Wednesday, October 1, 2014
4

لماذا تعجز الصين عن التكيف

كليرمونت، كاليفورنيا ــ إن التباطؤ الاقتصادي الحالي في الصين يرجع إلى أسباب كثيرة: الاضطرابات المالية في أوروبا، والتعافي الهزيل في الولايات المتحدة، وضعف نمو الاستثمارات المحلية، على سبيل المثال لا الحصر. ولن الصادرات والاستثمارات تمثل على التوالي 30% و40% من نمو الناتج المحلي الإجمالي في الصين، فإن اقتصادها معرض بشكل خاص لضعف الطلب الخارجي وتراكم القروض المتعثرة بسبب الإنفاق المفرط والمسرف على الأصول الثابتة.

ولكن تعرض الصين لهذه العوامل، بقدر خطورتها، يشكل عَرَضاً لمشاكل مؤسسة أعمق. وإلى أن يتم علاج هذه المعوقات الأساسية، فإن الحديث عن نموذج جديد للنمو قائم على الاستهلاك، والذي انعكس في خطة الحكومة الخمسية الثانية عشرة التي أقرت مؤخراً، يصبح مجرد حبر على ورق.

منذ فترة طويلة، انتبه شركاء الصين التجاريين الرئيسيين، والمؤسسات المالية الدولية مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وكبار المسؤولين الصينيين أنفسهم، إلى نقاط الضعف البنيوية الناتجة عن الإفراط في الاستثمار وانخفاض مستويات الاستهلاك الأسري. ولفترة تقرب من عشرة أعوام، ظل كثيرون يحضون الصين على تطبيق الإصلاحات اللازمة لمعالجة هذه الأنماط التجارية، التي تسببت في تقويض رفاهة المواطنين الصينيين العاديين وإرهاق النظام التجاري العالمي.

إن السمة الأكثر شهرة في اختلالات توازن الاقتصاد الكلي الصيني تتلخص في الإفراط في الاعتماد على الصادرات لتحقيق النمو، وهو ما يُعزى عادة على ضعف الطلب الداخلي: فالصين باعتبارها دولة ذات دخل متوسط، تفتقر إلى القوة الشرائية اللازمة لاستهلاك السلع التي تنتجها. وبفضل قدرتها غير المحدودة تقريباً على الوصول إلى أسواق الدول المتقدمة فإن الصين بوسعها أن تستغل الطلب الخارجي العالمي وأن ترفع إمكانات نمو ناتجها المحلي الإجمالي، كما فعلت على مدى العقدين الماضيين.

وإذا كان هذا الرأي صحيحا، فإن الحل واضح ومباشر: فبوسع الصين أن تصحح اختلالات التوازن لديها عن طريق زيادة دخول مواطنيها (من خلال خفض الضرائب، أو زيادة الأجور، أو زيادة الإنفاق الاجتماعي)، حتى يتسنى لهم أن يزيدوا من معدلات استهلاكهم، وبالتالي يقل اعتماد الاقتصاد على الصادرات. والواقع أن كل خبراء الاقتصاد التقليديين تقريباً ينصحون الصين بتبني هذا النهج.

ولكن هناك تفسير آخر لفرط اعتماد الصين على الصادرات، وهو يرتبط بشكل أكبر بالمؤسسات السياسية والاقتصادية الهزيلة في البلاد. وبشكل خاص، يعكس الاعتماد على التصدير جزئياً الدرجة العالية من صعوبة مزاولة الأعمال التجارية في الصين. فالفساد الرسمي، وحقوق الملكية غير المؤمنة، والقيود التنظيمية الخانقة، وضعف الانضباط في السداد، ورداءة الخدمات اللوجستية والتوزيع، وانتشار التزوير على نطاق واسع، والتعرض لأشكال أخرى من سرقة الملكية الفكرية: كل هذه العقبات تؤدي إلى زيادة تكاليف المعاملات وتجعل من الصعب على رجال الأعمال أن يحققوا أي ازدهار في الأسواق المحلية.

وفي المقابل، إذا باعت الشركات الصينية الخاصة منتجاتها لشركات غربية متعددة الجنسيات، مثل وال-مارت، أو تارجت، أو هوم ديبوت، فإنها لا تضطر إلى الانشغال بما إذا كانت قد تحصل على مستحقاتها. وبوسعها أن تتجنب كل المشاكل التي قد تواجهها في الداخل، لأن المؤسسات الاقتصادية والممارسات التجارية الراسخة في الأسواق التي تصدر إليها منتجاتها تحمي مصالحها وتقلل من تكاليف المعاملات بشكل كبير.

ويتجلى الضعف المؤسسي الذي يعاني منه الاقتصاد الصيني في بيانات المسح الدولية. فالبنك الدولي ينشر تقريراً سنوياً عن "سهولة ممارسة الأنشطة التجارية" في 183 دولة ووحدة شبه وطنية. وفي تقريرها الصادر في يونيو/حزيران 2011، جاءت الصين في المرتبة 91 بعد منغوليا وألبانيا وبيلاروسيا. ومن الصعب للغاية بدء أي نشاط تجاري في الصين (المرتبة 151)، ودفع الضرائب (المرتبة 122)، والحصول على تراخيص البناء (المرتبة 179)، وتوصيل الطاقة الكهربائية (المرتبة 115).

وفي مواجهة هذه البيئة العدائية، اضطر أصحاب المشاريع الخاصة الصينيون إلى المشاركة في "التحكيم المؤسسي" ــ مستفيدين من المؤسسات الاقتصادية الغربية التي تتسم بالكفاءة في توسيع تجارتهم (أغلب الأعمال القائمة على التصدير مملوكة لأصحاب مشاريع ينتمون إلى القطاع الخاص وشركات أجنبية).

ولكن من المؤسف، مع استحواذ الصين بالفعل على حصة كبيرة من الصادرات السلعية على مستوى العالم (10,4% في عام 2010) وتسبب الركود الاقتصادي في الغرب في تقييد الطلب الخارجي، أن هذه الاستراتيجية لم تعد قادرة على العمل. ولكن إعادة توجيه أعمالهم نحو السوق المحلية الصينية يتطلب ما هو أكثر من السياسات الحكومية التي تضع المزيد من الأموال في جيوب المستهلكين.

ولكي يتمتع أصحاب الأعمال في الصين بنفس تكاليف المعاملات المنخفضة في التصدير، فإنهم يحتاجون إلى بيئة أعمال أفضل كثيرا: نظام قانوني فعّال، وإطار تنظيمي سليم، وحكومة تحمي علاماتها التجارية بمكافحة سرقة الملكية الفكرية، وشبكات توزيع يمكن الاعتماد عليها، وجهاز بيروقراطي مقاوم للكسب غير المشروع.

لا شك أن الصين لن تتمكن من خلق هذه البيئة بين عشية وضحاها. ففي جوهر الأمر، يتعين على الحكومة الصينية أن تحول الدولة النهابة إلى دولة راعية، وأن تعامل أصحاب المشاريع الخاصة باعتبارهم منتجين للثروة وليس هدفاً للاستغلال. وفي كل البلدان الأخرى تقريبا، تم تحقيق هذا التحول من خلال إقامة حكم القا��ون و/أو الانتقال من الاستبداد إلى الديمقراطية.

إن استحالة الحفاظ على النمو في غياب حكم القانون والمساءلة السياسية تجعل الحزب الشيوعي الصيني في مواجهة معضلة وجودية. فمنذ سحق الحزب الحركة المناصرة للديمقراطية في ميدان السلام السماوي في عام 1989، تعهد الحزب بعدم التخلي عن احتكاره السياسي. ولقد سمحت طفرة رواج الاستثمار وأرباح العولمة على مدى العقدين الماضيين للحزب بتحقيق أهدافه ــ الإبقاء على حكمه على أساس الازدهار الاقتصادي، في حين فشل في إقامة المؤسسات اللازمة لدعم هذا الازدهار. واليوم لم يعد هذا ممكنا.

لذا، فبوسعنا أن نقول إن الفقاعة الصينية ــ وهي فقاعة فكرية وسياسية بقدر ما هي فقاعة اقتصادية ــ قد انفجرت أخيرا. ومع استمرار التباطؤ الاقتصادي في الصين في الكشف عن نقاط ضعفها البنيوية وسياساتها المعيبة، فإن الفكرة التي تم الترويج لها كثيرا، أو "الاستثنائية الصينية" ــ والتي تزعم أن الصين قادرة على الاستمرار في النمو في غياب حكم القانون وغير ذلك من المؤسسات الأساسية التي يشكل وجودها شرطاً أساسياً لقيام اقتصاد السوق الحديث ــ تثبت أنها لم تكن سوى وهم وخيال.

ترجمة: أمين علي          Translated by: Amin Ali

Hide Comments Hide Comments Read Comments (4)

Please login or register to post a comment

  1. CommentedLeo Arouet

    La debilidad de la economía china es evidente: altos costos ambientales, excesiva producción, aumento de la desigualdad y el incremento de la brecha entre pobres y ricos. El sueño chino está lejos de hacerse realidad.

  2. CommentedDaniel Gomes

    China's economic model is its last strides due to many different reasons:

    1. Energy costs: For a low cost export based economy all production and transportation costs are critical.
    Take energy costs for example, besides the amounts required to keep factories running, the amount required dor transportation of goods all the way to europe and U.S is far from negligible.

    And as we've seen in 2008, the oil prices will sky rocket as soon as the western economies start growing again. This will give a major advantage to local production and too countries (e.g. EU members) which have learner not to rely on cheap energy.

    2. Inflation and income gap: China's currency policy and lack of any kind of social protection in particular for the armies of migrant workers which keep factories running, generates a continuously widening gap between purchasing power of the masses and the general cost of living since early 2000s.
    The government has started to tackle this but its too little too late, over the past 10 years basic salaries in south china factories stagnated in around $300 US dollars where as a small flat costs around $200.000 US.
    Migrant workers are making barely enough to sustain their families in the countryside.
    Only a small minority of the native city dwellers is seeing some of the benefits from the China's growth, but even these are being eroded by inflation.

    3. On the other hand the government is simply not able to allow the hordes of migrant workers to further increase to sustain manufacturing expansion and therefore abandoning the country side and food production, without seriously endangering food safety, and again, as we all seen in 2008 with rice and pork prices going haywire and china producers preferring to sell to other countries to maximize their profit instead of selling at government fixed prices to their own citizens, we can all see how easy it would be for basic laws of supply and demand to cause a serious uprise.

    4. With an internal market with no relevant aggregate demand other than essential products plus cars and status products there is little incentive for the continuous large scale investments in china, in fact most of the manufacturing industry which could have been transferred to China has already happened and other countries like Vietnam are presenting themselves as more economical alternatives.

    6. China is a demographic time bomb, in Asia due to the lack of social security (or the low coverage incipient ones like in china) the older generations depend on direct cash handouts from the younger generations and the current generation in their 30s will have to sustain 2 or even 6 elders with their own income.

  3. CommentedDennis Argall

    While keenly awaiting the comments of others, let me offer this link:

    http://www.smh.com.au/national/defence-boss-uses-rare-tools-to-build-foreign-friendships-20120706-21mfw.html

    as illustration of how human perspectives contribute to the general need of which I wrote thus:

    "...Construction of collaborative connections with China by the US, Japan and others including Australia, is of the utmost importance for global security. We will all do better if we shift from zero sum gaming, make room."

    Hostility and pessimism, in my view, breed hostile and pessimistic outcomes.

  4. CommentedDennis Argall

    Elsewhere
    http://online.wsj.com/article/SB10001424052702304746604577380073854822072.html
    Prof Pei has spoken of China's government as a statistical outlier in its longevity among autocracies. China is also an outlier for its population size and consequent governance issues, its poverty and the historically unique rate of revolutionary change and its climb from poverty since 1978.

    There are problems with generalisations for the whole country. I was saying to people in the 1980s that the Chinese coastal strip contained at least four equivalents of post-war Japan, not like the 'little tigers' of Taiwan, South Korea, Hong Kong and Singapore, but on the scale of Japan itself; same picture more dramatic now. While other parts of China are less developed.

    The discussion in Prof Pei's later paragraphs about problems of accountability might be put in context of the way things have gone in western economies in recent times. There has not been much on offer for China as exemplary (or successful) political or commercial conduct in the US or EU or Russia, or India in the reform era from 1978.

    I have argued elsewhere
    http://dennisargall.blogspot.com.au/2012/05/china-and-future-of-everything.html
    that Chinese leaders work with more freedom, plan with more freedom than currently evident in many western democratic systems or academic institutions.

    I am not aware of any thread of political desire in this generation (or the next, the graduates mentioned) to break up this unprecedentedly large country, apart from some elements in minority populations.

    If we say there are problems for the rich and productive in China in getting more deeply into the markets of less developed parts of China, compare the EU dilemma, Germany needing to sustain and build its poorer and 'less well governed' fellow EU members if it is not to lose its own wealth.

    Mind you, I worry about my country's 20% GDP dependence on exports
    http://www.tradingeconomics.com/australia/exports-of-goods-and-services-percent-of-gdp-wb-data.html
    ... while having more confidence in China's government to address big new issues than I have in the capacities of my own country's political system, let alone those of the US. We need to think about ourselves when doing this too-common rough-up of China.

    Yes, there are dinosaurs in the Chinese system, I recognise them because they are familiar locally. But there needs to be something more than this kind of statistical chartism, some more refined political examination, to really claim that China is on the verge of collapse.

    I am concerned not least because arguing in the United States about China in this way has for decades fed adversarial ways of thinking about China, which do nothing to lead towards positive outcomes. Feeding the kind of thinking that still imagines Reagan brought down the Soviet Union. Construction of collaborative connections with China by the US, Japan and others including Australia, is of the utmost importance for global security. We will all do better if we shift from zero sum gaming, make room.

Featured