Friday, October 31, 2014
0

الأسلوب الخطأ في النظر إلى قضية النفط

في خطابه الأخير عن حالة الاتحاد، صرح الرئيس جورج دبليو بوش أن أميركا "أصبحت مدمنة على النفط". ثم أعلن عن إنشاء برنامج لأبحاث الطاقة من شأنه أن يقلل واردات أميركا من النفط من الشرق الأوسط بنسبة 75% خلال العقدين القادمين. ولكن حتى إذا ما نجح برنامجه، فلن يخدم كثيراً في تعزيز أمن أميركا فيما يتصل بالطاقة. ذلك أن الولايات المتحدة تحصل على خمس احتياجاتها من النفط فقط من الخليج الفارسي.

وأميركا ليست وحدها في الانزعاج بشأن النفط باعتباره مشكلة أمنية. فقد أدركت الصين والهند، وهما الدولتان الأكثر ضخامة في العالم، أن معدلات النمو الاقتصادي المرتفعة التي تمكنتا من تحقيقها حتى الآن تعتمد أيضاً على النفط الأجنبي. وعلى الرغم من أن الدولتين تستهلكان معاً ما يقل قليلاً عن نصف ما تستهلكه الولايات المتحدة من النفط، إلا أن استهلاك الدولتين يتزايد على نحو أسرع. وحين تستهلك الدول الفقيرة عن كل فرد قدر ما تستهلكه الدول الغنية، فهل يتبقى من النفط ما يكفي الجميع؟

كانت الصين والهند تذرعان العالم جيئة وذهوباً لعقد صفقات باهظة على الصعيدين المالي والسياسي في محاولة لاحتجاز إنتاج الدول الجديدة المنتجة للنفط لنفسها. على سبيل المثال، حين أوصت دول الغرب شركات النفط لديها بعدم التعامل مع حكومة السودان بسبب تقصيرها في الاستجابة لعملية الإبادة العرقية الجارية في دارفور، سارعت الصين إلى شراء كل إنتاج السودان من النفط.

ويزعم بعض خبراء النفط أن الإنتاج العالمي من النفط سوف يصل إلى ذروته خلال عقد من الزمان أو ما إلى ذلك. ويرد آخرون بأن الاكتشافات الجديدة والتكنولوجيا المحسنة في استخراج النفط من الحقول المتاحة حالياً من شأنها أن تجعل هذه التوقعات أكثر تشاؤماً مما ينبغي. ولأن الإحصائيات الدقيقة فيما يتصل بالاحتياطيات في دول مثل المملكة العربية السعودية ليست متاحة، فمن المستحيل أن نحسم هذا الخلاف بشكل قاطع. لكن غالبية الخبراء يتفقون على أن النفط لن ينفد من العالم في أي وقت قريب ـ حتى في ظل الطلب المتنامي من قِـبَل الصين والهند. فمن الثابت حتى الآن أن الاحتياطيات تتجاوز تريليون برميل من النفط، ومن المرجح أن يتم اكتشاف المزيد.

وفي كل الأحوال، فإن هذا الجدل حول حجم احتياطيات العالم من النفط ومتى يصل الإنتاج العالمي إلى ذروته، يتغافل عن قضية الأمن الرئيسية. فجوهر المشكلة لا يكمن في الكمية الإجمالية من النفط، بل في موقعه. ذلك أن ثلثي الاحتياطي المعروف موجود في منطقة الخليج الفارسي، وهي واحدة من أكثر مناطق العالم تقلباً وعرضة للانفجار.

ومن المرجح أن تكون إمدادات النفط عرضة للاضطرابات السياسية قبل مدة طويلة من بروز القضايا الخاصة بندرة الإمدادات بصورة عامة. وبالنسبة للصين والهند، فإن هذه الحقيقة تعزز من رغبتهما في تأمين الإمدادات من النفط من دول واقعة خارج منطقة الخليج الفارسي. وعلى نحو مماثل، فقد دفعت هذه الحقيقة بوش إلى الإعلان عن هدفه الذي يتلخص في تخفيض الواردات من المنطقة بنسبة 75% خلال العقدين القادمين.

للوهلة الأولى قد تبدو مهمة بوش هذه سهلة. فالولايات المتحدة تستهلك حوالي 21 مليون برميل يومياً، وتستورد حوالي 2.5 مليون برميل من ذلك الإجمالي من الخليج الفارسي. وحتى قبل أن تتمكن التقنيات الحديثة من إنتاج هذه الكمية من الوقود البديل، فإن الولايات المتحدة تستطيع أن تتحول إلى الاستيراد من نيجيريا، وفنزويلاً، ودول أخرى. ولكن حتى إذا ما ظلت الأحوال في تلك الدول مستقرة، فلن تكون أميركا آمنة. فالمهم في الأمر هو الكمية الإجمالية التي تستوردها دولة ما من النفط، وليس من أين يأتي.

لنفترض أن الأزمة قد نشبت في الخليج الفارسي بسبب الجهود الإيرانية الرامية إلى الحصول على الأسلحة النووية. لقد هددت إيران بقطع صادراتها من النفط إذا ما فرض مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة عقوبات ضدها بتهمة انتهاك تعهداتها النووية. ويتوقع أغلب الخبراء أن تحركاً كهذا من شأنه أن يرفع من أسعار النفط ـ بما في ذلك النفط القادم من فنزويلا ونيجيريا ودول أخرى، والذي تستهلكه الولايات المتحدة والصين والهند ـ إلى ما يتجاوز المائة دولار أميركي للبرميل. وهذا الارتفاع السريع في أسعار النفط من شأنه بالتالي أن يضر باقتصاد أي دولة تستورد النفط، بصرف النظر عن مصدره.

لقد استوعب العالم ذلك الدرس في أعقاب الحرب العربية الإسرائيلية في عام 1973. فقد فرضت الدول العربية المصدرة للنفط حظراً على بيع النفط إلى الولايات المتحدة وهولندا عقاباً لهما على دعمهما لإسرائيل. لكن النفط الذي كان من المقرر أن يذهب إلى الولايات المتحدة وهولندا تحول إلى دول أخرى مثل اليابان، أما النفط الذي كان من المقرر أن يذهب إلى دول أخرى فقد تحول إلى الولايات المتحدة وهولندا. ذلك أن النفط سلعة يمكن نقلها واستبدالها، والأسواق تتعامل بحرية حين يتم الاتفاق على سعر مشترك. وحين انقشع الغبار تبين أن الولايات المتحدة وهولندا والدول الأخرى المستوردة للنفط عانت بنفس الدرجة تقريباً من نقص الإمدادات وتكبدت نفس الثمن الباهظ المدمر.

هذا يعني أن الصين والهند تتوهمان إذا ما تصورتا أن ��قد الصفقات التفضيلية مع السودان أو إيران من شأنه أن يوفر لهما الأمن. فإذا ما وقعت أية اضطرابات ستكتشف الصين والهند والولايات المتحدة أنها تتكبد ثمناً متساوياً ـ وبالتالي آلام متساوية. وفي ذات الوقت، فإن سوء فهم الصين التجاري للسوق، والذي يتسم بصبغة سياسية اقتصادية، يعني أنها في الغالب تدفع ثمناً أكبر مما ينبغي نظير ما تتصور على نحو خاطئ أنه تأمين لإمداداتها من الطاقة.

بوش أيضاً يرتبك نفس الخطأ. فحتى إذا ما نجح في تقليص الواردات من الشرق الأوسط، فإن أميركا لن تتمتع بالأمن فيما يتصل بالطاقة ما لم تتمكن من كبح تعطشها للنفط. لقد ساعد ارتفاع الأسعار في الماضي في إبطاء معدلات استهلاك النفط في الولايات المتحدة. فهي تستهلك الآن نصف ما كانت تستهلكه عن كل دولار من النفط قبل أن ترتفع الأسعار في السبعينيات. لكن أكثر من نصف النفط الذي تستهلكه الولايات المتحدة يستخدم في تسيير المركبات والشاحنات، ولن تتمكن الولايات المتحدة من حل مشكلة تأمين الطاقة إلى أن يتحسن أداؤها فيما يتصل بالاستهلاك الاقتصادي للوقود. وربما يتسنى ذلك بالجمع بين توليفة من التكنولوجيا، وفرض الضرائب على استهلاك الوقود، وتبني تنظيمات جديدة.

إن النفط لم يكن سبباً في شن الحرب ضد العراق بالمفهوم البسيط الذي يقترح أن سيطرة الولايات المتحدة على نفط العراق من شأنه أن يوفر لها الأمن من حيث إمدادات الطاقة. ذلك أن اعتماد العالم على النفط القادم من الخليج الفارسي يعني أن كافة الدول لديها مصلحة مشتركة في الحفاظ على الاستقرار في تلك المنطقة، وفي نفس الوقت العمل على تحسين كفاءة استخدام الطاقة وزيادة تنوع إمداداتها الإجمالية من الطاقة.

Hide Comments Hide Comments Read Comments (0)

Please login or register to post a comment

Featured