14

محافظو البنوك المركزية تحت الحصار

شيكاغو ــ مسكين بِن برنانكي! فبوصفه رئيساً لمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، بذل من الجهد ما لم يبذله أي رئيس لبنك مركزي آخر في العصر الحديث لمحاولة تحفيز الاقتصاد من خلال السياسة النقدية. فقد خفض أسعار الفائدة على القروض القصيرة الأجل إلى أدنى مستوياتها على الإطلاق. كما تبنى أساليب جديدة مبتكرة لتخفيف القيود النقدية. وأعلن مراراً وتكراراً أنه طالما ظلت الضغوط التضخمية تحت السيطرة فإن مصدر قلقه الرئيسي هو ارتفاع مستوى البطالة في الولايات المتحدة. ورغم ذلك، لم يتورع خبراء الاقتصاد التقدميين عن تأنيبه وانتقاده بشدة لأنه لم يفعل ما يكفي.

ولكن ماذا يريدون أكثر من هذا؟ يقولون إن رفع هدف التضخم من شأنه أن يجعل كل شيء على خير ما يرام. لا شك أن هذا سوف يشكل انحرافاً شديداً عن خط بنك الاحتياطي الفيدرالي، الذي عمل جاهداً لإقناع الناس بأنه سوف يبقي التضخم عند معدل 2% تقريبا. فقد سمحت هذه المصداقية لبنك الاحتياطي الفيدرالي بالتصرف بعدوانية: فمن الصعب أن نتخيل أنه كان ليتمكن من توسيع موازنته إلى المستوى الذي بلغه لو تصور عامة الناس أنه غير مؤتمن على مسألة التضخم. لماذا إذن يريد خبراء الاقتصاد هؤلاء من بنك الاحتياطي الفيدرالي أن يضحي بالمكاسب التي حققها بشق الأنفس؟

تكمن الإجابة في نظرتهم إلى السبب الأساسي للارتفاع المستمر لمعدل البطالة: أسعار الفائدة الحقيقية المرتفعة بشكل مفرط. والواقع أن منطقهم بسيط. فقبل اندلاع الأزمة المالية في عام 2008، دعم المستهلكون الطلب في الولايات المتحدة بالاقتراض المكثف في مقابل أسعار مساكنهم المرتفعة. والآن لم تعد الأسر الأميركية المثقلة بالديون قادرة على الاقتراض وزيادة الإنفاق.

لقد تبخر مصدر مهم من مصادر الطلب الكلي. فمع توقف المستهلكين عن الشراء، كان من الواجب أن تهبط أسعار الفائدة الحقيقية (المعدلة تبعاً للتضخم) من أجل تشجيع الأسر المقتصدة على الإنفاق. ولكن أسعار الفائدة الحقيقية لم تنخفض بالقدر الكافي، لأن أسعار الفائدة الاسمية من غير الممكن أن تنخفض إلى ما دون الصفر. وبزيادة التضخم فسوف يكون بوسع بنك الاحتياطي الفيدرالي أن يحول أسعار الفائدة الحقيقية إلى السلبية بدرجة كبيرة، وبالتالي يرغم الأسر المقترة على الإنفاق بدلاً من الادخار. ومع ارتفاع الطلب فإن الشركات سوف تعود إلى توظيف العمالة، ويصبح كل شيء على ما يرام.

وهذا منطق مختلف عن ذلك الذي يدعو إلى زيادة التضخم كوسيلة لخفض الديون الطويلة الأجل (على حساب المستثمرين)، ولكنه لا يخلو من نقاط ضعف لا تقل خطورة. فأولا، في حين قد تعمل أسعار الفائدة المنخفضة على تشجيع الإنفاق إذا كان الائتمان سهلا، فليس من الواضح على الإطلاق ما إذا كان المدخرون التقليديون اليوم قد يعودوا إلى الإنفاق. ولنتأمل هنا حالة موظفة بمكتب تقترب من التقاعد. فقد ادخرت لأنها كانت تريد جمع القدر الكافي من المال للتقاعد. ونظراً للعائدات الهائلة على المدخرات منذ عام 2007، فإن احتمالات استمرار أسعار الفائدة المنخفضة قد يحملها على تنحية المزيد من المال جانبا.

وبدلاً من ذلك فإن أسعار الفائدة المنخفضة قد تدفعها (أو صندوق التقاعد الذي تساهم فيه) إلى شراء سندات طويلة الأجل محفوفة بالمخاطر. وإذا ما علمنا أن هذه السندات مبالغ في تقدير سعرها بالفعل، فإن مثل هذا التحرك من شأنه أن يهيئها للهبوط عندما ترتفع أسعار الفائدة في نهاية المطاف. والواقع أن أميركا ربما بدأت بالفعل إضافة أزمة معاشات التقاعد إلى مشكلة البطالة.

وثانيا، من الواضح أن الديون الأسرية المفرطة في الولايات المتحدة ــ وأيضاً انخفاض الطلب ــ محلية، كما أظهر زميلي أمير صوفي والمؤلف المشارك معه عاطف ميان. فقد خسر مصففو الشعر في لاس فيجاس وظائفهم من ناحية لأن الأسر هناك مثقلة بالديون الناجمة عن موجة رواج الإسكان، ومن ناحية أخرى بسبب الاستغناء عن العديد من عمال البناء المحليين والوسطاء العقاريين. وحتى لو كان بوسعنا إكراه المدخرين التقليديين غير المدينين على الإنفاق، فمن غير المرجح أن يكون عددهم في لاس فيجاس كافيا.

ولو كان هؤلاء المدخرون غير المدينين في مدينة نيويورك، التي لم تشهد قدراً كبيراً من الازدهار والركود، فإن خفض أسعار الفائدة من شأنه أن يشجع الإنفاق على تصفيف الشعر في مدينة نيويورك، التي يوجد بها وفرة من الطلب بالفعل، ولكن ليس في لاس فيجاس، التي ينخفض فيها الطلب إلى حد كبير. ولكن من ناحية أخرى، فإن أسعار الفائدة الحقيقية ليست أداة تحفيز فعّالة، حتى ولو نجحت.

وثالثا، نحن لا نعرف الكثير عن الكيفية التي يشكل بها عامة الناس توقعاتهم بشأن الخطوات التي قد يتخذها البنك المركزي في المستقبل. فإن أعلن بنك الاحتياطي الفيدرالي أنه سيتسامح مع نسبة تضخم 4%، فهل يتصور عامة الناس أن بنك الاحتياطي الفيدرالي يخادع، أو إذا كان من الممكن كسر هدف تضخم ضمني مرة، فهل يمكن كسره مرة أخرى؟ وهل تتحول التوقعات باتجاه معدل تضخم أعلى كثيرا؟ وكيف قد تؤثر علاوة المخاطر المضافة على أسعار الفائدة الطويلة الأجل؟ وأي نوع من الركود قد يكون لزاماً على الولايات المتحدة أن تتحمله لإعادة التضخم إلى مستويات مريحة؟

الإجابة على كل هذه التساؤلات هي: لا نعرف في واقع الأمر. ونظراً للفوائد الملتبسة التي قد تترتب على أسعار فائدة حقيقية أكثر انخفاضا، فإن تعرض مصداقية البنك المركزي للخطر يُعَد تصرفاً غير مسؤول.

وأخيرا، ليس من الواضح حتى ما إذا كان الحد الأدنى للصفر مسؤولاً في المقام الأول عن ارتفاع مستوى البطالة في الولايات المتحدة. وقد تشارك في تحمل المسؤولية عن هذا الصراعات الكينزية التقليدية مثل صعوبة خفض الأجور والفوائد في بعض الصناعات، فضلاً عن الصراعات غير التقليدية مثل صعوبة التحرك عندما لا يستطيع المرء أن يبيع (أو يشتري) مسكنا.

ولا يجوز لنا أن نتجاهل ارتفاع مستويات البطالة. فمن الواضح أن تحسين قدرة الأسر المدينة على إعادة التمويل بأسعار فائدة حالية منخفضة من شأنه أن يساعد في خفض أعباء الديون المستحقة عليها، كما قد يساعد في هذا أيضاً شطب جزء من ديون الرهن العقاري في الحالات حيث يصبح المقترضون مع انخفاض أسعار المساكن وقد أصبحت قيمة مساكنهم أقل من ديون الرهن العقاري المستحقة عليهم.

وبوسعنا أن نفعل المزيد هنا. فالنبأ السار هو أن ديون الأسر الأميركية تتجه نحو الانخفاض من خلال المزج بين سداد جزء من الديون وشطب جزء آخر منها. ولكن من المهم أيضاً أن ندرك أن المسار إلى التعافي المستدام لا يمر عبر العودة إلى مستويات الإنفاق غير المسؤولة والتي لا يمكن تحملها التي كانت قبل الأزمة، والتي خلفت تأثيراً جانبياً تمثل في خلق فرص عمل غير مستدامة في قطاعي البناء والتمويل.

في ظل معدل ادخار لا يتجاوز 4% من الناتج المحلي الإجمالي، فإن الأسرة الأميركية المتوسطة من غير المرجح أن تكون مفرطة في الادخار. وتكمن السياسة المعقولة في تحسين قدرات القوى العاملة في مختلف أنحاء البلاد، حتى يصبح بوسع أفرادها الحصول على فرص عمل مستدامة وبدخل ثابت. لا شك أن هذا سوف يستغرق وقتاً طويلا، ولكنه قد يكون الخيار الأفضل بين الخيارات المتبقية.

ترجمة: هند علي          Translated by: Hend Ali