة السابق آل غور مؤخراً مشاركة أوريبي منصة واحدة في إحدى القاعات في ميامي، فقد رفض العديد من أعضاء الكونغرس الموافقة على اتفاقية تجارية أو اتفاقية مساعدات تربط بينهم وبين حكومة موصومة بانتهاكات فادحة لحقوق الإنسان، أو مشاركة أباطرة المخدرات في جرائهم، أو الأمرين معاً.

لم تكن الولايات المتحدة راغبة قط في ربط اتفاقيات التجارة الحرة بقضايا حقوق الإنسان. ولم يوافق رئيس الولايات المتحدة على إلحاق فصول خاصة بالعمالة والبيئة في هذه الاتفاقيات إلا مجبراً. أما الاتحاد الأوروبي فهو يفكر على نحو مختلف؛ ففي اتفاقيات التعاون الاقتصادي والتجارة الحرة بينه وبين المكسيك على سبيل المثال، أصر على ضم "فقرة الديمقراطية"، التي تجعل من الفوائد الاقتصادية لهذه الاتفاقيات مشروطة بالاحترام المستمر للقواعد الديمقراطية وحقوق الإنسان.

إن سجل كولومبيا الملطخ في مجال حقوق الإنسان يؤثر بشكل واضح على موقف حكومتها على الصعيد الدولي، ويعزز من موقف من يرغبون في تخريب اتفاقية التجارة الحرة بين كولومبيا والولايات المتحدة. على سبيل المثال، تمكن الديمقراطيون من الميالين إلى الحماية في كونغرس الولايات المتحدة من تحصين أنفسهم من اتهامهم بمعارضة التجارة الحرة في حال رفضهم لاتفاقية التجارة الحرة بين كولومبيا والولايات المتحدة، وذلك لأنهم سوف يصدقون في الأرجح على اتفاقيتي التجارة الحرة مع بنما وبيرو.

تُـرى هل يستطيع أوريبي أن ينجو من ورطته الحالية؟ أكاد أرد على هذا التساؤل بالإيجاب شبه المؤكد، ما لم تمسه الفضيحة الأخيرة شخصياً وبصورة مباشرة، أو قررت الولايات المتحدة رفض اتفاقية التجارة الحرة بين البلدين على نحو صريح، أو أجلت تجديد تمويل "خطة كولومبيا"، أو ربطت تجديد تمويلها بشروط جديدة.

إن المأزق السياسي الذي يعيشه أوريبي قد يلحق الضرر بالجميع، إلا أن رفض اتفاقية التجارة الحرة بسبب انتهاكات حقوق الإنسان قد يشكل سابقة صحية. وفي هذه المنطقة من العالم، حيث تتنامى التهديدات الموجهة نحو الديمقراطية وحقوق الإنسان، فإن ربط السياسات التجارية والاقتصادية بهذه الاعتبارات ليس بالفكرة السيئة. وربما نستطيع أن نقول إن أوريبي لا يستحق مثل هذا المصير، إلا أن التاريخ لا يعمل على نحو يوافق هوانا دائماً.

  • Contact us to secure rights

     

  • Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

    Please login or register to post a comment

    Featured