Monday, September 22, 2014
9

تقدير الأمم المتحدة حق قدرها

ملبورن ــ لا شيء أعظم من التعرض للشباب الأذكياء المثاليين لجعل الساسة والمعلقين المنهكين المتشائمين من الحياة يشعرون بأن المستقبل مشرق. وقد مررت بهذه التجربة للتو عندما التقيت بالوفود التي حضرت مؤتمر النموذج العالمي للأمم المتحدة الثاني والعشرين، والذي جمع في أستراليا بين أكثر من 2000 طالب من مختلف قارات العالم وعمل كملتقى ثقافي كبير لمناقشة السلام، والتنمية، وحقوق الإنسان، ودور الأمم المتحدة في تأمين كل هذا.

وكان أكثر ما أثار إعجابي مدى الحماس الذي شعر به هذا الجيل من زعماء المستقبل إزاء أهمية وقدرة نظام الأمم المتحدة. وهم على حق: فالأمم المتحدة قادرة على تحقيق الإنجازات عندما يتعلق الأمر بالأمن الوطني، والأمن البشري، والكرامة الإنسانية. ولكن كما أخبرتهم، فإنهم محملون بمهمة كبرى تتلخص في الإقناع.

لا نجد في العالم أجمع منظمة تجسد هذا العدد الكبير من الأحلام، ولكنها رغم ذلك تقدم هذا الكم من الإحباطات، مثل الأمم المتحدة. فعلى مدى القسم الأعظم من تاريخه، كان مجلس الأمن سجيناً لمناورات القوى العظمى؛ وكانت الجمعية العامة مسرحاً للخطابة الفارغة؛ وكان المجلس الاقتصادي والاجتماعي مختلاً وعديم الجدوى؛ وكانت الأمانة العام، على الرغم من كل تفاني وتألق مجموعة متميزة من الأفراد، تفتقر إلى الكفاءة إلى حد مروع.

الواقع أن الجهود التي بذلتها شخصياً من أجل النهوض بقضية إصلاح الأمم المتحدة عندما كنت وزيراً لخارجية أستراليا كانت خيالية وغير منتجة بقدر أي شيء حاولت القيام به في أي وقت. إصلاح هياكل الأمانة العامة وتفعيل العمليات اللازمة للحد من الازدواجية، وإهدار الموارد، وبذل الجهود في غير محلها؟ كل هذا كان سرابا. تغيير تشكيل مجلس الأمن لضمان أنه بدأ يعكس عالم القرن الحادي والعشرين، وليس عالم خمسينيات القرن العشرين؟ مستحيل.

ولكني أيضاً شهدت بعض التجارب المبهجة للأمم المتحدة في أفضل حالاتها. على سبيل المثال، نجحت خطة السلام الخاصة بكمبوديا في تسعينيات القرن العشرين في انتشال البلاد من عقود من الإبادة الجماعية المروعة والحرب الأهلية القبيحة الطويلة. وعلى نحو مماثل، لا تزال معاهدة الأسلحة الكيميائية، التي أفرزها مؤتمر الأمم المتحدة بشأن نزع السلاح في جنيف، تُعَد المعاهدة الأكثر قوة في مجال السيطرة على أسلحة الدمار الشامل على الإطلاق.

ولعل تجربة واحدة تتفوق على كل التجارب الأخرى. ففي عام 2005، فبمناسبة الاحتفال بمرور ستين عاماً على تأسيس الولايات المتحدة، أقرت الجمعية العامة التي انعقدت على مستوى  رؤساء الدول والحكومات بالإجماع مبدأ مسؤولية الدول عن حماية السكان المعرضين لخطر الإبادة الجماعية وغيرها من الجرائم الوحشية الجماعية. وبذلك التصويت، بدأ المجتمع الدولي في استئصال اللامبالاة المخزية التي صاحبت المحرقة، ورواندا، وسربرينتشا، ودارفور، والكثير من الكوارث المماثلة.

وما يتعين على جماهير الناس فهمه بشكل أفضل هو ببساطة كم عدد الأدوار المختلفة التي تضطلع بها الأمم المتحدة. إن الأقسام والبرامج والأجهزة والهيئات المتعددة داخل نظام الأمم المتحدة تتعامل مع مجموعة واسعة من القضايا، من السلام والأمن بين الدول وداخلها إلى حقوق الإنسان، والصحة، والتعليم، وتخفيف حدة الفقر، والإغاثة من الكوارث، وحماية اللاجئين، والإتجار في البشر والمخدرات، وحماية التراث، وتغير المناخ والبيئة، وغير ذلك الكثير. بيد أن الأمر الذي يحظى بأقل قدر من التقدير والاهتمام هو مدى فعالية هذه الهيئات من حيث التكاليف ــ مع كل ما تحمله من أوجه القصور ــ في أدائها الإجمالي، من الناحيتين المطلقة والنسبية.

إن الوظائف الأساسية التي تقوم بها الأمم المتحدة ــ مع تنحية بعثات حفظ السلام جانبا، ولكن مع ضم عملياتها في مقرها بمدينة نيويورك؛ ومقراتها في جنيف، وفيينا، ونيروبي؛ وفي بعثاتها الخمس الإقليمية على مستوى العالم ــ تعمل الآن من خلال 44 ألف موظف بتكاليف تبلغ نحو 2,5 مليار دولار سنويا. وقد يبدو هذا كثيرا، ولكن إدارة إطفاء الحرائق في طوكيو تنفق نحو نفس المبلغ كل عام، وينفق إدارة الخدمات الإنسانية الأسترالية 3 مليار دولار أخرى (بعدد أقل من الموظفين). وهاتان مجرد إدارتين في اثنتين فقط من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة والتي يبلغ عددها 193 دولة.

وحتى مع ضم البرامج ذات الصلة (مثل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ومكتب المفوض الأعلى للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين)، فضلاً عن أنشطة حفظ السلام (التي يشارك فيها أكثر من 110 ألف جندي دولي، ورجل شرطة، وموظف مدني)، فإن تكاليف نظام الأمم المتحدة الإجمالية لا تتجاوز 30 مليار دولار سنويا. وهذا أقل من نصف الميزانية السنوية لمدينة نيويورك، وأقل كثيراً من ثلث ما يقرب من 105 مليار دولار كانت المؤسسة العسكرية الأميركية تنفقها سنوياً في المتوسط في أفغانستان. ولقد حصل الموظفون في وال ستريت على مبلغ أكبر في هيئة مكافآت سنوية (33,2 مليار دولار) في ��ام 2007، العام السابق لاندلاع الأزمة المالية العالمية.

إن مجمل العاملين في أسرة الأمانة العامة للأمم المتحدة بالكامل والهيئات التابعة لها، إلى جانب قوات حفظ السلام الحالية، يبلغ نحو 215 ألف شخص في مختلف أنحاء العالم ــ وهو ليس بالعدد القليل، ولكنه أقل من واحد على ثمانية من نحو 1,8 مليون موظف يعملون في ماكدونالدز وفروعها في مختلف أنحاء العالم.

وخلاصة القول هنا أن الأمم المتحدة، كما يدرك الشباب المجتمعون في ملبورن تمام الإدراك، تقدم قيمة رائعة في مقابل ما ينفقه عليها العالم، وإنها إذا توقفت عن الوجود في أي وقت فإننا لابد أن نعيد اختراعها. صحيح أن الجوانب السلبية حقيقية، ولكن ينبغي لنا أن نتذكر الكلمات الخالدة التي جاءت على لسان داج همرشولد، الأمين العام الثاني للأمم المتحدة: "لم يكن الغرض من إنشاء الأمم المتحدة أن تأخذنا إلى الجنة، بل لتنقذنا من الجحيم".

ترجمة: إبراهيم محمد علي          Translated by: Ibrahim M. Ali

Hide Comments Hide Comments Read Comments (9)

Please login or register to post a comment

  1. CommentedL SE

    If a company is obsolete, the market loosens its regulations and gets competitors to replace it, or the company will be forced to reform. It is normal for a market to do this to make sure it stays ahead of competing markets - why not for the UN?

  2. CommentedDavid Donovan

    The question is always; who is represented? The UN is a gathering of the representatives of those who control the individual countries. It is not a representative body of the people of the world in as much as governments rule but do not represent their people.

  3. CommentedNathan Weatherdon

    Denis,

    Why should donors not expect to get some of their own people on staff, whether to build relations with the country, to exert influence, to support accountability for whatever the country wanted the money for in the first place, or for other reasons? Maybe they (e.g. Kenya) don't even need the Europeans to do the actual work (an incorrect assumption in too many cases, as outside help alongside capacity building truly is needed in many occasions), in which case there are still many reasons for donor countries to want to have their own people working on projects that are most strongly supported by their leadership and/or populace.

  4. CommentedJen PeiWeng

    Mr. Evans could you introduce a little bit more about “to reflect the world of the twenty-first century”?

  5. CommentedDenis Lee Onyango

    Mr Gareth while I share your sentimentalism and your passion about the 'relevance and capacity of the UN system' pragmatic concerns of staffing (quality vs quantity) and waste of resources are emerging as major issues that renders UN irrelevant. The UN is being hijacked by pseudo-careerist with blond hair which should necessitate dialogue because the ineffectiveness and waste -due to lack of accountabilty - forced upon the the idea of the UN by these careerist on apparent assumption either the employed 44,000 people at a cost of around $2.5 billion a year is cheap is baseless. Africa benefits the UN by creating poverty and hunger I feel that 50% of the 44, 000 must hail from places with experience on issues at hand be it conflict, peace issues, poverty and hunger. I dont see how 'smart and idealistic young european' out of college should run a UNDP programe in Kenya with no experience just because they belong to a donor country or the color of their eyes qualify them to better deliver when it comes to national security, human security, and human dignity. How about racism at the UN hq of Africans and Asian??


  6. CommentedJ St. Clair

    the last quote.......living on earth is hell......yes....it is....have to pay for just about everything......

  7. CommentedFrank O'Callaghan

    The question is always; who is represented? The UN is a gathering of the representatives of those who control the individual countries. It is not a representative body of the people of the world in as much as governments rule but do not represent their people.

  8. CommentedPeter Wickwire Foster

    A refreshing overview of an organization that achieves an incredible amount with very little. Critics tend to focus on the high profile failures, while ignoring the many significant and long lasting success of the UN.

    The UN is a political organization, a reality sometimes forgotten by its naysayers. It gives a voice to all members, even those with views and policies that the West may not like. However by giving them a voice we get to understand them better. And it is often the case that members from smaller nations may have insights that would otherwise not be heard if they didn't have the UN forum to speak.

    If we are to achieve any progress in the truly global issues that are faced today, from peacekeeping to global health, from global warming to human rights, the UN will be the forum in which the answers are found.

  9. CommentedCarol Maczinsky

    The real issue is not the United Nations as a failed body, the real issue is the utter failure of the decolonialisation movement. For activists from occidental democracies it is an insult that their nation bankroll a money machine for dictatorial diplomates and listen to the views from all the banana state governments about hu-mani-ty. I always got the impression in Geneva most UN diplomates are persons on drugs. To get better governance we don't need the UN but technical incentives and prudence.

Featured